الأحد 25 يناير 2026 10:56 صباحاً صدر الصورة، Alamy
-
- Author, غريغوري وكمان
- Role, بي بي سي
-
قبل 8 دقيقة
يعد الفيلم الكوميدي الصامت "أضواء المدينة" لتشارلي تشابلن، واحداً من أعظم الأفلام في تاريخ السينما على الإطلاق، رغم مرور 95 عاماً على عرضه لأول مرة، كما تلعب اللقطة الختامية للفيلم دوراً بارزاً في تحقيق شهرته.
عندما سألته مجلة "لايف" في عام 1966، عن أحب أفلامه إلى قلبه، أشاد تشابلن بفيلمه "أضواء المدينة"، ثم قال: "أراه عملاً متيناً ومُنجزاً بإتقان".
حظي هذا الفيلم، المصنّف ضمن فئة الكوميديا الرومانسية الصامتة، منذ عرضه الأول في دار عرض لوس أنجلوس بتاريخ 30 يناير/كانون الثاني عام 1931، بإشادة واسعة من النقاد وصنّاع السينما، وهو يروي قصة وقوع شخصية "متشرد"، يجسدها تشابلن، في حب بائعة زهور كفيفة (تجسدها الممثلة فيرجينيا شيريل)، ظنته في البداية مليونيراً.
وعندما أصدر المعهد البريطاني للسينما، عام 1952، أول قائمة لأعظم الأفلام في تاريخ السينما، جاء فيلم "أضواء المدينة" في المرتبة الثانية مناصفة مع فيلم تشابلن الآخر "الهجوم على الذهب" الذي أنتج عام 1925، كما وضعه المخرج الأمريكي ستانلي كوبريك، والممثل الأمريكي أورسون ويلز، والمخرج والكاتب الروسي أندريه تاركوفسكي، ضمن أفلامهم المفضلة، بينما قال عنه جيمس آغي، كاتب سيناريو فيلم "ليلة صياد"، إنه فيلم يحتوي على "أعظم أداء تمثيلي وأروع لحظة إبداعية في تاريخ السينما".
صدر الصورة، Alamy
وتقع هذه اللحظة المقصودة في المشهد الختامي للفيلم، حين يلتقي المتشرد مجدداً بالفتاة بائعة الزهور بعد أن استعادت بصرها، فيتأملها بنظرة مفعمة بالحب، بينما تخبو الصورة تدريجياً حتى تتلاشى إلى السواد وتنتهي أحداث الفيلم.
إنها لقطة تتسم بنقاء عاطفي وعمق بسيط بالغ التأثير، يُستشهد بها كثيراً بوصفها أعظم لقطة ختامية في تاريخ السينما، وعلى مدار 95 عاماً منذ عرض فيلم "أضواء المدينة"، سعت أعمال سينمائية عديدة إلى محاكاة سماته الفنية الدقيقة وقوة الأداء التمثيلي داخله.
تطلّب إنجاز المشهد الختامي سنوات طويلة من الجهد الإبداعي والمعاناة، فالمشهد يحقق تأثيره بفضل تمهيد الفصل الأخير من قصة الفيلم له بعناية شديدة، فبعد أن يكتشف المتشرد أن بائعة الزهور على وشك الطرد من منزلها، ومن أجل الحصول على مال يلجأ إلى العمل في تنظيف الشوارع، ثم يخوض تجربة الملاكمة، وفي نهاية المطاف يحصل على المال من مليونير ثمل، بيد أن هذا الأخير لا يتذكر الأحداث بعد إفاقته ويتهمه بسرقة أمواله، وقبل إلقاء القبض عليه، يُسلّم المتشرد المال إلى بائعة الزهور، فتتمكن من سداد ايجار منزلها والاستعانة بطبيب يعالج فقدان بصرها.
وبعد قضاء أشهر في السجن، يخرج المتشرد ويكتشف أن الفتاة استعادت بصرها، وأصبحت تدير متجراً ناجحاً للزهور، ويظهر المتشرد بثيابه البالية خارج المتجر، وحين تتعرف عليه الفتاة أخيراً، ترتسم على وجهها ملامح امتنان عميقة، ويبتسم لها، ومع تلك الابتسامة يُسدل الستار على الفيلم.
"مشهد مفعم بالنقاء"
صدر الصورة، Getty Images
يؤكد تشارلز مارلاند، مؤلف كتاب "بي إف آي كلاسيك"، الذي يحتفي بأضواء المدينة، أن المشهد الأخير يُعد دليلاً واضحاً على إتقان تشابلن فن الإخراج.
ويقول لبي بي سي: "كان (تشابلن) يعرف كيف يختار زوايا التصوير بغية تكثيف التأثير العاطفي، حيث تنتقل الكاميرا من لقطة متوسطة إلى لقطة قريبة"، لافتاً إلى أن تشابلن كان يقول إنه يستخدم اللقطات الواسعة للكوميديا، واللقطات القريبة للتراجيديا والدراما.
