الأحد 29 مارس 2026 12:16 مساءً صدر الصورة، Getty Images
ظلت بعض الحقائق القديمة عن الحروب تطرق باب المكتب البيضاوي خلال الشهر الذي أعقب إرسال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو طائرات حربية أمريكية وإسرائيلية لقصف إيران.
إن الفشل في التعلم من الماضي يعني أن دونالد ترامب يواجه الآن خياراً صعباً، فإذا لم يتمكن من التوصل إلى اتفاق مع إيران، فإما أن يحاول إعلان نصر لن يخدع أحداً، أو أن يصعّد الحرب.
وتعود أقدم هذه الحقائق إلى الاستراتيجي العسكري البروسي هيلموت فون مولتكه الأكبر: "لا توجد خطة تصمد عند أول احتكاك مع العدو"، لقد كتب ذلك عام 1871، وهو العام الذي توحدت فيه ألمانيا كإمبراطورية، وهي لحظة كانت ذات تأثير كبير على أمن أوروبا، كما قد تكون هذه الحرب على أمن الشرق الأوسط.
وربما يفضل ترامب النسخة الحديثة للملاكم مايك تايسون: "الجميع لديه خطة إلى أن يتلقى الضربة"، والأكثر ارتباطًا بترامب هي كلمات أحد أسلافه، دوايت أيزنهاور، الجنرال الأمريكي الذي قاد عملية الإنزال في نورماندي عام 1944 وخدم لاحقاً فترتين كرئيس جمهوري للولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي.
كانت مقولة أيزنهاور: "الخطط لا قيمة لها، لكن التخطيط هو كل شيء" حيث كان يقصد أن الانضباط والمنهجية في وضع خطط خوض الحرب يُتيحان تغيير المسار عند وقوع ما هو غير متوقع.
وبالنسبة لترامب، كان العنصر غير المتوقع هو صمود النظام في إيران، يبدو أنه كان يأمل في تكرار ما قامت به القوات الأمريكية من عملية خاطفة في يناير/ كانون الثاني الماضي عندما تم اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، وهما الآن في السجن في نيويورك ويواجهان المحاكمة، وقد حلّت نائبة مادورو، ديلسي رودريغيز، محله كرئيسة وتتلقى التعليمات من واشنطن.
إن الأمل في تكرار الانتصار على مادورو يشير إلى نقص كبير في فهم الفروق بين فنزويلا وإيران.
صدر الصورة، Getty Images
جاءت مقولة أيزنهاور الشهيرة عن التخطيط المسبق في خطاب ألقاه عام 1957، وكان هو المسؤول عن تخطيط وقيادة أكبر عملية عسكرية برمائية في التاريخ، وهي غزو أوروبا الغربية في يوم النصر، ولذلك كان يعرف تماماً ما يتحدث عنه.
ومضى يشرح أنه عندما تنشأ حالة طارئة غير متوقعة، "فإن أول ما تفعله هو أن تأخذ كل الخطط من على الرف الأعلى وترميها من النافذة وتبدأ من جديد، لكن إذا لم تكن قد خططت من قبل، فلن تستطيع أن تبدأ العمل، على الأقل بشكل ذكي".
وأضاف: "لهذا السبب من المهم جداً التخطيط، وأن تظلوا منغمسين في طبيعة المشكلة التي قد يُطلب منكم يوماً ما حلها، أو المساعدة في حلها".
وبعيداً عن الاستسلام أو الانهيار بعد أن قتلت إسرائيل والولايات المتحدة المرشد الأعلى لإيران آية الله علي خامنئي في أول ضربة جوية من الحرب، لا يزال النظام في طهران يعمل ويردّ، إنه يُحسن استغلال وضعه الضعيف.
وفي المقابل، أعطى ترامب انطباعاً بأنه يتصرف بشكل ارتجالي مع تطور الأحداث، فهو يتبع غرائزه، وليس صفحات الاستخبارات والنصائح الاستراتيجية التي كان رؤساء آخرون يدرسونها بعمق.
نهاية الحرب بالنسبة لترامب
بعد 13 يوماً من الحرب، سُئل ترامب في مقابلة مع إذاعة فوكس نيوز عن موعد انتهاء الحرب، فأجاب بأنه لا يعتقد أن الحرب "ستطول"، أما بشأن إنهائها، فستكون "عندما أشعر بذلك، أشعر به في داخلي".
ويعتمد ترامب على دائرة ضيقة من المستشارين الذين تتمثل مهمتهم في دعم قراراته وتنفيذها، ويبدو أن قول الحقيقة في وجه السلطة ليس ضمن مهامهم، إن الاعتماد على غرائز الرئيس بدلاً من مجموعة خطط مدروسة جيداً، حتى لو كان لا بد من تعديلها أو التخلي عنها يجعل خوض الحرب أكثر صعوبة، كما أن غياب توجيه سياسي واضح يقلل من فاعلية القوة النارية الهائلة للقوات المسلحة الأمريكية.
صدر الصورة، Getty Images
قبل 4 أسابيع، وضع ترامب ونتنياهو ثقتهما في حملة قصف عنيفة لم تقتل المرشد الأعلى فحسب، بل أيضاً أقرب مستشاريه، وقد أسفرت حتى الآن عن مقتل 1464 مدنياً إيرانياً، وفقًا لمنظمة "هرانا"، وهي مجموعة مقرها الولايات المتحدة تراقب انتهاكات حقوق الإنسان في إيران.
