الأربعاء 25 فبراير 2026 08:00 صباحاً صدر الصورة، وزارة العدل الأمريكية
داخل بناية سكنية تعتبر من بين الأفخم في العالم تطل على حديقة هايد بارك الشهيرة في قلب العاصمة البريطانية لندن، استقبل رئيس وزراء قطر السابق الشهير الشيخ حمد بن جاسم وزير الدفاع الإسرائيلي ورئيس الوزراء السابق إيهود باراك في 20 ديسمبر/كانون الأول 2018.
كلمة السر وراء ذلك اللقاء غير المعلن كانت: جيفري إبستين، المليونير الراحل، المدان في قضايا تتعلق بانتهاكات جنسية بحق قاصرات، والذي أزاحت وزارة العدل الأمريكية الستار مؤخراً عن أكثر من 3 ملايين وثيقة من ملفاته.
وتكشف ملفات إبستين جانباً غير معلن عن العلاقات بين الجانبين.
وتشير الوثائق إلى أن حواراً دار بين باراك وبن جاسم حول إمكانية تقديم خدمات أمنية لتنظيم كأس العالم 2022 الذي استضافته قطر، عبر شركة كان يرأسها باراك.
ما أهمية اللقاء؟
جرى اللقاء في ظل بلوغ الأزمة الخليجية ذروتها. ففي عام 2017 أعلنت كل من السعودية والإمارات ومصر والبحرين قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدوحة على خلفية اتهامات بدعمها لجماعات إسلامية أبرزها جماعة الإخوان المسلمين وهو ما أدى إلى عزلة قطر بشكل كامل عن بلدان شقيقة.
كانت اشتباكات بين إسرائيل وحماس قد اندلعت في قطاع غزة في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، أي قبل أسابيع معدودة من هذا اللقاء، قبل التوصل لوقف لإطلاق النار بوساطة مصرية.
لطالما لعبت قطر دوراً رئيسياً في الوساطة بين إسرائيل وحماس في مرات عدة من أجل وقف إطلاق النار على مدار سنوات. وجهت إسرائيل في السابق اتهامات للدوحة بدعم حماس، بينما تصاعد التوتر بشكل بالغ العام الماضي، بعد غارة جوية إسرائيلية استهدفت قياديين في حماس داخل الأراضي القطرية. وصفتها الدوحة بـ المتهورة واعتبرتها "إرهاب دولة".
علاقات قديمة مع إبستين
تشي ملفات إبستين أنه كان يعرف بن جاسم شخصياً منذ 2010 على الأقل، ووصفه إبستين في إحدى المراسلات بـ"الصديق".
كان بن جاسم وزيراً لخارجية قطر بين 1992 و2013 وهي أطول مدة بقي فيها شخص في هذا المنصب في تاريخ الدولة الخليجية. وكان رئيساً للوزراء أيضاً منذ 2007 حتى 2013.
ولا تتضمن ملفات إبستين مراسلات مباشرة بين الرجلين، إلا أن اسم حمد بن جاسم قد ظهر أكثر من 300 مرة في الملفات التي تم الكشف عنها حتى الآن، مع إشارات عرضية إلى اجتماعات بين الرجلين.
في مراسلات أخرى أطلق عليه إبستين اسماً مختصراً (HBJ) كما كان يسميه "عمه العربي". كذلك وصفه ضمن إحدى المراسلات أثناء الأزمة الخليجية بـ "الراشد الوحيد في قطر".
يذكر أنه لا يُعد ورود أسماء في ملفات إبستين دليلاً في حد ذاته على ارتكاب أي سوء فعل.
صدر الصورة، Bloomberg via Getty Images
في الوقت نفسه، توحي المراسلات بوجود علاقة أشبه بالصداقة بين كل من إبستين وجبر بن يوسف آل ثاني، ابن الأسرة الحاكمة في قطر ورئيس وكالة الأنباء القطرية السابق ورئيس مجلس إدارة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية.
ويظهر اسم جبر آل ثاني في ملفات إبستين المفرج عنها حتى الآن 4695 مرة.
أما إيهود باراك، فكان تاريخ علاقته بإبستين يعود على الأقل إلى العقد الأول في الألفية الجديدة، بحسب الملفات التي تشير إلى وجود علاقة وثيقة بينهما.
