
قبل 7 دقيقة
في مينيابوليس اليوم، تغيّرت إيقاعات الحياة. الخروج من المنزل لم يعد أمرًا بديهيًا، واختيار الطريق صار قرارًا محسوبًا، فيما تحوّل حمل الهوية إلى جزء ثابت من الروتين اليومي.
بالنسبة لكثير من العرب الأمريكيين في المدينة الواقعة في ولاية مينيسوتا، لم يعد المكان كما كان. فمع تصاعد نشاط سلطات الهجرة الفيدرالية، تعيش أحياء كاملة حالة من القلق والترقّب، وتختار عائلات كثيرة البقاء في منازلها تحسّبًا لما قد يحدث خارج الأبواب.
ويعزو كثير من السكان هذا التحوّل في تفاصيل حياتهم اليومية إلى الحضور المتزايد لإدارة الهجرة والجمارك في المدينة ومحيطها. فخلال الأشهر الماضية، تكثّفت عمليات التوقيف والمداهمات المرتبطة بتطبيق قوانين الهجرة، بحسب روايات السكان وتقارير منظمات محلية، وهو ما جعل وجود عناصر فيدرالية مسلحة وسيارات لا توجد فيها شعارات الشرطة مشهدًا مألوفًا في أحياء تضم جاليات مهاجرة كبيرة. هذا التصعيد وضع مينيابوليس في قلب جدل أوسع حول سياسات الهجرة الفيدرالية، وألقى بظلاله مباشرة على إحساس الناس بالأمان.
ما هي "أيس"؟ ولماذا مينيابوليس؟
إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، المعروفة اختصاراً بـ "أيس" (ICE)، هي وكالة فيدرالية تتبع وزارة الأمن الداخلي، أُنشئت عام 2003 بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، وتُكلّف بتطبيق قوانين الهجرة داخل الولايات المتحدة. وتؤكد الإدارة أن عملياتها تستهدف الأشخاص المخالفين لقوانين الإقامة، مع إعطاء أولوية لمن لديهم سجل جنائي أو صدرت بحقهم أوامر ترحيل.
الإدارة الأمريكية الحالية تقول إن تشديد هذه العمليات يندرج ضمن سياسة أوسع لفرض "سيادة القانون" والحد من الهجرة غير النظامية، في ظل ما تصفه بضغط غير مسبوق على نظام اللجوء والهجرة.
أما مينيابوليس فتُعد من المدن التي استقبلت أعداداً كبيرة من اللاجئين والمهاجرين على مدى عقود، خصوصًا من الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. ويرى نشطاء ومنظمات حقوقية أن هذا الواقع، جعل المدينة ساحة توتر بين الحكومة الفيدرالية وسكان المدينة.
وفي خضم هذا الجدل السياسي والقانوني، يعيش سكان المدينة، كما يروي من تحدثنا إليهم، حالةً من الخوف والقلق على العمل والعائلة والمستقبل.
تقول أسماء خليل، التي انتقلت إلى مينيسوتا من دمشق عام 2011، إن التوجس لم يعد شعورًا عابرًا، بل أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. تضيف "مينيابوليس مدينة جميلة، وفيها العديد من الناس الطيبين. لكن الناس اليوم خائفون فعلًا."
غادرت أسماء سوريا على أمل أن تنجب أطفالها بعيدًا عن القلق الذي عاشته هناك، في بلد تقول إن الاعتقالات والمراقبة الأمنية كانت جزءًا من الحياة اليومية فيه، لكن تلك الذاكرة عادت لتفرض نفسها بشكل لم تكن تتوقعه.
"رغم كل ما في أمريكا من عيوب، لم أتوقع أبدًا أن أعود للشعور بالقلق نفسه الذي عرفته في سوريا"، تضيف: "أن تأتي إلى بلد لتربي أطفالك على أمل ألا يمرّوا بما مررت به، ثم ترى هذا الخوف يعود إليهم، هذا مؤلم جدًا".

خطاب رسمي… وواقع مختلف
تصف كاثرين حدّاد، مديرة المسرح العربي الأمريكي في مينيابوليس، ما يجري بأنه تحوّل عميق في الإحساس بالأمان داخل المدينة. تقول: "نحن نتحدث عن عناصر مسلحة، عن سيارات لا تحمل شعار الشرطة وعن توقيفات عشوائية .. كل ذلك يُقدَّم تحت عنوان إصلاح الهجرة، لكنه تجاوز هذا الإطار بكثير".
وترى كاثرين أن الريبة لم تعد محصورة بالمهاجرين غير النظاميين، بل امتدت لتشمل مواطنين أمريكيين، وحاملي بطاقات إقامة قانونية، وأشخاصًا وُلدوا في الولايات المتحدة. "أشخاص وضعهم القانوني سليم تمامًا باتوا يخشون مغادرة منازلهم"، تقول. "كثيرون يحملون أوراقهم معهم طوال الوقت، رغم شعورهم بأنها قد لا تحميهم فعليًا".
احتجاجات .. وثمنها
ومع تصاعد نشاط سلطات الهجرة، شهدت مينيابوليس والمناطق المحيطة بها موجة احتجاجات امتدت لأيام. خرج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع مطالبين بوقف هذه العمليات ومحاسبة السلطات الفيدرالية.
لكن هذه الاحتجاجات لم تخلُ من العنف. فقد قُتل متظاهران في حادثتين منفصلتين مرتبطتين بالمظاهرات الأخيرة، بحسب السلطات، ما عمّق مشاعر الغضب والخوف داخل المجتمع، وترك أثرًا ثقيلًا لدى كثيرين ممن شاركوا فيها.