ويضيف مارلاند: "أما الموسيقى التصويرية فهي معقدة ومشحونة بالعاطفة، وتستدعي استجابة تأملية لدى المتلقي".
بيد أن كل ما سبق كان سيفقد قيمته لولا الأداء اللافت لكل من تشارلي تشابلن وفيرجينيا شيريل، التي قدمت بشكل رائع أول أدوارها السينمائية في فيلم "أضواء المدينة"، فبعد تصوير المشهد الختامي بينهما عدة مرات، شعر تشابلن، بحسب مارلاند، بأن الأداء بدأ يتجه نحو المبالغة والإفراط في التعبير العاطفي، عندها قرر أن يقتصر الأداء على أن ينظر المتشرد إلى شيريل بنظرة حادة أكثر عمقاً.
ويقول مارلاند، نقلاً عن وصف تشابلن نفسه لتجربة تصوير هذا المشهد بأنه: "شعور جميل بالتوقف عن الأداء التمثيلي، وكأنني أراقب نفسي من الخارج. مفتاح المشهد كان في إحساس خفيف بالارتباك، وفرح باللقاء من جديد، واعتذار هادئ دون انفعال عاطفي. المتشرد يراقب ويتساءل عمّا يدور في ذهنها. كان مشهداً مفعماً بالنقاء".
صدر الصورة، John Kobal Foundation/Getty Images
وبعد سنوات من عرض فيلم "أضواء المدينة"، روت الممثلة فيرجينيا شيريل لجيفري فانس، مؤلف كتاب "تشابلن: عبقري السينما"، أن تشابلن كانت بشرته جافة غالباً، لكنها شعرت برطوبة راحة يده كلما اقتربا من الأداء المطلوب.
ويقول فانس لبي بي سي: "كانت تدرك أن أمراً غير معتاد يحدث له، كانت تمنحه ما يريده، وكان يتفاعل معها بشكل مختلف، تفاعل كما لو كان هو نفسه الشخصية".
ويُعد قرار تشابلن بإنهاء الفيلم دون خاتمة قاطعة سبباً رئيسياً وراء استمرار صدى "أضواء المدينة" على مدار عقود، فالرومانسيون يقولون إن بائعة الزهور، رغم فقر المتشرد وهيئته البالية، تقبله تقديراً لما قدمه لها، بيد أن آخرين يرون أن احتمال ارتباطها به يظل شبه مستحيل.
ويقول فانس: "لا أرى في المشهد رومانسية على الإطلاق، بل نلاحظ نزعة غرور لديها بعد استعادة بصرها، تنظر إلى المرآة، وتعتني بشعرها، ثم تشعر بخيبة أمل لأن الرجل الثري ليس هو كما كانت تظن. وعندما ترى المتشرد أول مرة، تضحك وتمنحه مالاً بدافع الشفقة".
وبفضل تدرج تشابلن في لحظات قليلة بين مشاعر الفرح، والخوف، والإحراج، ثم الترقب، يأتي أداؤه متعدد الطبقات ودقيقاً إلى حد يترك للمشاهد حرية تحديد ما سيحدث بعد ذلك.
هل كان أعظم مشهد ختامي؟
صدر الصورة، John Kobal Foundation/Getty Images
لا شك أن عدداً كبيراً من المشاهد الختامية تنافس على لقب أعظم لقطة ختامية في تاريخ السينما، من بينها مشهد تمثال الحرية في فيلم "كوكب القرود"، ولحظة الإدراك المتدرّج في فيلم "الخريج"، والنهاية الثابتة وإغلاق الباب في فيلم "العرّاب"، ولقطة نورما ديموند القريبة في فيلم"صنست بوليفارد"، جميعها لقطات ختامية جديرة بالتقدير، بيد أنه لا يوجد أي من هذه اللقطات كانت ملهمة لأعمال أخرى وأعيد تقليدها مثلما حدث مع اللقطة الختامية الشهيرة لفيلم "أضواء المدينة".
وتدين أفلام كثيرة مثل فيلم "400 ضربة"، و"إنها إنجلترا"، و"الفتاة الضائعة"، و"ضوء القمر"، بالكثير لتشابلن، إذ تختتم جميعها بلقطات يحدّق فيها الأبطال مباشرة في الكاميرا.
كما جاءت بعض اللقطات أكثر مباشرة، مثل فيلم "مانهاتن" (1979) لوودي آلن الذي ينتهي بابتسامة متحسّرة من بطل الفيلم على حبيبته الشابة تريسي بعد تأكيد سفرها إلى لندن لمدة ستة أشهر، وبعد عام، قدّم فيلم "الجمعة العظيمة الطويلة" للمخرج جون ماكنزي مشهداً ركّز فيه على وجه رجل عصابات، جسده بوب هوسكينز، وهو يمر بطيف متسارع من المشاعر حين يدرك أنه وقع في قبضة قتلة من الجيش الجمهوري الإيرلندي وأن موته بات أمراً لا مفر منه.
