اخبار العرب -كندا 24: الثلاثاء 20 يناير 2026 05:15 صباحاً كيف نستجيب لتلاشي الحدود بين الاقتصاد والسياسة؟
في وقت تعيد فيه «الجغرافيا السياسية» كتابة قواعد الاقتصاد العالمي، تتلاشى الحدود التقليدية بين الأسواق والدول بوتيرة غير مسبوقة. ما كان في السابق من اختصاص مفاوضي التجارة والدبلوماسيين أصبح اليوم في صميم عمل كل رئيس تنفيذي وكل مجلس إدارة شركة.
كما لم يعد فهم الجغرافيا السياسية تمريناً اختيارياً في إدارة المخاطر، بل أصبح محورياً في صياغة الاستراتيجية المؤسسية.
على مدار العام الماضي، اضطلعت الحكومات بدور أكثر حزماً في تشكيل النتائج الاقتصادية، مع عودة السياسات الصناعية بقوة في الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء. وإضافة إلى ذلك، باتت ضوابط التصدير وآليات تدقيق الاستثمارات أدوات معيارية في ترسانة فنون إدارة شؤون الدولة الاقتصادية.
في الوقت نفسه، يواجه العالم احتياجات هائلة في البنية التحتية — لمعالجة التحول الطاقي والرقمنة وتعزيز المرونة — وهي احتياجات لا يمكن تلبيتها عبر الميزانيات العامة وحدها. والنتيجة هي تشابك أعمق بين أولويات الدولة ورأس المال الخاص.
مواجهة تعقيد عالمي متزايد
تتعامل الحكومات اليوم مع ما قد يكون أكثر الظروف الجيوسياسية والجيو-اقتصادية تعقيداً منذ عقود. من جهة، يؤدي التفكك الجيوسياسي إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، تعيد فيه الدول التموضع، وتُنشئ شراكات استراتيجية جديدة وتنافسات متزايدة. وفي الوقت نفسه، تتنافس الأزمات العابرة للحدود — من الظواهر الناتجة من تغيّر المناخ والضغوط الديموغرافية، إلى النزاعات الأهلية والاستقطاب المجتمعي — على الاهتمام العالمي.
لا توجد دولة معزولة عن الاقتصاد العالمي، وقليل منها قادر على الإبحار فوق تحديات الأمن الدولي. وهذا يعني أنه من الضروري أن تعمل الحكومات مع القطاع الخاص لتحقيق أهداف مشتركة.
في هذا المشهد الجديد، تواجه الشركات أيضاً بيئة أكثر تعقيداً. وحتى داخل مجتمع الأعمال نفسه، لا تتسم المصالح بالتجانس. فصناديق التحوط، وصناديق التقاعد طويلة الأجل، والمؤسسون، والمكاتب العائلية، لكلٍ منها آفاق زمنية وأولويات مختلفة. وعندما تأخذ الحكومات حصصاً في صناعات استراتيجية أو تفرض متطلبات جديدة للإفصاح والتوطين، تصبح فكرة «من هو المساهم» أكثر تعقيداً. ويضاف إلى ذلك ديمقراطية الاستثمار — إذ إن نسبة قياسية تقارب 30 في المائة من صافي ثروة الأسر الأميركية باتت اليوم مستثمرة في سوق الأسهم. وهذا يطمس الخط الفاصل بين المواطن والمستهلك والمساهم إلى حدٍّ أكبر. وعلاوة على ذلك، بات الرأي العام والمزاج السياسي قوة سوقية يمكن أن يكون لها تأثير ملموس على صافي الأرباح.
وفي المقابل، يُتوقع من الشركات في كثير من الأحيان اتّخاذ مواقف حيال قضايا جيوسياسية متعددة، من النزاعات إلى المناخ. كما أن نشاط المستهلكين، ولا سيما بين الأجيال الشابة، يمكن أن يغيّر ديناميكيات السوق بسرعة. وبرز أيضاً مفهوم «الرأسمالية الوطنية»، حيث تتماشى قرارات الشراء وتدفقات الاستثمار ورسائل الشركات مع أولويات وطنية أو إقليمية.
