الاثنين 18 مايو 2026 02:05 مساءً صدر الصورة، الصفحة الرسمية للمتحدث باسم رئاسة الجمهورية في مصر
افتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الأحد، مشروع "الدلتا الجديدة"، أحد أكبر مشروعات التوسع الزراعي في مصر، والذي يستهدف إضافة أكثر من مليوني فدان إلى الرقعة الزراعية بمشاركة واسعة من القطاع الخاص، إذ تعمل فيه 150 شركة إنتاج زراعي، إلى جانب مئات الشركات المرتبطة بالأنشطة الخدمية والصناعية المساندة.
وبحسب بيان للرئاسة المصرية، يقع المشروع على محور الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، بتكلفة إجمالية تبلغ 800 مليار جنيه مصري (نحو 15 مليار دولار)، أي بمتوسط تكلفة يتراوح بين 350 و400 ألف جنيه للفدان الواحد، فضلاً عن إنشاء شبكة طرق بطول 12 ألف كيلومتر لخدمة المشروع، مع توقعات بتوفير نحو مليوني فرصة عمل.
وفي كلمته خلال الافتتاح، قال السيسي إن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من جميع المحاصيل الزراعية في مصر أمر بالغ الصعوبة، نظراً لاعتماد الإنتاج الزراعي على عوامل مناخية ومائية وبيئية. وأشار إلى أن مصر تستورد ما بين 14 و17 مليون طن سنوياً من الأعلاف، إضافة إلى واردات القمح، في وقت تُعد فيه مصر أكبر مستورد للقمح في العالم.
"الاقتراب" من الاكتفاء الذاتي
يقول الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه بكلية الزراعة في جامعة القاهرة، إنه لا توجد دولة في العالم تحقق اكتفاءً ذاتياً كاملاً في جميع المحاصيل الزراعية بسبب اختلاف الظروف المناخية، لكن يمكن الاقتراب من ذلك.
ويضرب مثالاً بأن مصر تقترب من تغطية نحو 90 في المئة من احتياجاتها من السكر، كما تحقق اكتفاءً ذاتياً في عدد من محاصيل الخضراوات والفاكهة والأرز.
ويضيف نور الدين أن المشكلة الرئيسية تكمن في الحبوب والبقوليات، وعلى رأسها القمح، إذ تستورد مصر نحو نصف احتياجاتها البالغة 20 مليون طن سنوياً. ويرى أن مشروع الدلتا الجديدة يمكن أن يرفع نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح إلى نحو 75 في المئة خلال أربع سنوات.
وتتفق الدكتورة علياء المهدي، العميدة السابقة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، مع فكرة صعوبة تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل، لكنها ترى أن العرض الرسمي للمشروع لم يقدم بيانات كافية لتقييم أثره المحتمل في خفض فاتورة استيراد محاصيل استراتيجية مثل القمح.
وتتساءل المهدي: "من سيتحمل تكلفة المشروع؟ هل الحكومة وحدها؟ وكيف ستسترد هذه التكلفة، وخلال أي فترة زمنية؟ وهل ستدخل إيرادات المشروع إلى الموازنة العامة للدولة؟"
وأضافت أن الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية لتحديد مدى مساهمة المشروع في تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز الصادرات.
وأوضح السيسي أن الاستراتيجية الزراعية المصرية تقوم على التكامل بين الأراضي القديمة والجديدة، بحيث تستمر الأراضي الطينية في الوادي والدلتا في إنتاج المحاصيل التقليدية مثل القمح والذرة، بينما تركز الأراضي الجديدة على محاصيل تتلاءم مع البيئة الصحراوية مثل بنجر السكر ومحاصيل أخرى وفق نظام الدورات الزراعية.
ويرى الدكتور رأفت خضر، رئيس مركز بحوث الصحراء الأسبق، أن المشروع قد يسهم في خفض واردات القمح، التي تقدر بنحو 9 ملايين طن سنوياً، إلى النصف خلال خمس سنوات.
ووفقاً لأرقام حكومية، تبلغ فاتورة واردات المحاصيل الزراعية في مصر نحو 9 مليارات دولار سنوياً، يتركز معظمها في الحبوب والقمح والأعلاف والزيوت النباتية لتلبية احتياجات السوق المحلية وضمان الأمن الغذائي.
كما تتجاوز فاتورة استيراد السلع الغذائية المصنعة والأساسية 10 مليارات دولار سنوياً، وتشمل الزيوت النباتية ومنتجات الذرة والصويا ومصنعات اللحوم والألبان.
صدر الصورة، الصفحة الرسمية للمتحدث باسم رئاسة الجمهورية في مصر
أسلوب ري مكلف
خلال مداخلته في حفل الافتتاح، قال السيسي إن الحكومة وفرت المياه اللازمة للمشروع عبر تجميع مياه الصرف الزراعي من أراضي الدلتا القديمة ومعالجتها معالجة ثلاثية، ثم نقلها إلى الأراضي الجديدة عبر مسارين بطول 150 كيلومتراً لكل منهما.