وحتى اللقطة الختامية لفيلم "مونسترز" من إنتاج بيكسار تنطوي على محاكاة واضحة لفيلم "أضواء المدينة"، إذ يختار الفيلم عدم إظهار لقاء سولي وبو بعد انفصالهما إلى الأبد على ما يبدو، ويكتفي الفيلم بإظهار سولي وهو يفتح الباب، ويتلفت حوله، ويسمع صوتها ويقول: "كيتي!"، ثم يبتسم.
وكما هو الحال في كثير من الأحيان، فإن طابع الإيجاز هو ما يضفي على هذه اللحظات قوتها الشديدة، بيد أن الوصول إلى هذا التأثير يتطلب ساعات طويلة من الإبداع والمهارة والموهبة، إضافة إلى استثمارات مالية ضخمة تُقدر بآلاف، بل أحياناً بملايين، الدولارات لتجسيد هذه المشاهد في السينما.
وظهر ذلك بوضوح في فيلم "أضواء المدينة"، إذ لم يكن أكثر أفلام تشابلن تكلفة فحسب، إذ بلغت ميزانية إنتاجه 1.5 مليون دولار في ذلك الوقت (نحو 30 مليون دولار أو 22 مليون جنيه إسترليني بقيمة اليوم)، بل قضى تشابلن سنوات في تطوير القصة وتصويرها، معلقاً آمالاً كبيرة على أن يرقى العمل إلى مستوى التوقعات الكبيرة التي حظي بها عمله.
"عمل صُنع بدافع الحب"
صدر الصورة، Donaldson Collection/Getty Images
عندما بدأت الكاميرات تصوير فيلم "أضواء المدينة" في 27 ديسمبر/كانون الأول عام 1928، كان تشارلي تشابلن أشهر رجل في العالم، بعد أن ترك فقر لندن المدقع وأصبح مليونيراً يدير بالكامل أعماله السينمائية، لدرجة أنه حتى بعد أن أصبح فيلم "مغني الجاز" أول فيلم ناطق قبل 14 شهراً من تصوير فيلم تشابلن، ومع تراجع اهتمام هوليوود بالأفلام الصامتة، أصر تشابلن على أن يكون فيلم "أضواء المدينة" صامتاً بلا أي حوار.
ويقول فانس: "كان تشابلن مقتنعاً تماماً بأن شخصية المتشرد تنتمي إلى عالم السينما الصامتة، لكنه كان يدرك في ذات الوقت أنه بحاجة إلى صنع فيلم كامل بلا عيوب، معتقداً أن هذا هو السبيل الوحيد لتشجيع الجمهور على تقبل فيلم صامت".
لهذا السبب، كان تشابلن شديد الحرص على إخراج فيلم "أضواء المدينة" في أبهى صورة ممكنة، إذ قضى عاماً كاملاً في مرحلة التحضير، واستمر التصوير حتى سبتمبر/أيلول عام 1930.
أرهق المشهد الأول الذي يظهر لقاء المتشرد ببائعة الزهور، التي ظنته رجلاً ثرياً، تشارلي تشابلن إلى حد أن سجلته موسوعة غينيس للأرقام القياسية بوصفه أكثر مشهد أُعيد تصويره في فيلم واحد، فقد بلغ عدد مرات تصوير هذا المشهد 342 مرة.
بيد أن هذا الجهد الفني المكثف أثمر في النهاية، إذ حقق "أضواء المدينة" إيرادات عادلت ثلاثة أضعاف تكلفته الإنتاجية، وأشاد به النقاد، بينما ازدادت مكانته رسوخاً بمرور السنين.
وعلى الرغم من السخرية اللاذعة التي قدمها تشابلن في فيلمه "العصور الحديثة"، والنهاية الملهمة لفيلمه "الدكتاتور العظيم"، والمقاطع الكوميدية الأسطورية في فيلمه "الهجوم على الذهب"، ظل فيلم "أضواء المدينة" الفيلم الأكثر استمرارية وجاذبية في مسيرة تشابلن.
ويقول فانس: "مثل روايات ديكنز ومسرحيات شكسبير، تعرضت شعبية أفلام تشابلن لتقلبات الزمن، إلا أن جمال (أضواء المدينة) يكمن في بساطته. وكان تشابلن يدرك أن الوصول إلى البساطة مهمة شاقة للغاية".
وتتجلى قوة ورومانسية فيلم "أضواء المدينة" في لقطته الختامية، لقطة متشرد مفعم بالأمل، يبتسم ويحلم بمستقبل أكثر إشراقاً، لحظة لم تستطع أي لقطة ختامية أخرى في تاريخ السينما أن تضاهيها بعد قرابة مئة عام وإنتاج عشرات الآلاف من الأفلام الناطقة.
ويختتم فانس: "لهذا كان تشابلن عبقرياً، ولهذا كان فريداً".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