وأضافت التكنولوجيا طبقة أخرى من التعقيد. فصعود ما يُعرف بالاستثمارات الدائرية — حيث تلعب الشركات الرائدة دور المستثمر والعميل والمورّد لبعضها بعضاً في آن واحد — يعيد تشكيل بنية قطاعات كاملة. ويُظهر النظام البيئي المحيط بشركات مثل «إنفيديا» و«أوبن إيه آي» و«كور ويف» وغيرها هذه الحلقة الدائرية؛ إذ يتداول رأس المال والابتكار والنفوذ داخل شبكات ضيقة يمكن أن تضخّم الفرص والمخاطر معاً.
في مثل هذه الأنظمة، لا تكتفي الجغرافيا السياسية بتشكيل الأسواق من الخارج، بل تتحرك من داخلها. وكل ذلك يجري على خلفية مستويات قياسية من الديون العالمية واحتياجات مجتمعية متنافسة. إذ تواجه الحكومات والشركات والمواطنون مفاضلات صعبة بشأن تخصيص رأس المال الشحيح بين الأمن والصحة والبنية التحتية أو شبكات الأمان الاجتماعي. وهذه خيارات اقتصادية، لكنها تعكس أيضاً قيماً وتوازنات قوة.
مواءمة الأولويات
بالنسبة للشركات، تفرض هذه الديناميكيات الجديدة إعادة تقييم استراتيجية.
لم يعد التمييز الثنائي بين «رأسمالية المساهمين» و«رأسمالية أصحاب المصلحة» قائماً. ففي عالم جيوسياسي، تصبح رأسمالية المساهمين هي نفسها رأسمالية أصحاب المصلحة؛ لأن المستثمرين والموظفين والعملاء والحكومات جميعهم متشابكون في شبكة واحدة من المصالح والمخاطر والمسؤوليات. ويعتمد السعي إلى خلق قيمة طويلة الأجل اليوم على المرونة السياسية بقدر ما يعتمد على الأداء المالي.
يسعى مجتمع الأعمال للاستجابة للسياسات الجديدة والصدوع العالمية، لكن لا يزال بإمكانه بذل المزيد لردم الفجوة بين آفاق الشركات والحكومات. ويمكن للحوار والتعاون أن يسهِما في تحقيق أهداف مشتركة.
فعلى سبيل المثال، من خلال العمل المشترك على تقليل المخاطر في سلاسل توريد المعادن الحيوية عبر تنظيم مستقر، ومساعدات تنموية، وأدوات تمويل مختلطة، يمكن للحكومات والشركات دفع الاستثمار والنمو في هذه الأسواق الحيوية. ويمكن اعتماد نهج مماثل لتطوير البنية التحتية للطاقة التي تشتد الحاجة إليها. وفي الوقت نفسه، يمكن للحكومات والشركات التعاون في برامج تزويد الأفراد بمهارات الذكاء الاصطناعي وإعادة التدريب والتأهيل، بما يتيح للجميع اغتنام الفرص وفهم تحديات التقنيات الناشئة.
تشجيع روح الحوار
في هذا السياق، يصبح دور المنتدى الاقتصادي العالمي أكثر أهمية من أي وقت مضى. وفي ظل تزايد التفكك، تُعدّ المنصات التي تتيح الحوار بين القطاعين العام والخاص أمراً حيوياً.
يوفر المنتدى مساحة يلتقي فيها قادة الأعمال وصنّاع السياسات من مختلف المناطق للتعامل مع هذا التعقيد معاً — لا لإلغائه، بل لفهمه وإدارته بشكل أفضل. ومهمتنا هي المساعدة على مواءمة ضرورات التنافسية والمرونة والازدهار المشترك في عالم يعاد فيه تسييس الجغرافيا السياسية.
وفي دافوس هذا الشهر، وبينما يجتمع القادة لمناقشة حال العالم، ينبغي أن تكون الرسالة واضحة: لقد دخلنا عصر الرأسمالية الجيوسياسية. وسيعتمد النجاح على الانخراط فيه بشكل بنّاء، وتعاوني، ومع إدراك واضح للتشابك الذي لا يزال يشكّل أساس اقتصادنا العالمي.
* مدير عام في المنتدى الاقتصادي العالمي
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





