اخبار العرب -كندا 24: السبت 28 مارس 2026 09:03 صباحاً دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)-- أثناء ليالي الصيف الحارة، يتشكّل صف طويل بالقرب من الواجهة البحرية لبلدة "إسكي فوتشا" (Eski Foça) الصغيرة على ساحل بحر إيجه في تركيا.
يمتلئ الجو بالضحكات وتعلو أصوات الأحاديث المتبادلة، فيما ينتظر الزوار دورهم لشراء المثلجات المحلية.
هذه البلدة تشكّلت عبر آلاف السنين، وعشرات الحضارات التي مرّت عليها. ورغ ذلك، لا تزال تحتفظ بعزلتها بعيدًا عن صخب العالم الحديث.
يرى مدير الثقافة والشؤون الاجتماعية في بلدية "فوتشا" أوغوزهان تشاكيرفه، أنّ إحدى الأسباب وراء ذلك تعود لــ"عدم السماح بالبناء، بعكس مدن أخرى في تركيا"، ما ساهم في الحفاظ على طابعها كقرية صيدٍ قديمة.

ولفهم البلدة، لا بد من العودة إلى ماضيها، فقد عُرفت أيضًا باسم "فوكايا" في اليونانية، وكانت مستوطنة إيونية مهمة.
وكان الإيونيون، وهم شعب يوناني حكم الساحل الغربي لتركيا الحالية بين القرنين التاسع والسابع قبل الميلاد، قد شكّلوا اتحادًا من 12 مدينة على طول ساحل بحر إيجه.
كما طوّروا أسطولًا بحريًا قويًا، وبنوا مستعمرات، قبل أن يخضعوا لسيطرة الفرس، والإسكندر الأكبر، ومن ثمّ الجنويين، وأخيرًا العثمانيين في القرن الـ15.
أشار الكاتب الإغريقي القديم هوميروس، في ملحمته عن أوديسيوس ملك إيثاكا، إلى بلدة تُعرف بأسماء مختلفة مثل "فاياسيا" أو "فاياكيا" أو "سخيريا"، بوصفها المحطة الأخيرة في رحلة أوديسيوس التي استمرّت عشر سنوات.

يُحيط بـ"إسكي فوتشا" ذات الخليج الطبيعي الواسع، "فوتشا أدالار"، وهي ست جزر غير مأهولة، إلى جانب صخور "سيرين"، وهي تكوينات بركانية يعتقد كثيرون أنّها تتطابق مع وصف هوميروس.
ويصطحب أورهان بوغاتش، قبطان قارب من الجيل الثاني الزوّار إلى تلك الصخور في رحلات يومية.
وقال: "الجزيرة الأكبر، جزيرة أوراك، هي المكان الذي غنّت فيه مخلوقات السيرين".
وأوضح أنّ "السيرين نوع من حوريات البحر، برأس امرأة وجسد طائر. ووفقًا للأسطورة، كنّ يغنين بصوتٍ فاتن لاستدراج البحارة المارّين نحوهنّ، حيث تتسبّب عاصفة تثيرها أجنحتهن في تحطيم سفنهم على الصخور وغرقهم".
مخلوقات أسطورية أم فقمات؟
لا يزال الجدل قائمًا حول ما إذا كانت بلدة "إسكي فوتشا" الوجهة الأخيرة لأوديسيوس بالفعل، أمّا وجود الفقمات في مياهها فليس موضع شك.
تُعرف هذه الفقمات باسم "فوكا" باللغة التركية، واشتُق اسم البلدة منها.
هذه الحيوانات مهدّدة بالانقراض، ولا تتواجد إلا على سواحل تركيا، واليونان، وشمال غرب إفريقيا، وقيل إنّ مجموعةً صغيرة منها تعيش في جزر "فوتشا". ولا يُسمح للبشر بدخول هذه الجزر، ولا تقترب القوارب منها كثيرًا.
وبسبب انتشار الكهوف على طول الساحل، حيث تجد الفقمات ملاذًا لها، فإنّ مشاهدتها نادرة، بحسب ما ذكره بوغاتش.
ويربط بعض السكان المحليين بينها وبين أساطير من التراث السلتي والإسكندنافي عن كائناتٍ تخلع جلودها لتتحوّل إلى بشر.
كيف تحولت إلى وجهة السياحة
حتى مطلع القرن العشرين، تمتعت بلدة "إسكي فوتشا" بتركيبة سكانية متنوعة، وكانت، كما قال تشاكيرفه، "مدينة ساحلية عالمية، سكنها في الغالب اليونانيون، والأتراك، والشاميين، وعدد قليل من العائلات اليهودية".
عاش السكان جنبًا إلى جنب، مدعومين بتجارة العنب والشبّة، التي كانت تُصدَّر عبر أنحاء الدولة العثمانية.
لكن تغيّر ذلك مع تبادل السكان بين اليونان وتركيا عام 1923، حين أُجبر اليونانيون الذين وُلدوا في تركيا والأتراك الذين وُلدوا في اليونان على الانتقال وفقًا لانتمائهم العرقي، وهو ما اختبرته عائلة بوغاتش.
وجاءت موجة جديدة من الوافدين في الخمسينيات، عندما افتتحت شركة "Club Med" أول منتجع سياحي في تركيا بالقرب من البلدة.
وعندها، انضم إلى السياح الفرنسيين زوار من النرويج، والدنمارك، وهولندا، قبل أن يتحوّل الاهتمام السياحي الدولي في العقود الأخيرة نحو الساحل المتوسطي لتركيا.
اليوم، تجذب البلدة في الغالب الرحلات النهارية الآتية من إزمير، إضافةً إلى الزوار الأتراك الباحثين عن الهدوء والسكينة.
أسطورة الحجر الأسود
أحيانًا، يتحوّل ما كان يفترض أن يكون رحلة ليومٍ واحد إلى إقامةٍ دائمة في هذه البلدة.
وُلد تشاكيرفه، الذي أصبح اليوم من سكانها القدامى، في تورغوتلو التابعة لولاية مانيسا، وتدرّب كموسيقي كلاسيكي متخصص في آلة الناي التركية.
قد يهمك أيضاً
وأوضح: "جئتُ ليومين فقط، لكني أعيش هنا منذ نحو 25 عامًا، وزوجتي أيضًا من أولئك الذين جاؤوا ليومين وبقوا".
ويعتقد تشاكيرفه أنّهما لم يغادرا لأنّهما داسا على حجرٍ أسود، وهو جزء من أسطورة محلية عن عاشقين من عائلتين متخاصمتين.
وشرح تشاكيرفه: "أُرسل الشاب إلى المدينة حتى يعمل رغمًا عنه، بينما انتظرته الفتاة لأشهر وهي جالسة على حجرٍ أسود، حتى ماتت في النهاية باكيةً وهي تنتظر حبيبها".
ووفق مرويّته، تأثّر أهل البلدة بقصتها، "فكسروا الحجر الأسود إلى قطع ونثروها في أنحاء البلدة، على أمل أنّ من يطأ عليها لن يغادر أبدًا، حتى لا يتكرّر ألم الفراق مجددًا".
ولا أحد يعرف الموقع الدقيق لتلك القطع، لكن الأسطورة ما تزال حيّة.
قد يهمك أيضاً
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






