الثلاثاء 19 مايو 2026 05:28 صباحاً صدر الصورة، Getty Images
يتسلم علي الزيدي، رئيس الحكومة العراقية، مقاليد السلطة في مرحلة حساسة ومعقدة يمر بها العراق، إذ تتشابك التحديات الأمنية الداخلية مع صراعات إقليمية معقدة، ترتبت على الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، ودخول الفصائل العراقية الموالية لطهران بقوة في هذه الحرب باستهدافها المصالح الأمريكية في مناطق مختلفة من العراق بما فيها إقليم كردستان وفي دول الجوار.
ومنذ إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، دعمه لترشيح الزيدي، وتهنئته عقب تكليفه من قبل الإطار التنسيقي للقوى الشيعية، تُطرح أسئلة كثيرة بشأن قدرة الرجل الذي جاء من خارج الحلبة السياسية التقليدية على تنفيذ المطالب الأمريكية، وأهمها نزع سلاح الفصائل الشيعية وحل أجنحتها العسكرية.
وكان ترامب قد اعترض شخصياً على ترشيح رئيس الوزراء العراقي السابق والمقرب من إيران نوري المالكي لتشكيل الحكومة.
وفي زيارة لبغداد قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران بيوم واحد، أبلغ المبعوث الأمريكي، توم براك، المالكي شخصياً بالاعتراض على ترشحه. وكشف مصدر في الإطار التنسيقي الشيعي حينها أن براك أبلغ رئيس الحكومة المنتهية ولايته محمد شياع السوداني أن واشنطن ستفرض عقوبات على العراق إذا ترشح المالكي لرئاسة الوزراء.
ولم يتوقف التهديد عند ترشح المالكي فقط، إذ هددت واشنطن برفض التعامل مع الحكومة العراقية الجديدة إن ضمت أي وزراء ينتمون إلى الفصائل العراقية الشيعية المسلحة.
وتشير مصادر كثيرة تحدثت إليها بي بي سي نيوز عربي إلى أن هذه الفصائل تتوقع وتخشى ضربات أمريكية تستهدف قواعدها ومقاتليها منذ إعلان وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن، خاصة بعد وضع أربعة من أهم قادتها على قائمة المطلوبين للإدارة الأمريكية بمكافآت من وزارة الخزانة تُقدر بعشرة ملايين دولار لكل واحد منهم.
السوداني واحتواء الفصائل
وشهدت فترة حكومة رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، هدوءاً نسبياً في العلاقة بين الحكومة والفصائل، إذ اعتمد سياسة تقوم على التنسيق والاحتواء، باتت معها هذه الفصائل جزءاً من المعادلة السياسية داخل الحكومة، دون أن يؤدي ذلك إلى تراجع نفوذها أو قدراتها العسكرية، وهو ما اتضح بجلاء خلال الحرب الأخيرة بتنفيذها مئات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة.
وتشكل الموازنة في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة أكبر التحديات التي قد تواجه رئيس الحكومة الجديد، إذ بالتزامن مع الترحيب والدعم الأمريكيين لتكليفه، زار قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني بغداد مرتين منذ إعلان وقف إطلاق النار، أجرى خلالهما لقاءات مع قادة الإطار التنسيقي الشيعي لم يكشف عن مضمونها.
وتؤكد تجارب سابقة في العراق أن تحقيق هدف حصر السلاح بيد الدولة على أرض الواقع يتطلب أكثر من الإرادة السياسية، إذ يحتاج إلى توافق داخلي ودعم إقليمي وإعادة هيكلة المؤسسة الأمنية والعسكرية.
صدر الصورة، Getty Images
الصدام بين الكاظمي والفصائل المسلحة
في يونيو / حزيران عام 2020 انتشرت صور صادمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي العراقية، تظهر مجموعة من مسلحي كتائب حزب الله العراقي يدوسون صور رئيس الحكومة العراقية آنذاك مصطفى الكاظمي، ويحرقون أعلاماً إسرائيلية وأمريكية بعد دقائق من إطلاق قوات حكومية سراحهم.
وكان جهاز مكافحة الإرهاب العراقي قد اعتقل المسلحين بأوامر من الكاظمي، بتهمة إطلاق صواريخ استهدفت مواقع حكومية ومصالح أمريكية، لكن حزب الله العراقي، بدعم من فصائل مسلحة، أجبر الحكومة على إطلاق سراحهم بعد انتشار مسلحيهم في بغداد، ومحاصرة مقر جهاز مكافحة الإرهاب في المنطقة الخضراء.
تعيد تلك الحادثة التذكير بالحدود التي لا يمكن لأي حكومة عراقية اجتيازها في العلاقة مع الفصائل الشيعية المسلحة، واستعداد هذه الفصائل لمواجهة القوات الحكومية عسكرياً في حال المساس بسلاحها.
اتهمت هذه الفصائل مبكراً الكاظمي بأنه أداة أمريكية لتفكيكها، وذهب حزب الله العراقي إلى أبعد من ذلك باتهامه بالتورط في مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وقائد حزب الله ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، اللذين اغتيلا في 3 يناير / كانون الثاني 2020، وذلك باستهداف سيارة كانا يستقلانها قرب مطار بغداد، بأوامر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى.
وظلت العلاقة بين الفصائل والكاظمي متوترة طيلة فترة رئاسته، وتكرر استهداف المصالح الأمريكية، ووصلت في السابع من نوفمبر / تشرين الثاني عام 2021 حد استهداف منزل الكاظمي داخل المنطقة الخضراء بطائرة مسيرة أدت إلى أضرار مادية وإصابة بعض الحراس.
هذا الإرث الثقيل من التوتر والصراع بين الدولة والفصائل، والذي ازداد تعقيداً نتيجة دور هذه الفصائل في الحرب الأخيرة، يمثل الخلفية التي ستنطلق منها حكومة علي الزيدي، مرشح التسوية الذي برز نتيجة توافق قوى الإطار التنسيقي وضغوط دولية لتشكيل حكومة سريعة، دون أن يتضح بعد إذا كان سيتبع استراتيجية مصطفى الكاظمي في التعاطي مع هذا الملف تبنيا لمنهج المواجهة، أم مقاربة سلفه محمد شياع السوداني اعتمادا لمبدأ الاحتواء.
دولة داخل الدولة
خلال السنوات الأخيرة، تعزز نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لإيران، والتي تعمل تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي، مع احتفاظها بهياكل قيادة مستقلة. ومن أبرز هذه الفصائل، كتائب حزب الله العراقي، وكتائب سيد الشهداء، وحركة النجباء، وأنصار الله الأوفياء. وتقدَّر أعداد هذه الفصائل بعشرات الآلاف من المقاتلين، وتمتلك ترسانة متطورة تشمل صواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية الصنع.
وتنضوي هذه الفصائل ضمن ما يسمى بمحور "المقاومة الإسلامية في العراق"، وبعد الحرب الأخيرة بات قادتها الأربعة مطلوبين للإدارة الأمريكية، هم أكرم الكعبي قائد حركة النجباء، وأبو حسين الحميداوي قائد كتائب حزب الله، وأبو آلاء الولائي قائد كتائب سيد الشهداء، وحيدر الغراوي قائد تنظيم أنصار الله الأوفياء.
وللمفارقة، فإن أبو آلاء الولائي، قائد كتائب سيد الشهداء، يشارك في اجتماعات الإطار التنسيقي، الذي يرشح رئيس الوزراء، ويسهم في بتسمية الوزراء الشيعة في الحكومة.
وتختلف هذه الفصائل عن بقية فصائل الحشد بعلاقتها الوطيدة مع إيران والحرس الثوري، وازدادت عملياتها على نحو مطرد منذ هجمات السابع من أكتوبر عام 2023 وصولاً إلى الحرب الأخيرة، فيما لم تشارك الكثير من الفصائل المسلحة الأخرى في أي من هذه الهجمات كمنظمة بدر بقيادة هادي العامري، وعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي وغيرهما الكثير.
صدر الصورة، Getty Images
تجفيف تمويل "الميليشيات"
وكانت شبكة سي إن إن قد نقلت قبل أيام عن مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية قوله إن المصالح الأمريكية في العراق تعرضت لأكثر من 600 هجوم من قبل المليشيات خلال فترة الحرب الأخيرة. وأوضح أن "البداية يجب أن تكون بإخراج الميليشيات من مؤسسات الدولة، ووقف دعمها من الموازنة العراقية، ومنع صرف الرواتب لعناصرها"، معتبراً أن "هذه هي الإجراءات الملموسة التي يمكن أن تمنحنا الثقة بوجود نهج جديد،" على حد تعبيره.
تحقيق هذا المطلب ليس بالأمر اليسير، بالنظر إلى أن هذه الفصائل هي جزء من منظومة سياسية وأمنية متشابكة، ولها تمثيل داخل البرلمان والإطار التنسيقي الشيعي ووجود كبير وفي بعض الأحيان غير معلن، في كافة مفاصل الدولة. كما أنها ترتبط إقليمياً بمحور تقوده إيران، ما يعني أن قرارها ليس عراقياً فقط، بل يتأثر بحسابات إقليمية أوسع، مرتبطة بتطورات العلاقة بين واشنطن وطهران.
ولا يبدو أن الضربات الكبيرة التي وجهتها الولايات المتحدة لمقرات هذه الفصائل، في جرف الصخر جنوب غربي بغداد، أو عند الحدود العراقية السورية، قد أدت إلى إضعاف قدرتها على إطلاق الصواريخ والمسيرات، إذ استمرت على الوتيرة ذاتها حتى إعلان وقف إطلاق النار.
كما لم تتعرض أي من مقار هذه الفصائل لمداهمات من قبل القوات الأمنية العراقية، رغم الاحتجاجات الرسمية المتكررة من قبل دول الجوار، خاصة الكويت التي تتهمها باستهداف أراضيها بعشرات المسيرات، ورغم اعتراف كتائب حزب الله باختطاف الصحفية الأمريكية شيلي كيتلسون خلال الحرب من قلب العاصمة بغداد، وإطلاق سراحها بعد بضعة أيام، فيما قال أبو مجاهد العساف، المسؤول الأمني في حزب الله، آنذاك إنها خطوة تعد "تقديراً للمواقف الوطنية لرئيس الوزراء المنتهية ولايته" في إشارة إلى السوداني.
خيارات صعبة
ضمن كل هذه التشابكات، يجد الزيدي نفسه في مواجهة خيارات محدودة، ولا سيما مع محدودية تجاربه السياسية، فالمواجهة المباشرة يُخشى أن تؤدي إلى صدام مع الفصائل قد ينتج عنه اضطرابات أمنية واسعة. والاحتواء عبر دمج الفصائل أكثر في مؤسسات الدولة وتقليص صلاحياتها قد لا يحقق نتائج فعالة كما تبين خلال فترة حكم السوداني، فضلا عن كونه لن يروق للإدارة الأمريكية.
وتشير مصادر تحدثت إليها بي بي سي في بغداد إلى أن رئيس المجلس الأعلى للقضاء فائق زيدان يقوم بوساطة منذ ما قبل الحرب الأخيرة للتوصل إلى تفاهمات مع قادة فصائل لدمجها في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية وتسليم سلاحها، وأن بعضهم أبدى تجاوباً فيما رفض آخرون الفكرة برمتها.
وفي ضوء التجارب السابقة وتعقيدات الوضع الحالي، يبدو أن الزيدي الذي قدم تشكيلة وزارية غير مكتملة ولا تضم أياً من الوزراء المرتبطين بالفصائل، لن يكون قادراً على حصر السلاح بيد الدولة سريعاً، لكنه قد يتمكن من وضع أسس مسار طويل نحو تقليص نفوذ الفصائل المسلحة، إذا استطاع تحقيق توازن دقيق بين واشنطن وطهران، ولا يُعتقد أن هذا الخيار سيكون متاحاً ما لم يُتوصل أولاً إلى اتفاق شامل بين إيران والولايات المتحدة.
فراس كيلاني، مراسل بي بي سي نيوز الخاص، عمل على تغطية العراق خلال السنوات العشر الأخيرة ميدانيا وسياسيا.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