شغل باراك مناصب عدة، من بينها رئيس الأركان العامة في تسعينات القرن الماضي كما شغل مناصب وزارية عدة من بينها رئيس الحكومة الإسرائيلية ما بين 1999 و2001 وصولاً لمنصبه وزيراً للدفاع الإسرائيلي ما بين 2007 و2013.
وتراوحت المراسلات بينه وبين إبستين بين تبادل التهاني في المناسبات، ترتيب لقاءات وحديث عن الشراكة والأعمال وصولاً لاستضافة باراك وزوجته في شقة إبستين الفخمة في نيويورك. وقد ورد إسم باراك أكثر من 9000 مرة في الوثائق التي نشرت حتى الآن.
وتُظهر رسائل بريد إلكتروني مختلفة أن إبستين كان حلقة الوصل بين جهات عدة ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق.
أُدين إبستين للمرة الأولى عام 2008 بتهمة استغلال قاصر دون سن الثامنة عشرة في الدعارة، وأُدرج على إثرها كمجرم جنسي وقضى 13 شهراً في السجن.
واعتقل مرة أخرى في نيويورك في يوليو/ تموز 2019، وتوفي في زنزانة في سجنٍ في نيويورك في أغسطس/ آب 2019، بينما كان ينتظر محاكمته في اتهامات الاتجار الجنسي.
كان إيهود باراك قد أعلن عن ندمه على علاقته بإبستين، نافياً علمه بجرائمه.
صدر الصورة، وزارة العدل الأمريكية
ترتيب اللقاء في مسكن بن جاسم في لندن
وفقا لرسائل أبستين، جرى ترتيب اللقاء مع حمد بن جاسم عبر جبر آل ثاني.
يبدأ الأمر برسالة من إبستين إلى باراك في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2018 أنه "ترك بن جاسم للتو" ويريد أن يلتقي بباراك.
تُظهر بعدها سلسلة من رسائل البريد الإلكتروني - الخاصة بإبستين - أنه قام بتقديم "صديقه" رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك إلى "أخيه العربي" جبر آل ثاني، كما يصفه إبستين.
بدأ الاثنان يتحدثان عن ترتيب لقاء بين كل من باراك والشيخ حمد بن جاسم.
وأعرب باراك عن حماسته للقاء بن جاسم وقال إن في ظل توالي أحداث "مثيرة ومقلقة على الصعيدين العالمي والإقليمي"، يوجد الكثير للنقاش.
بعد سلسلة مراسلات بين جبر آل ثاني وباراك، استقر الطرفان على لقاء باراك بجاسم في مسكن الأخير الفاخر في لندن في ديسمبر/ كانون الأول 2018.
قبل موعد اللقاء، تظهر رسالة خاصة بين إبستين وباراك طلب فيها إبستين أن يؤكد باراك للقطريين أنه [أي إبستين] لا يعمل لصالح الموساد الإسرائيلي (خدمة الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية).
مشاركة مقترحة في كأس العالم
فهمت بي بي سي من المراسلات التي جرت بعد اللقاء نهاية 2018، أنه تضمن نقاشات حول فرص عقد صفقات تجارية.
لم يكن باراك وقتها مسؤولاً في الحكومة أو عضواً في الكنيست، ولكنه كان يستعد لإطلاق حزب سياسي جديد بعدها بأشهر لمنافسة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو.
ففي سلسلة من رسائل البريد الإلكتروني في يناير/كانون الثاني 2019، طلب جبر آل ثاني من باراك أن يزوده بتفاصيل أكثر عن "شركته الأمنية" التي تحدثا عنها خلال الاجتماع.
ثم أرسل باراك عرضاً تقديمياً لشركته "كاربيان" وأعرب عن رغبته في المشاركة في "الجهود الأمنية لدورة ألعاب 2022" حيث كانت قطر تستعد لاستضافة كأس العالم آنذاك.
وفهمت بي بي سي أن تلك الرسالة كانت بداية مناقشات جرت بين شركة "كاربيان" والجانب القطري بشأن صفقات محتملة.
