اخبار العرب -كندا 24: الأربعاء 4 فبراير 2026 11:51 صباحاً «أميركان دكتور» يوثق معاناة الأطباء خلال حرب غزة
يرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» American Doctor الحرب على غزة من داخل واحدة من أكثر مساحاتها هشاشة وخطورة، وهي المستشفيات، لا ينطلق العمل من مشهد سياسي أو خطاب إخباري، بل من جسد الإنسان حين يصبح هدفاً مباشراً، ومن غرفة العمليات حين تتحول إلى خط مواجهة.
ومنذ لحظاته الأولى، يضع الفيلم المشاهد أمام معضلة أخلاقية حاسمة تتعلق بالصورة نفسها، هل يجب إخفاء صور الأطفال القتلى حفاظاً على كرامتهم، أم عرضها كما هي لتوصيل حجم الجريمة؟هذا الجدل الافتتاحي لا يشكّل مجرد مدخل درامي، بل يؤسس لموقف الفيلم بالكامل، ويحدد نبرته القائمة على الشهادة لا التخفيف.
ويتتبع الفيلم ثلاث رحلات لأطباء أميركيين إلى غزة، يختلفون في الخلفية والانتماء، لكنهم يتساوون في مواجهة الموت اليومي، الطبيب الفلسطيني-الأميركي ثائر أحمد، الذي يرى في وجوده داخل غزة واجباً أخلاقياً تجاه جذوره، والطبيب اليهودي مارك بيرلماتر، الأكثر حدة واندفاعاً في وصف ما يجري باعتباره «إبادة جماعية»، والطبيب الزرداشتي فيروز سيدوا، الذي يتخذ موقعاً أكثر هدوءاً، لكنه لا يقل وضوحاً في الشهادة، من خلال هذا التباين، يبني الفيلم سرديته على الاختلاف.
لا يكتفي الفيلم الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «صندانس السينمائي» بالولايات المتحدة الأميركية بتسجيل عمل الأطباء داخل غرف الطوارئ، بل يلاحقهم أيضاً خارجها، في مقابلاتهم الإعلامية، وفي تواصلهم مع عائلاتهم في الولايات المتحدة، وفي محاولاتهم المستمرة لإيصال ما يرونه إلى العالم.
وبينما تتوالى مشاهد الإصابات، وأجساد الأطفال، والانهيار المتكرر للبنية الطبية، يكشف الفيلم عن حقيقة أخرى موازية، صعوبة الكلام عن غزة في الفضاء العام الأميركي، وحدود ما يُسمح بقوله، ومن يُحاسَب حين يخرج عن الخطاب السائد.
فوارق في المعاملةويولي الفيلم اهتماماً خاصاً بالفوارق في معاملة السلطات الإسرائيلية للأطباء الثلاثة، رغم امتلاكهم الجنسية الأميركية نفسها، فبينما يواجه ثائر أحمد عراقيل أمنية متكررة وتأخيرات طويلة بسبب أصوله الفلسطينية، يتمتع زميلاه بمرونة أكبر في الدخول والخروج، هذه التفاصيل، التي لا تُشرح نظرياً، تتحول إلى جزء أساسي من بنية الفيلم، كاشفة عن الامتيازات غير المرئية التي تحكم الحركة، والكلام، والغضب المشروع.
وفي موازاة ذلك، يمنح الفيلم مساحة مؤثرة لأطباء فلسطينيين يعملون داخل غزة، لا بوصفهم خلفية، بل باعتبار أنهم أصوات مركزية في السرد، ففي واحد من أكثر مشاهده قسوة، يتحدث طبيب تخدير فلسطيني عن تمزقه بين البقاء إلى جانب مرضاه تحت القصف، والقلق على أطفاله.
ويمتد السرد على فترتين زمنيتين، قبل وبعد وقف إطلاق النار المؤقت، ليكشف كيف تتبدل الظروف سريعاً، وكيف تتحول الحركة المحدودة إلى شبه مستحيلة، وكيف يصبح البقاء نفسه قراراً يومياً محفوفاً بالمخاطر، بأسلوب بصري صارم لا يهادن، وبكاميرا تعرف متى تثبت ومتى تنسحب، فيقدّم الفيلم شهادة ثقيلة عن استهداف المستشفيات والعاملين في القطاع الصحي.
حضور صادم ومؤثروتقول منتجة الفيلم ريم حداد لـ«الشرق الأوسط» إن العمل على «أميركان دكتور» لم يكن مشروعاً سينمائياً بالمعنى التقليدي، بل تجربة وجودية ومهنية متداخلة، فرضتها اللحظة التاريخية وما تحمله من ثقل أخلاقي، معتبرة أن وجود الفيلم في مهرجان «صندانس السينمائي» كان صادماً ومؤثراً في آنٍ واحد، ليس فقط لأن الفيلم عُرض في الولايات المتحدة الأميركية، بل لكونه عُرض أمام جمهور يعيش داخل دولة متورطة بشكل مباشر فيما يحدث في غزة.
وأكدت أن استقبال الفيلم، وامتلاء القاعات، وانتظار الجمهور في الخارج على أمل دخول العرض، كلها مؤشرات على تحوّل في المزاج العام، وعلى استعداد أوسع لسماع هذه الشهادة، مشيرة إلى أن «الحديث عن فلسطين داخل المجتمعات العربية أو في الشرق الأوسط يظل مفتوحاً ومباشراً، بينما يكتسب معنى مختلفاً تماماً حين يُنقل إلى السياق الأميركي».
وأكدت أن مشاهدة تفاعل الجمهور في «صندانس»، والحوارات التي أعقبت العروض، والدموع التي رافقت كثيراً من اللقاءات، جعلتها تشعر بأن الفيلم وصل إلى أبعد مما توقعت. فكان هذا التفاعل دليلاً على أن القصة لم تعد محصورة داخل «فقاعة» المتعاطفين المعتادين.
وعن بداية المشروع، توضّح حداد أن علاقتها بالمخرجة الماليزية الأميركية بوه سي تنغ تعود إلى سنوات طويلة من العمل المشترك في التلفزيون، حيث نشأت بينهما صداقة وثقة مهنية عميقة، لافتة إلى أن استمرار الحرب على غزة، وخسارة زملاء وأصدقاء، جعلاها تعدل عن قرار اتخذته بالحصول على راحة واقترحت على المخرجة تقديم قصة في غزة، ليبدأ الأمر بوصفها مساهمة استشارية بسيطة، قبل أن يتطور سريعاً إلى شراكة إنتاجية كاملة.
وتؤكد حداد أن الثقة كانت عنصراً أساسياً في اتخاذ قرار إنتاج الفيلم، مشيرة إلى أن «العمل مع صديقة مقرّبة خفف من وطأة القرارات الصعبة التي فرضها المشروع، مع الدور المحوري الذي لعبه الفريق الفلسطيني على الأرض، ليس فقط من الناحية التقنية، بل من حيث الالتزام والشجاعة والإصرار على إيصال الصورة».
تصوير محفوف بالمخاطروعن التحديات، تقول حداد إن التصوير في غزة كان محفوفاً بالمخاطر في كل لحظة، حتى خلال فترات وقف إطلاق النار، مؤكدة أن «القرارات الإنتاجية لم تكن فنية فقط، بل أخلاقية وإنسانية.
وتستعيد حداد موقفاً يعكس روح الفريق، حين طلبت عدم التصوير بدقة 4k خوفاً من صعوبة تهريب المواد المصورة خارج غزة، لكن الفريق أصر على التصوير بهذه الجودة، ونجح بالفعل في إخراج اللقطات، معتبرة أنها واحدة من الأمثلة على روح الابتكار والإصرار لدى صنّاع الأفلام في غزة الذين لا يبحثون عن حلول سهلة، بل عن الطريقة الأفضل لإيصال القصة.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






