الثلاثاء 13 يناير 2026 05:16 مساءً تصاعد اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين، أجبر عشرات العائلات الفلسطينية على ترك مساكنها قسرا في منطقة شلال العوجا شمال مدينة أريحا شرقي الضفة الغربية المحتلة، في مشهد يعكس واقعا إنسانيا قاسيا تعيشه التجمعات البدوية في الأغوار الفلسطينية.
وفي مشهد يلخص قسوة النزوح القسري، تفكك عائلات بدوية فلسطينية على عجل مساكنها المصنوعة من خيام، و«بركسات».
وهي غرف من ألواح الصفيح للسكن وتربية الأغنام، وتعمل على تحميل ما تبقى من مقتنياتها البسيطة على شاحنات مكشوفة، وسط نظرات حائرة وحديث متكرر عن مصير مجهول.
نساء يجمعن الأغطية، وأطفال يراقبون بصمت، بينما يجمع الرجال ما يمكن إنقاذه من بقايا حياة شُيّدت على مدى عقود.
وفي مايو/ أيار 2024، شيد مستوطن إسرائيلي بؤرة رعوية على أرض نبع العوجا، القريب من التجمع البدوي، في خطوة اعتبرها السكان الفلسطينيون محاولة واضحة للسيطرة على المنطقة ومنعهم من الوصول إلى مورد المياه الأساسي.
ويقول فلسطينيون من التجمع، إن المستوطن الذي يملك قطيعا من الأغنام يفرض سيطرته على محيط النبع، ويمنع المزارعين والرعاة من استخدام المياه، في محاولة لتهجيرهم قسرا من أراضيهم، بدعم إسرائيلي رسمي.
ويعد «نبع العوجا» واحدا من أهم وأشهر ينابيع المياه في «غور الأردن» شرق الضفة الغربية المحتلة، كما يعد موقعا سياحيا يلجأ إليه الفلسطينيون في فصل الصيف لوفرة مياهه.
وفي ديسمبر/ كانون الأول 2025، نشر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، مقطعا مصورا له من منطقة رأس العين في بلدة العوجا، معربا عن دعمه للمستوطنين وإشادته بسيطرتهم على الأراضي الفلسطينية وآبار المياه، واصفا نهبها بأنه «عمل رائع».
وفي المقطع المصور، دعا سموتريتش المستوطنين إلى الاستمرار في سرقة ممتلكات الفلسطينيين وأراضيهم.
الرحيل حفاظا على الأطفال
وفي خيمة شبه فارغة، يجلس الفلسطيني عاطف سليم، أحد المهجرين من المنطقة، مسترجعا لحظات الرحيل القسري، وقال إن المستوطنين صعّدوا اعتداءاتهم بشكل غير مسبوق، حيث اقتحموا البيوت، واعتدوا على الأهالي، وسرقوا مئات من رؤوس الأغنام.
وأضاف في حديث للأناضول: «أخذوا نحو 500 رأس غنم، وبعدها قالوا لنا أمامكم ثلاثة أيام لترحلوا».
وأوضح سليم أن أهالي المنطقة طرقوا أبواب مؤسسات عديدة لمساعدتهم، ولكن دون جدوى، ليصلوا إلى قناعة مؤلمة بأن «الرحيل بات الخيار الوحيد حفاظا على الكرامة وحياة الأطفال».
وذكر أن المستوطنين وضعوا جرارات زراعية أمام البيوت، واعتدوا على أطفال صغار، بعضهم لم يتجاوز الخامسة من عمره، فيما كان الجيش الإسرائيلي يقف دون تدخل.
وزاد الفلسطيني سليم: «المعيشة هنا صارت عقابا، منعوا المياه، ومنعوا السيارات من الدخول، وضيقوا علينا بكل شيء».
وأشار إلى أن جبال المنطقة باتت «خالية تماما من السكان»، بعد أن كانت تضم نحو مائة عائلة، قائلاً: «كل واحد ذهب في طريقه، ولا نعرف أين ذهب الجيران ولا الأقارب».
وتابع: «لم يبق أمامنا سوى الرحيل، لم نعد آمنين على كرامتنا، ونرحل للحفاظ على أولادنا ومستقبلهم. ما بُني في 30 عاما، يهدم في أيام».
شتات بلا أفق
من جانبه، قال المواطن الفلسطيني هيثم سلمان، من سكان شلال العوجا، إن المستوطنين يضايقون التجمع منذ أكثر من عامين، لكن وتيرة التهجير تصاعدت خلال الأيام العشرة الأخيرة، حيث بدأت عشرات العائلات بمغادرة المنطقة.
وأضاف للأناضول أن نحو 120 عائلة كانت تقطن التجمع، مشيرًا إلى أن عائلات عديدة من تجمعات مجاورة، بينها «الطلعات»، أُجبرت أيضًا على الرحيل، دون معرفة وجهتها، في مشهد وصفه بـ«نكبة جديدة».
وأردف سلمان: «ما نعيشه اليوم نكبة حقيقية، درسنا نكبة 1948 ونكسة 1967، لكننا نعيش نكبة يومية في عام 2026».
وأوضح أن المستوطنين استهدفوا مصادر الرزق بشكل مباشر، عبر سرقة المواشي ومنع الرعي والاعتداء على النساء والأطفال.
وأكد أن سياسة الضغط على مصادر العيش كانت الأكثر فاعلية في إجبار الناس على الرحيل، بعدما فشلت سياسات الهدم والمصادرة السابقة للممتلكات.
وأكمل: «عشنا لفترة دون غنم، لكن حين بدأ المستوطنون الاعتداءات ليلًا وضرب الأطفال والنساء، لم يعد هناك خيار».
وقال إن فكرة الرحيل لم تكن واردة، ولكن «أجبرنا على نقل القطيع إلى أماكن أخرى وبقينا هنا، نحاول الصمود في وجه تلك الجرائم المتصاعدة».
وأردف: «لا يوجد بديل ولا مكان نذهب إليه، لا مكان آمنا مع هذه السياسة التي يدعمها الجيش الإسرائيلي».
ولفت الفلسطيني سلمان إلى أن المستوطنين باتوا يطاردون السكان وأطفالهم، ويقتحمون المنازل دون رادع.
واقع عام من التهجير
ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، نفذ المستوطنون نحو 4 آلاف و723 اعتداء بالضفة الغربية، خلال عام 2025، أسفرت عن مقتل 14 فلسطينيا، وتهجير 13 تجمعا بدويا تضم ألفا و90 شخصا.
ووفقا لتقارير فلسطينية رسمية، بلغ عدد المستوطنين في الضفة نهاية 2024 نحو 770 ألفا، موزعين على أكثر من 180 مستوطنة و256 بؤرة استيطانية.
وتؤكد الأمم المتحدة أن الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، ويقوض إمكانية تنفيذ حل الدولتين، فلسطينية وإسرائيلية، وتدعو منذ عقود إلى وقفه دون جدوى.
ومنذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كثفت إسرائيل اعتداءاتها في الضفة الغربية، بما في ذلك القتل والاعتقال والتهجير والتوسع الاستيطاني، في مسار يرى فلسطينيون أنه يمهد لضم الضفة الغربية رسميا.
وبحسب معطيات رسمية فلسطينية، قُتل في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ما لا يقل عن 1106 فلسطينيين، وأصيب نحو 11 ألفا آخرين، إضافة إلى اعتقال أكثر من 21 ألفا.
ويحذر مراقبون من أن استمرار التهجير في الأغوار يهدد بتفريغ المنطقة من سكانها الأصليين، ما يقوض أي إمكانية مستقبلية لتطبيق حل الدولتين، الذي تؤكد الأمم المتحدة أن الاستيطان يقف عائقا أساسيا أمامه.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