اقترح باراك أنه مستعد للقيام بأي اتفاق من خلال شركة "أوروبية من اختيار -جبر-" حتى لا يظهر اسم إسرائيل علانية.
استمر تبادل المحادثات حتى فبراير/شباط 2019. كما استفسر جبر آل ثاني في نفس السياق عن مزيد من التفاصيل الخاصة بالخدمات الخاصة بالتقنيات المضادة للطائرات المسيرة. ووعد باراك بإرسالها في رسالة منفصلة.
أضاف باراك، من خلال البريد الإلكتروني، الرئيس التنفيذي، وأبرز مؤسسي كاربيان، أمير اليخاي على خط المراسلات. والذي وعد بمتابعة الأمور بمزيد من التفاصيل.
صدر الصورة، LinkedIn
كما أرسل جبر بيانات شخص يدعى ديمتريس دوميستيكاس، وهو المدير المسؤول في شركة LYSYS WLL، وهي مجموعة من الشركات الهندسية التي تعمل في "تطوير وإدارة مشاريع البنية التحتية الحيوية" في قطر، من بينها نظام المراقبة في استاد السد القطري بحسب موقع الشركة الإلكتروني.
علاقات متقلبة بين الدوحة وإسرائيل
قطر ليست من بين الدول الخليجية أو العربية التي وقعت اتفاقات تطبيع للعلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. لكن العلاقات بين الدوحة وتل أبيب شهدت محطات وتقلبات مختلفة على مر السنين.
فتحت الدولتان مكاتب تمثيل تجاري بين البلدين، أغلقت وأعادت فتح أبوابها عدة مرات بين عامي 1996 و2009.
يقول جيفري أرونسون الخبير الزائر في معهد الشرق الأوسط في حوار مع بي بي سي إن "علاقات إسرائيل مع الدول العربية في منطقة الخليج تتوسع منذ فترة طويلة، وتركز عموماً على قضايا الاستخبارات، وبيع التكنولوجيا المتقدمة من إسرائيل إلى هذه الدول العربية. وتعتبر هذه القدرات مطلوبة في العالم العربي وخارجه".
بالنسبة لأرونسون، فإن المسارين التجاري والاستخباراتي هما الأساس الحقيقي للعلاقة بين إسرائيل ودول الخليج وفي أماكن أخرى، كما يسبقان مسار التطبيع "اتفاقات أبراهام" وأيضاً خطة السلام العربية".
كما يري أن انخراط باراك في مناقشات بشأن صفقة تجارية وأمنية مع مسؤولين قطريين سابقين، ليس غريباً على جيل المسؤولين الإسرائيليين الذين يرون في الخليج فرصة استراتيجية وتجارية هامة.
ويضيف "هذا هدف قديم يسعى إليه العديد من الإسرائيليين، سواء في البداية خلال خدمتهم الرسمية، أو لاحقاً كمستثمرين، أو ما كنا نسميه سابقاً صانعي الصفقات الذين يحاولون إبرام صفقات في الخليج".
يعتقد أرونسون أن الصفقات من هذا النوع تبرم بسهولة أكبر في الخفاء بدلًا من إجرائها تحت أنظار التحقيقات الرسمية أو الإعلامية، ويشير قائلاً إن "الإسرائيليين برعوا في توضيح قدرتهم لشركائهم المحتملين على إخفاء أي صلة لهم بإسرائيل بطرق متعددة، بهدف جعل العملاء أكثر ارتياحاً لفكرة إبرام الاتفاقيات بعيداً عن أعين العامة."
في يوليو/ تموز 2017،عندما كانت الأزمة الخليجية في بدايتها، حاول إبستين إقناع جبر آل ثاني بأن الاعتراف بإسرائيل قد يكون أمراً يستحق النقاش، في سبيل حل الأزمة. ونصحه بأن تحذو قطر حذو الهند، "التي رقص رئيس وزرائها ناريندرا مودي وغَنَّى في إسرائيل قبلها بعام" من أجل الرئيس الأمريكي ترامب، بحسب الرسالة. وتنفي الحكومة الهندية أن تكون واقعة كهذه قد حدثت.
شكرا آل ثاني إبستين على نصائحه، ولم يناقش معه مزيداً من التفاصيل.
