اخبار العرب -كندا 24: الاثنين 9 مارس 2026 05:03 صباحاً أدت الأزمة المتصاعدة في الشرق الأوسط إلى تغيير عميق في توقعات البنوك المركزية العالمية؛ إذ تضع صدمة العرض الكبيرة صُناع السياسات أمام معضلة صعبة تتمثل في الموازنة بين دعم النمو الاقتصادي ومكافحة التضخم.
وبالنسبة للبنوك المركزية في الاقتصادات الآسيوية الناشئة، أصبح خفض أسعار الفائدة خطوة محفوفة بالمخاطر، ليس فقط بسبب الضغوط التضخمية الإضافية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الوقود؛ بل أيضاً نتيجة خطر خروج تدفقات رأس المال، مع تدهور شروط التبادل التجاري مع الولايات المتحدة.
وأفادت مصادر لـ«رويترز» بأن بنك الاحتياطي الهندي -على سبيل المثال- يتجه إلى التركيز بشكل أكبر على دعم النمو من خلال الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة، غير أن ازدياد الإقبال على الدولار كملاذ آمن، في ظل تصاعد الحرب الأميركية الإيرانية، قد يدفع البنك إلى تكثيف تدخله لدعم العملة المحلية التي تتعرض لضغوط متزايدة.
وقال تورو نيشيهاما، كبير الاقتصاديين للأسواق الناشئة في معهد «داي-إيتشي» لبحوث الحياة في طوكيو، إن تايلاند والفلبين قد تضطران إلى التراجع عن موقفهما المتساهل في السياسة النقدية، رغم تضرر اقتصاديهما من ارتفاع تكاليف الوقود.
وقال نيشيهاما: «سيواجه كثير من البنوك المركزية قرارات صعبة في ظل الضغوط المتزايدة من الأسواق والحكومات على حد سواء. ومع عدم وجود نهاية واضحة للصراع في الأفق، يزداد خطر الركود التضخمي يوماً بعد يوم».
وتراجعت أسواق الأسهم وارتفع الدولار الأميركي الذي يُعد ملاذاً آمناً، في آسيا، يوم الاثنين، مع تجاوز أسعار النفط 110 دولارات للبرميل، ما أثار مخاوف من أن يؤدي الصراع طويل الأمد في الشرق الأوسط إلى اضطراب إمدادات الطاقة العالمية وارتفاع التضخم، وهو ما قد يجبر البنوك المركزية على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول أو حتى رفعها.
ويمثل هذا الوضع تحدياً كبيراً للاقتصادات المعتمدة على التصنيع، مثل كوريا الجنوبية واليابان التي تعتمد بشكل كبير على التجارة العالمية واستقرار الأسواق وانخفاض تكاليف المواد الخام، وهي عوامل تتضرر بشدة من تصاعد أزمة الشرق الأوسط.
وقال كيم جين ووك، الخبير الاقتصادي في «سيتي غروب»، إن البنك المركزي الكوري الجنوبي الذي أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في فبراير (شباط)، قد يتجه إلى موقف أكثر تشدداً إذا استمر التضخم أعلى من مستواه المستهدف بنقطة مئوية واحدة على الأقل.
وأضاف كيم: «في الوقت الراهن، ما زلنا نعتقد أن بنك كوريا لن يرفع أسعار الفائدة استجابة مباشرة لارتفاع أسعار النفط عن المتوقع»؛ مشيراً إلى أن الإجراءات الحكومية الهادفة إلى كبح أسعار الوقود قد تحد من تأثير ارتفاع النفط على التضخم.
«تخيُّل ما لا يُتصوَّر»تواجه البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة، مثل مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، مهمة معقدة تتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء التضخم، في ظل ضغوط سياسية متزايدة.
ويُعد هذا التحدي أكثر حدة بالنسبة لبنك اليابان. فإذا استقرت أسعار النفط الخام عند 110 دولارات للبرميل لمدة عام كامل، فقد يؤدي ذلك إلى خفض النمو الاقتصادي بنحو 0.39 نقطة مئوية، وفقاً لتقديرات معهد «نومورا» للبحوث، وهو ما يمثل ضربة قوية لاقتصاد لا يتجاوز نموه المحتمل بين 0.5 في المائة و1 في المائة.
وعلى عكس الفترات السابقة، عندما كان بإمكان بنك اليابان تعليق خطط رفع أسعار الفائدة مؤقتاً، فإن لديه اليوم هامشاً أقل لتجاهل الضغوط التضخمية، بعدما تجاوز التضخم هدفه البالغ 2 في المائة لما يقرب من 4 سنوات.
وهذا يعني أن البنك قد يجد نفسه مضطراً لمواصلة نهجه في رفع أسعار الفائدة تدريجياً، مع تجنب الإعلان المسبق عن توقيت أي خطوة جديدة قد تثير اعتراضات سياسية بسبب ارتفاع تكاليف الاقتراض، وفقاً للمحللين.
وتُعد أستراليا ونيوزيلندا مثالاً واضحاً على كيفية وضع الاقتصادات التي تمر بدورات اقتصادية مختلفة صناع السياسات أمام خيارات صعبة.
وقال جوناثان كيرنز، كبير الاقتصاديين في شركة «تشالنجر» والمسؤول السابق في بنك الاحتياطي الأسترالي، إن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يهدد بزعزعة استقرار توقعات التضخم في أستراليا؛ حيث لا تزال معدلات التضخم مرتفعة بالفعل.
وأضاف: «إذا ارتفعت توقعات التضخم، وهو أمر محتمل في ظل هذه الفترة الطويلة من التضخم المرتفع، فسيضطر بنك الاحتياطي الأسترالي إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، لإعادة التضخم إلى المسار المستهدف».
أما نيوزيلندا فتواجه تحدياً مختلفاً؛ إذ يواجه اقتصادها صعوبة في التعافي من آثار دورة التشديد النقدي السابقة.
وقال جارود كير، كبير الاقتصاديين في «بنك كيوي»: «نعتقد أن البنوك المركزية، وبنك الاحتياطي النيوزيلندي على وجه الخصوص، قد تضطر إلى تحمل ارتفاع التضخم على المدى القصير لتجنب تشديد السياسة النقدية، في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تباطؤاً».
من جانبها، قالت كريستالينا غورغيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، إن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10 في المائة -إذا استمر معظم العام- قد يؤدي إلى زيادة التضخم العالمي بنحو 40 نقطة أساس.
وأضافت غورغيفا، خلال ندوة عُقدت في طوكيو: «نشهد اختباراً جديداً لقدرة البنوك المركزية على الصمود في مواجهة الصراع الجديد في الشرق الأوسط. ونصيحتي لصناع السياسات في هذا المناخ العالمي الجديد هي التفكير فيما لا يُتصور والاستعداد له».
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير



