اخبار العرب -كندا 24: الجمعة 9 يناير 2026 09:27 صباحاً فيلم «Die My Love» للمخرجة الاسكوتلندية لين رامزي من بين أكثر الأعمال التي اقتربت من تجربة ما بعد الولادة من دون تلطيفها أو تحويلها إلى «درس». الفيلم، المقتبس من رواية الأرجنتينية أريانا هارفيتش (2012)، يُتابع «غريس» (جنيفر لورنس)، كاتبة وأمّاً شابة تنتقل إلى ريف مونتانا، لتدخل في دوامة اضطراب نفسي حادّ بعد الولادة يضغط على علاقتها بزوجها «جاكسون» (روبرت باتينسون) وعلى قدرتها على الإمساك بخيط الواقع.
منذ اللقطات الأولى، يرفض الفيلم الصورة النمطية للأمومة على أنها «اكتمال» تلقائي أو انتقال سلس إلى دور جديد. رامزي تضع الأمومة في قلب السؤال بعد إخراجها من موقع الإجابة. «غريس» ليست أمّاً سيئة، ولا تُقدَّم أيضاً على أنها أمّ مثالية تُكافَأ على صبرها. هي إنسانة تنكمش حياتها فجأة داخل مساحة ضيّقة يُمثّلها البيت والطفل والروتين وتكرار الزمن. وسط هذا الضيق، تتشكَّل الطبقة الأولى التي يبني عليها الفيلم اختلال المنطق. فالأمومة لا تأتي دائماً مع «فيض معنى»، وقد تأتي أحياناً مع فقدان تدريجي لمعنى الذات.
في هذا المناخ يتقدَّم موضوع فقدان الطموح بطريقة غير مباشرة. «غريس» كاتبة، لكنّ الكتابة لا تظهر على أنها منجز أو خلاص. هي هوية سابقة تتآكل تحت ضغط اليومي، فيتسرَّب الطموح عبر الانقطاع والتشتُّت والعجز عن البدء، ثم الشعور بالذنب لأنّ العجز نفسه يُقرأ اجتماعياً على أنه ضعف أو تدلُّل. لا يرفع الفيلم شعاراً حول «تحطيم أحلام النساء»، لكنه يجعل المُشاهد يرى كيف يمكن للأحلام أن تُطمَر تحت مسؤوليات تبدو عادية في ظاهرها.
أما العزلة الداخلية، فهي الثيمة الأكثر ثباتاً. ريف مونتانا سياق يُضاعف الإحساس بالانفصال. الاتّساع لا يمنح حرّية بقدر ما يُعرّي الفراغ. كلّ شيء بعيد. الناس والمدينة والإيقاع السابق للحياة. وحين يتقلَّص التواصل داخل البيت، تتحوَّل العزلة إلى شيء جسدي يُلمَح في طريقة الحركة داخل الغرف، وفي نظرات لا تجد مَن تستقر عنده، وصمت أطول من أن يُحتمل.
رامزي تدفع الفيلم نحو خبرة أقرب إلى تيار الوعي. فالصورة مضطربة والإيقاع يتقدَّم ثم ينسحب، والمَشاهد تخرج من داخل الرأس وليس من ترتيب الأحداث. هذا الاختيار يضع المُشاهد داخل حالة «غريس» ويمنحه إحساساً بـ«الفوضى» أو «الهذيان» أسلوبياً.
في قلب هذه المعالجة يقف أداء جنيفر لورنس. إنه مادة الفيلم ووزنه. لورنس تُقدّم شخصية لا تحاول كسب التعاطف عبر أدوات مألوفة. أداؤها حادّ وجسدي ومفتوح على انفعالات غير «مُهذَّبة». تتحرّك «غريس» كأنها مُحاصَرة داخل جلدها، فتتصاعد الرغبة ثم تنقلب إلى غضب، ويطلّ الحنان سريعاً ثم يختنق، وتظهر الضحكة في غير مكانها، ويأتي الانهيار كأنه نتيجة طبيعية لزمن طويل من التماسك القسري. لذا يمكن ربط قوة الفيلم مباشرة بهذه «الخشونة» التي تمنح لورنس أحد أكثر أدوارها اندفاعاً ووضوحاً.
في المقابل، يلعب روبرت باتينسون دور الزوج الذي يبدو شريكاً مُحرَجاً أكثر من كونه خصماً. شخصية «جاكسون» نموذج لعجز شائع. هو ليس صورة كاريكاتورية للرجل غير المتعاطف. يريد أن يُساعد ولا يملك أدوات الفهم أو اللغة المناسبة. يتعامل مع الانهيار كما لو أنه أزمة عابرة يمكن تدبيرها بالهدوء والعمل وتغيير المزاج. هذا الفارق في «لغة الألم» يُحوّل العلاقة إلى صراع يومي، في وسطه تقف «غريس» التي لا تطلب سوى الاعتراف بما تعيشه، بينما يواجه «جاكسون» شيئاً يُخيفه لأنه لا يمكن ضبطه.
يتناول الفيلم الاكتئاب أو الذهان على أنه تجربة تحفر في الهوية. الأمومة ليست جائزة أو عقوبة. هي تحوُّل يفضح استحالة التوازن. وفقدان الطموح أثر جانبي لعالم يضغط على المرأة كي تُنجب وتُحسن الأداء في الوقت نفسه. والعزلة حالة نفسية تتفاقم حتى داخل أقرب العلاقات.
بهذه العناصر، ينجح فيلم لين رامزي في الابتعاد عن الكتابة المُستهلكة حول «معاناة الأم الجديدة»، لأنه لا يختصرها في مَشاهد دموع أو في لحظة شفاء نهائية، فيصبح «Die My Love» فيلماً عن الأمومة كما هي في مناطقها المسكوت عنها. أمومة مُعقّدة ومتناقضة وقادرة على كسر صورة المرأة عن نفسها قبل أن تكسر صورتها أمام الآخرين.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