كما نصح إبستين جبر في رسالة أخرى بألا تحاول قطر إقناع ترامب بأهمية العلاقة مع قطر عبر التواصل مع الوكالات الأمريكية، قائلاً إن وزير الخارجية في ذلك الوقت ريكس تيلرسون لا يملك نفوذاً، ولكن إسرائيل، وكذلك إيفانكا ترامب تملكان نفوذاً. ولم يرد جبر على هذا المقترح.
لا يرى جيفري أرونسون أن فكرة الترويج للاعتراف بإسرائيل كانت وجهة نظر أبستين فقط، بل يقول إنها "كانت النظرة السائدة في الولايات المتحدة وأماكن أخرى".
ويقول "كانت هذه فرصة لإسرائيل لتعزيز علاقاتها عموماً في تلك المنطقة من العالم. كان باراك مدركاً لذلك، فالأشخاص الذين كان يعمل معهم في المجالين الرسمي والأمني والتجاري، كانوا مهتمين بتوسيع العلاقات".
صدر الصورة، وزارة العدل الأمريكية
ما هي شركة كاربيان؟
في عام 2015، تأسست شركة ريبورتي للأمن الداخلي - والتي أعيدت تسميتها بعد ذلك بكاربيان- على يد أمير إليخاي، وهو ضابط سابق في الجيش الإسرائيلي، وشركاء آخرين من بينهم ضابطة الجيش الإسرائيلي السابقة ليتل ليشام.
تتخصص كاربيان في تطوير تقنيات الجيل الحديث من خدمة الطوارئ 911، وهي تقنية تسمح بتحديد المواقع التقنيات الجغرافية للأشخاص خاصة في حالات الطوارئ، حيث من الممكن للمستخدم مشاركة مقاطع الفيديو وتحديد موقعه الجغرافي بدقة.
كان إيهود باراك رئيس مجلس إدارة الشركة والمساهم الأكبر فيها ، بحسب موقعها الإلكتروني.
تعمل الشركة في دول عدة أبرزها الولايات المتحدة وإسرائيل، ولديها شراكات مع عمالقة التكنولوجيا مثل غوغل وأمازون وغيرها.
وفقاً للمراسلات المنشورة، كان جيفري إبستين أحد المستثمرين في كاربيان بعد انطلاقها عام 2015، من خلال شركة تدعى SUM (E.B.) Limited Partnership، يمكلها باراك. وقبل أسابيع من القبض عليه في 2019، استثمر ملايين الدولارات في سندات مميزة في كاربيان.
بعد القبض على إبستين، استقال باراك من إدارة كاربيان. وقال أمير إليخاي الرئيس التنفيذي للشركة إنه لم يعلم باستثمار إبستين.
صدر الصورة، وزارة العدل الأمريكية
هل تمت الصفقة مع قطر؟
لم توضح المراسلات المتاحة إن كان الجانبان القطري والإسرائيلي مضيا قدماً في الصفقة.
سعت بي بي سي إلى التواصل مع دوميستيكاس الذي ترك شركة LYSYS WLL عام 2020 ولم تحصل على رد.
كما سعت بي بي سي للحصول على تأكيد أو نفي بخصوص الصفقة المحتملة من قبل الرئيس التنفيذي لشركة كاربيان أمير اليخاي ولم تحصل على رد.
رفض إيهود باراك إجراء مقابلة مع بي بي سي، لكن مكتبه أرسل بياناً وصف فيه المراسلات مع جبر بن يوسف آل ثاني عقب الاجتماع مع حمد بن جاسم في لندن بأنها "فكرة أولية لاستكشاف إمكانية تقديم كاربيان لكأس العالم". وأكد باراك أن "الفكرة لم تُطوّر قط"، ونفى أن تكون كاربيان قد شاركت في أي "عرض أو اتصالات أو أنشطة أو مفاوضات أو ترتيبات تعاقدية تتعلق بهذا الأمر".
تواصلت بي بي سي مع مكتب حمد بن جاسم طلباً للتعليق على علاقته بإبستين واللقاء مع باراك ولم نتلق رداً على الأسئلة. كما حاولت بي بي سي التواصل مع جبر بن يوسف آل ثاني ولم تحصل على رد.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