وأضاف أن المشروع يشمل إنشاء 19 محطة رفع رئيسية، إلى جانب محطات كهرباء بقدرة إجمالية تصل إلى 2000 ميغاواط.
ويقول الدكتور نادر نور الدين إن إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي تمثل توجهاً مهماً للحفاظ على الموارد المائية وتعظيم الاستفادة منها، رغم ما يتطلبه ذلك من استثمارات كبيرة في البنية التحتية والطاقة.
أما فيما يتعلق بالتكلفة المرتفعة لتشغيل محطات الرفع، فيرى نور الدين أن المشروع مصمم ليخدم احتياجات مصر الزراعية لعقود طويلة.
بينما ترى علياء المهدي أن الاعتماد على هذا النظام المعقد في نقل المياه ومعالجتها يفسر ارتفاع تكلفة الفدان، التي قال الرئيس إنها تتراوح بين 350 و400 ألف جنيه.
وتواجه مصر بالفعل تحديات مائية متزايدة؛ إذ تعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل الذي يوفر 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. وتقدر احتياجات البلاد المائية بنحو 114 مليار متر مكعب سنوياً، ما يخلق فجوة مائية كبيرة تُغطى من خلال إعادة استخدام المياه الجوفية ومياه الصرف المعالجة، إضافة إلى استيراد محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه.
وتخوض مصر منذ سنوات مفاوضات مع إثيوبيا بشأن سد النهضة، الذي تعتبره القاهرة عاملاً قد يزيد الضغوط على مواردها المائية في فترات الجفاف.
صدر الصورة، الصفحة الرسمية للمتحدث باسم رئاسة الجمهورية في مصر
الجدوى الاقتصادية
يرى الدكتور رأفت خضر أنه رغم التكلفة الضخمة للمشروع، فإنه قد يحقق نتائج إيجابية ملموسة خلال خمس سنوات، مع الاعتماد على البحث العلمي والتكنولوجيا الحديثة لرفع إنتاجية الفدان وخفض تكاليفه مقارنة بالأراضي التقليدية في الوادي والدلتا.
ويضيف أن المشروع لا يقتصر على الزراعة، بل يشمل أيضاً أنشطة للتصنيع الزراعي، وصوامع لتخزين الحبوب، ومصانع للأعلاف والسكر، بما يساعد على تسريع العائد الاقتصادي، نظراً إلى أن دورة الربح في النشاط الزراعي وحده تكون بطيئة نسبياً.
ويقول نادر نور الدين إن المراحل الثلاث الأولى من المشروع شهدت زراعة نحو 800 ألف فدان خلال ثلاث سنوات ونصف من إجمالي 2.2 مليون فدان مستهدفة. ويرى أن المشروع قد يساهم في خفض فاتورة واردات السلع الاستراتيجية بنحو 3 مليارات دولار خلال أربع سنوات، ومع التوسع إلى أربعة ملايين فدان خلال عشر سنوات، قد تنخفض هذه الفاتورة إلى النصف.
وأشار السيسي إلى استمرار العمل في مشروعات زراعية أخرى في المنيا وبني سويف وسيناء وكوم أمبو وتوشكى وشرق العوينات، بما يرفع إجمالي المساحة المستهدفة إلى أربعة ملايين فدان.
من جهتها، تبدي علياء المهدي مخاوف بشأن اتساع الفجوة بين تكلفة زراعة الفدان في الأراضي الجديدة ونظيره في الوادي والدلتا، في ظل عدم وضوح كافٍ بشأن نوعية المحاصيل المزمع زراعتها، وإمكان تصدير جزء منها، وحجم مساهمتها الفعلية في سد احتياجات السكان.
كما تشكك في تقديرات توفير مليوني فرصة عمل، معتبرة أن المشروع يعتمد بدرجة كبيرة على الميكنة الحديثة، ما يجعله مشروعاً كثيف رأس المال أكثر منه كثيف العمالة.
وتوصي المهدي بضرورة وضع شروط واضحة لشركات القطاع الخاص المشاركة، تتضمن تحديد المحاصيل ذات الأولوية، وإلزامها بتوجيه جزء من الإنتاج إلى السوق المحلية وبيعه بالجنيه المصري.
وتظل مصر التي يفوق عدد سكانها 109 مليون نسمة واحدة من أكبر مستوردي الغذاء في المنطقة، إذ تجاوزت قيمة وارداتها الزراعية والغذائية 19 مليار دولار في عام 2024، مقابل صادرات زراعية وغذائية قاربت 10 مليارات دولار، وفق تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). ويعكس ذلك عجزاً غذائياً يقترب من 9 مليارات دولار سنوياً، ما يبرز أهمية أي توسع زراعي جديد، لكنه في الوقت نفسه يوضح أن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل يظل هدفاً بالغ الصعوبة في ظل محدودية المياه والنمو السكاني المتسارع.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير



