الخميس 14 مايو 2026 02:40 مساءً صدر الصورة، Getty Images
اتجهت الأنظار إلى ولاية النيل الأزرق، التي أصبحت أحدث محاور القتال في الحرب الدائرة بالسودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وسط مخاوف من تحول النزاع إلى حرب إقليمية، بعد اتهامات الحكومة السودانية لنظيرتها الإثيوبية بالتورط في النزاع واستخدام أراضيها لشن هجمات داخل السودان.
فما أهمية إقليم النيل الأزرق؟ وهل يمكن أن يتحول النزاع المحلي إلى حرب إقليمية؟ وما هي تأثيرات النزاع في الإقليم على الحرب المستمرة في السودان.
موقع حدودي استراتيجي
يُعد إقليم النيل الأزرق من أهم الأقاليم الاستراتيجية في السودان، ليس فقط بسبب موقعه الحدودي الحساس، بل أيضاً لكونه القلب النابض للطاقة والزراعة في البلاد، فضلاً عن تنوعه السكاني ومقوماته الاقتصادية الكبيرة، وهي عوامل جعلته بؤرة للتنافس ومحاولة فرض السيطرة بين أطراف النزاع المسلح في السودان.
ويقع الإقليم جغرافياً في الجزء الجنوبي الشرقي من السودان، ويمتاز بموقع جيوسياسي فريد، إذ يحده من الشرق والجنوب الشرقي إثيوبيا، ومن الجنوب والغرب دولة جنوب السودان.
كما يقع إلى الجنوب من ولاية سنار، التي تتوسط البلاد، ما يجعله حلقة وصل بين الأجزاء الجنوبية والوسطى من السودان.
وقد زاد هذا الموقع الجغرافي المتداخل مع دول الجوار من المخاوف بشأن تحول النزاع الداخلي إلى حرب إقليمية، في ظل اتهامات الحكومة السودانية لإثيوبيا بالتورط في النزاع، رغم نفي أديس أبابا لذلك.
وعقب الاتهامات التي وجهتها الخرطوم إلى أديس أبابا، قررت الأولى استدعاء سفيرها للتشاور، من دون اتخاذ خطوات تصعيدية إضافية.
ويرى الخبير في شؤون القرن الأفريقي، عبد المنعم أبو إدريس، أن احتمالات تحول النزاع الداخلي إلى حرب إقليمية مباشرة بسبب النيل الأزرق تظل مستبعدة.
وقال لبي بي سي إن السودان لا يرغب في فتح جبهة حرب جديدة مع دولة مجاورة، في ظل الحرب الداخلية التي يخوضها ضد قوات الدعم السريع.
وأضاف أن إثيوبيا بدورها لا تريد أن يتحول إقليم بني شنقول، الواقع جنوب إقليم النيل الأزرق السوداني، إلى منطقة نزاعات، نظراً لوجود سد النهضة فيه، إضافة إلى شركات تعمل في مجالي النفط والذهب.
وأردف قائلاً: "لا أعتقد أن النزاع في إقليم النيل الأزرق سيتحول إلى حرب إقليمية، رغم اتهام الحكومة السودانية لإثيوبيا بالتورط فيه، لأن الطرفين، الخرطوم وأديس أبابا، ليسا في وضع يسمح لهما بالدخول في مواجهة مفتوحة".
وأشار إلى أن "الخرطوم لديها حربها الداخلية، بينما تمتلك أديس أبابا مصالح اقتصادية كبيرة على الحدود السودانية، تشمل شركات تعدين ونفط، وتسعى إلى بقاء المنطقة آمنة".
صدر الصورة، Getty Images
مخاوف بشأن سد الروصيرص
تتزايد كذلك المخاوف من استهداف سد وخزان الروصيرص، الذي يُعد من أهم مشروعات توليد الطاقة الكهربائية وري المشروعات الزراعية الكبرى في السودان، عبر الطائرات المسيّرة التي تُستخدم بكثافة في العمليات العسكرية بالنيل الأزرق.
وقد تعرض عدد من السدود السودانية للاستهداف خلال الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أكثر من ثلاثة أعوام، إذ اتهم الجيش قوات الدعم السريع باستهداف سد مروي شمال البلاد، وخزان سنار وسط السودان.
ويقول الخبير في شؤون المياه والسدود، الدكتور الهجا عبد الرحمن، إن استهداف خزان الروصيرص من شأنه التأثير على توليد الطاقة الكهربائية، فضلاً عن الإضرار بملايين الأفدنة الزراعية في النيل الأزرق وولايات الوسط، التي تعتمد على المياه المنسابة من السد.
ويرى أن استهداف سد الروصيرص ستكون له تداعيات كبيرة على حياة ملايين الأشخاص الذين يعتمدون على الزراعة وصيد الأسماك كمصدر رئيسي للعيش.
وأُقيم السد على مجرى النيل الأزرق، وهو الرافد الذي يمد نهر النيل بنحو 80 في المئة من مياهه، ما يمنح المنطقة أهمية مائية دولية، لا سيما أن النيل الأزرق ينبع من الهضبة الإثيوبية، وأن السد يقع على مسافة تقارب مئة كيلومتر من سد النهضة الإثيوبي المثير للجدل.
أرض الذهب والماء
يطلق كثيرون على إقليم النيل الأزرق لقب "أرض الذهب والماء"، نظراً لما يزخر به من موارد طبيعية ضخمة، إذ يشتهر بوجود احتياطيات كبيرة من الذهب، إلى جانب معادن استراتيجية أخرى مثل الكروم والرخام والمنغنيز.
كما يضم الإقليم مساحات شاسعة من الغابات المدارية التي تنتج الصمغ العربي والأخشاب الصلبة.
وتُقدر المساحات الصالحة للزراعة فيه بأكثر من 4.5 ملايين فدان، لا يُستغل سوى نصفها تقريباً في الوقت الحالي.
تعايش سلمي مهدد بالاستقطابات العسكرية
يتميز الإقليم والذي يسمي أحياناً بإقليم الفونج بتنوع عرقي وقبلي معقد، وطبقاً لتقديرات حديثة، يعيش فيه أكثر من مليون شخص ينتمون إلى إثنيات ذات أصول أفريقية وأخرى عربية، موزعين على سبع محليات هي: الدمازين والروصيرص وقيسان وباو والتضامن والكرمك وود الماحي.
كما توجد قبائل تمتد جذورها وعلاقاتها الاجتماعية عبر الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، إذ تتجاوز هذه القبائل الحدود المشتركة خلال تنقلاتها، خاصة المجموعات الرعوية منها.
ويعمل أكثر من 60 في المئة من سكان الإقليم في الزراعة، بينما يمارس آخرون الرعي وصيد الأسماك.
وظلت المجموعات السكانية المنحدرة من إثنيات مختلفة متعايشة لعقود، رغم أن المنطقة عُرفت باعتبارها إحدى بؤر النزاع المسلح في السودان.
وقد تحولت المنطقة إلى مسرح لحروب طويلة خلال تسعينيات القرن الماضي بين حكومة الرئيس المعزول عمر البشير والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة مالك عقار، التي كانت تسيطر على مساحات واسعة من الإقليم.
وشهد الإقليم هدوءاً نسبياً بعد توقيع اتفاق السلام عام 2020، وتعيين مالك عقار، الذي تعود أصوله إلى المنطقة، نائباً لرئيس مجلس السيادة.
ولم تؤثر تلك الحروب، ولا أعمال العنف ذات الطابع القبلي التي كانت تندلع بين الحين والآخر، على التماسك الاجتماعي بصورة كبيرة.
غير أن هذا التعايش أصبح مهدداً بسبب الاستقطابات العسكرية التي فرضتها الحرب الحالية، وأدت إلى توترات ملحوظة بين المكونات السكانية.
فالحرب في الإقليم لم تعد مقتصرة على الجيش وقوات الدعم السريع، بل انخرطت فيها أيضاً عناصر من الحركة الشعبية، المنحدرة من المنطقة، والتي تحالفت مع قوات الدعم السريع، وبدأت بالفعل خوض عمليات عسكرية ضد الجيش في محاور القتال بالنيل الأزرق.
صدر الصورة، Getty Images
أثر كبير وعميق
ورغم أن العمليات العسكرية بين الأطراف المتقاتلة في النيل الأزرق بدأت متأخرة نسبياً مقارنة ببقية المناطق، فإن تأثيراتها حتى الآن تبدو كبيرة وعميقة.
وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن البنية التحتية، وخاصة الطرق والجسور ومراكز الرعاية الصحية، تضررت بصورة كبيرة، وأصبحت 80 في المئة من هذه المرافق تعمل بأقل من طاقتها أو توقفت تماماً، وسط تزايد ملحوظ في معدلات نزوح السكان الفارين من مناطق القتال إلى مدينة الدمازين، عاصمة الإقليم.
ويبدو أن تأثيرات القتال في النيل الأزرق لا تقتصر على الإقليم وحده، بل تمتد إلى السودان بأكمله، لأن هذه الجبهة الجديدة قد تؤدي إلى إطالة أمد النزاع، الذي دخل عامه الثالث، وتسبب في أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ عالمياً، في ظل تعقيدات المشهد الميداني في النيل الأزرق.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير



