اخبار العرب -كندا 24: الثلاثاء 12 مايو 2026 02:03 صباحاً دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- تُعد محطة القطار الرئيسية في ميلانو بإيطاليا واحدة من أكبر محطات السكك الحديدية في أوروبا وإحدى أبرز المعالم السياحية في المدينة بفضل واجهاتها الضخمة المزينة بالأعمدة الرومانية، والتماثيل العملاقة، والزخارف المعمارية المهيبة.
لا يقل المشهد روعة من الداخل، إذ يدخل المسافرون عبر مداخل ضخمة تقودهم إلى قاعات واسعة تتخللها سلالم فخمة، وأرضيات من الفسيفساء، وجدران منحوتة بعناية. افتُتحت المحطة عام 1931، وتضم 21 رصيفًا تنطلق منها القطارات يوميًا، ما يجعلها رمزًا للقوة المعمارية الإيطالية.

لكن وراء هذا الجمال تكمن صفحة مظلمة من تاريخ إيطاليا، حيث أن المحطة ليست مجرد إنجاز معماري ارتبط بفترة الحكم الفاشي بقيادة بينيتو موسوليني، بل تضم أيضًا مساحة سرية تحت الأرض استُخدمت خلال الحرب العالمية الثانية لترحيل اليهود والمعارضين السياسيين إلى معسكرات الموت النازية.

يتواجد تحت الأرصفة الرئيسية "Binario 21" أو "الرصيف 21"، وهو المكان الذي انطلقت منه قطارات الترحيل نحو معسكرات الإبادة. وقد بُني هذا القسم في الأصل لنقل البريد والبضائع، لكن خلال الاحتلال النازي لإيطاليا تحول إلى مركز سري لنقل البشر إلى مصيرهم المأساوي. وظلت هذه الحقيقة مخفية لعقود طويلة حتى اكتشفها باحثون عام 1994.

اليوم، يمر أكثر من 320 ألف مسافر يوميًا عبر محطة ميلانو المركزية دون أن يدرك كثير منهم التاريخ الصادم الكامن تحت أقدامهم. وقد تحولت تلك المساحة إلى "نصب تذكاري للهولوكوست في ميلانو"، حيث يمكن للزوار مشاهدة عربات القطار الأصلية والاستماع إلى شهادات الناجين من المحرقة، بينما تستمر أصوات القطارات الحديثة فوقهم في تذكيرهم باستمرار الحياة فوق مكان يحمل كل هذا الألم.
افتُتحت المحطة خلال فترة كان فيها نظام موسوليني الفاشي في أوج قوته. ورغم أن تصميمها بدأ قبل وصول الفاشيين إلى الحكم، إلا أن النظام أضاف إليها رموزه الخاصة مثل "الحزيمة"، أي حزم من العصي التي كانت ترمز إلى السلطة في روما القديمة والتي أصبحت رمزًا للفاشية. وهكذا تحولت المحطة إلى أداة دعائية تُظهر قوة النظام وهيبته.

وقد صمم المعماري أوليسي ستاكيني المحطة على مستويين: المستوى العلوي للركاب، والمستوى السفلي للبريد والبضائع. وكان أسفل المحطة نظام متطور في ذلك الوقت، يضم منصتين ومصعدًا ضخمًا يرفع عربات القطار إلى مستوى الأرصفة العليا. وقد استُخدم هذا النظام بكفاءة لنقل البريد، لكنه خلال الحرب استُغل لترحيل المعتقلين.
ودخلت إيطاليا الحرب العالمية الثانية إلى جانب ألمانيا النازية عام 1940. وبعد سقوط موسوليني عام 1943 واحتلال النازيين لشمال إيطاليا، بدأت عمليات اعتقال اليهود والمعارضين السياسيين على نطاق واسع. وكان الفاشيون الإيطاليون يساعدون القوات النازية في تعقب اليهود والمقاومين، ثم يتم نقل المعتقلين إلى محطة ميلانو تمهيدًا لترحيلهم.

يُعتقد أن آلاف الأشخاص أُرسلوا عبر الرصيف 21 إلى معسكرات الموت مثل أوشفيتز وماوتهاوزن. وكانت عمليات الترحيل تتم ليلًا في سرية تامة. ويُحشر ما بين 60 و80 شخصًا داخل عربة خشبية واحدة بلا نوافذ أو ماء أو مراحيض، في رحلة تستغرق 7 أيام نحو أوشفيتز. والمفارقة القاسية أن العربات ذاتها كانت تُستخدم سابقًا لنقل الحيوانات، وكان الحد الأقصى حينها 6 خيول فقط في العربة الواحدة.
وكان اليهود يُرسلون غالبًا إلى أوشفيتز حيث الإبادة الجماعية، بينما يُرسل السجناء السياسيون إلى معسكرات العمل القسري مثل ماوتهاوزن. ومن بين آلاف المرحّلين لم ينجُ سوى عدد قليل للغاية.
أشارت السجلات المتبقية إلى أن أول قافلتين غادرتا ميلانو بين عامي 1943 و1944 وضمتا 774 شخصًا، نجا منهم 27 فقط.

ومن أهم الناجين كانت ليليانا سيغري، التي رُحلّت إلى أوشفيتز وهي في الثالثة عشرة من عمرها. وقد لعبت شهادتها لاحقًا دورًا أساسيًا في اكتشاف حقيقة الرصيف السري. واليوم أصبحت سيغري عضوًا في مجلس الشيوخ الإيطالي ورمزًا وطنيًا لمواجهة النسيان.
افتُتح الموقع التذكاري أمام الجمهور عام 2013، ويُعتبر اليوم المكان الوحيد في أوروبا الذي بقي محفوظًا بالكامل كموقع أصلي للترحيل النازي. ويدخل الزوار من الطريق ذاته الذي دخل منه المعتقلون قديمًا، حيث يواجههم "جدار اللامبالاة"، وهو عمل فني يرمز إلى صمت المجتمع الذي سمح بوقوع هذه الجرائم.

أكد القائمون على النصب أن الهدف ليس فقط تذكُّر الضحايا، بل أيضًا دفع الإيطاليين إلى مواجهة ماضيهم. فهذه الجرائم لم يرتكبها النازيون وحدهم، بل شارك فيها أيضًا إيطاليون تعاونوا مع النظام الفاشي.
لهذا يُعد الرصيف 21 تذكيرًا مؤلمًا بأن أكثر الأماكن اليومية اعتيادية قد تخفي تحتها تاريخًا من المعاناة الإنسانية لا يجب نسيانه أبدًا.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