الخوف يستدعي الذاكرة
بالنسبة لهند المنصور، وهي أمريكية من أصول سعودية، لا يرتبط الخوف بحادثة واحدة، بل بإحساس متراكم بأن المدينة تغيّرت. تقول إن "كثيرا من الناس باتوا يفضلون البقاء في بيوتهم."
شاركت هند في وقفات شموع وتجمعات احتجاجية، وتقول إن تلك اللحظات من التجمّع منحتها شعورًا مؤقتًا بالأمان، "أحسستُ بأن المجتمع يحميني".
لكن هذه الأجواء أعادت إليها ذكريات نشأتها في السعودية خلال الثمانينات والتسعينات، حين واجهت ما تصفه بقيود اجتماعية صارمة. "كان الشعور آنذاك أنكِ لستِ إنسانًا كاملًا لمجرد أنكِ امرأة"، تقول، مضيفة أن الإحساس اليوم في الولايات المتحدة بات قريبًا من ذلك، "لكن هذه المرة لأن لون بشرتك مختلف".
أمومة تحت القلق
أما رغدة سكيك، وهي أمريكية من أصول فلسطينية انتقلت من غزة إلى الولايات المتحدة عام 2002، فتقول إن الخوف بات حاضرًا في كل قرار يومي، "الأمر مرعب جداً".
تركّز رغدة قلقها على أولادها، خصوصًا بناتها المحجبات، وتوضح أن العائلة باتت تتجنب مناطق معينة. وتقول إن القلق امتد أيضًا إلى المساجد، "الذهاب إلى أي مسجد هذه الأيام .. هذه المؤسسات تُستهدف بشكل كبير."
وترى أن مقتل متظاهرين خلال الأسابيع الأخيرة زاد من حدة الصدمة داخل المجتمع، لكنها تشير إلى أن مشاهد التضامن منحتها بعض الطمأنينة.

الرزق تحت الضغط
بالنسبة لسائد أبو كرم، وهو صاحب مطعم أمريكي من أصول فلسطينية، لم يعد من الممكن فصل العمل عن القلق اليومي. "قلّ النشاط التجاري بنحو ثلاثين في المئة" يقول، موضحا أن الزبائن باتوا يترددون في الخروج.
داخل المطعم، تغيّرت تفاصيل العمل اليومية: مدخل واحد فقط، وشخص يقف عند الباب طوال الوقت. وفي الحي، يعتمد أصحاب المحال على تنسيق غير رسمي فيما بينهم. يحمل سائد صافرة يستخدمها لتحذير الآخرين إذا رُصد وجود لسلطات الهجرة، "إذا رأيناهم، نطلق الصافرة".
لكن القلق لا يتوقف عند أبواب المطعم. في المنزل، باتت تُطرح أسئلة لم يكن يتخيل يومًا أنه سيواجهها، ليس فقط حول العمل، بل حول المستقبل. "لم أتخيل أبدًا أن أفكر في مغادرة أمريكا"، يقول. وبعد أكثر من ثلاثة عقود في مينيسوتا، يصف الفكرة بأنها مؤلمة، لأنها تمس إحساسًا بالانتماء كان يعتقد أنه ثابت.
التكاتف وسط القلق
ورغم تصاعد الخوف، لا يقول من تحدثنا إليهم إن القلق هو القصة الوحيدة في مينيابوليس. فإلى جانب التوتر، تظهر أشكال هادئة من التضامن: دعم المتاجر المتضررة، الاطمئنان على الجيران، والحضور إلى الوقفات التضامنية حتى في أيام البرد القارس.
تقول كاثرين حدّاد إن بعض المؤسسات الثقافية نقلت فعالياتها إلى الإنترنت لحماية الناس، لكنها تحاول في الوقت نفسه مقاومة فكرة الاختفاء من الفضاء العام، "الفن شفاء"، تقول، "والتجمع مهم".
ويعبر كل من تحدثنا إليهم عن أمل واحد مشترك: ألا يتحوّل الخوف إلى حالة دائمة في المكان الذي اختاروا أن يسمّوه وطنًا.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