وكان الزعيمان يتوقعان نصراً سريعاً، وقد دعا كلاهما الإيرانيين إلى استكمال القصف بانتفاضة شعبية للإطاحة بالنظام.
عناد إيران
لكن النظام في طهران لا يزال قائماً، ولا يزال يقاتل، ويكتشف ترامب الآن سبب عدم استعداد أسلافه للانضمام إلى نتنياهو في حرب اختيارية لتدمير الجمهورية الإسلامية حيث لم ينهض معارضو النظام، فهم يدركون جيداً أن قوات الحكومة قتلت آلاف المتظاهرين في يناير/ كانون الثاني الماضي، وقد تم بث تحذيرات رسمية تُفيد بأن أي شخص يفكر في تكرار الاحتجاجات سيُعامل كعدو للدولة.
إن النظام الإيراني خصم عنيد، لا يلين، ومنظم تنظيماً جيداً، فقد تأسس النظام الإيراني عقب ثورة 1979 التي أطاحت بالشاه، ثم تشكّل في خضمّ ويلات الحرب العراقية التي دامت 8 سنوات، ويقوم النظام على المؤسسات لا الأفراد، ويستمد قوته من معتقدات دينية راسخة وأيديولوجية الاستشهاد، وهذا يعني أن اغتيال القادة، وإن كان صادماً ومزعزعاً للاستقرار، لا يُعدّ حكماً بالإعدام على النظام، فبعد عمليات القتل التي وقعت في يناير/كانون الثاني الماضي، سيعتبر النظام مقتل المزيد من الإيرانيين، سواء على أيدي قواته أو بقصف أمريكي وإسرائيلي، ثمناً مقبولاً للبقاء.
صدر الصورة، Getty Images
ولم يكن النظام الإيراني ليُضاهي القوة النارية للولايات المتحدة وإسرائيل، لكنه، على غرار مولتكه وتايسون وأيزنهاور، كان يُخطط حيث وسع نطاق الحرب، فهاجم جيرانه العرب في الخليج، بالإضافة إلى القواعد الأمريكية على أراضيهم وإسرائيل، مُوزعاً الخسائر على أوسع نطاق ممكن.
وأدى إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز، المدخل الضيق للخليج، إلى قطع نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، وأحدث اضطراباً في الأسواق المالية العالمية.

لقد أنفقت إيران سنوات ومليارات الدولارات لبناء شبكة من الحلفاء والوكلاء أطلقت عليها اسم "محور المقاومة"، والتي شملت حزب الله في لبنان وحركة حماس في غزة والضفة الغربية، بهدف تهديد إسرائيل وردعها. وقد وجهت إسرائيل ضربات قوية وفعالة لهذه الشبكة منذ اندلاع حرب غزة عقب هجمات حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2023.
لكن إيران تُظهر الآن أن ميزة جغرافية، وهي مضيق هرمز الضيق، يمكن أن تكون وسيلة ردع وتهديد أكثر فاعلية من نظام تحالفاتها العسكرية المكلف للغاية، إذ يمكن لإيران فرض سيطرتها على المضيق باستخدام طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة يمكن إطلاقها من على بعد مئات الكيلومترات داخل أراضيها الجبلية.
فالحلفاء يمكن أن يُقتلوا، أما الجغرافيا فتبقى كما هي، ومن دون السيطرة واحتلال المنحدرات على جانبي المضيق، والمساحات الواسعة من الأراضي الإيرانية خلفها، تكتشف الولايات المتحدة وإسرائيل، والعالم بأسره، أن النظام الإيراني سيطالب بدور كبير في إعادة فتح مضيق هرمز.
وكما أشار نائب القائد السابق لحلف الناتو، الجنرال السير ريتشارد شيريف، في برنامج "توداي" على إذاعة بي بي سي 4، فإن أي محاكاة عسكرية تتناول عواقب الهجوم على إيران كانت ستُظهر أن الحرس الثوري الإيراني سيغلق مضيق هرمز.
وهذا يعيدنا إلى أهمية التخطيط لكيفية بدء الحرب، وكيفية إنهائها، وكيفية التعامل مع اليوم التالي، ويبدو أن دونالد ترامب ودائرته الضيقة، وقد أغرتهم فكرة نصر سريع وسهل، قد تجاوزوا هذه الخطوات.
ويشمل "محور المقاومة" أيضاً الحوثيين في اليمن، ففي يوم الجمعة الماضي، أطلقوا وابلًا من الصواريخ على إسرائيل للمرة الأولى منذ بدء هذه الحرب التي انطلقت بضربات جوية على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي، وإذا استأنف الحوثيون هجماتهم على الملاحة في البحر الأحمر، فإن السعودية ستفقد طريقها البحري الغربي لتصدير النفط إلى آسيا.
ويحتوي البحر الأحمر على نقطة اختناق خاصة به، وهي مضيق باب المندب، الذي لا يقل أهمية للتجارة العالمية عن مضيق هرمز، وإذا قرر الحوثيون التصعيد بمهاجمة السفن في باب المندب ومناطق أبعد جنوباً، كما فعلوا خلال حرب غزة، فإنهم سيقطعون الطريق البحري بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.
وهذا من شأنه أن يخلق أزمة اقتصادية عالمية أشد سوءًا.
وضوح نتنياهو
وعلى عكس ترامب، كان نتنياهو يفكر ملياً في هذه الحرب منذ أن بدأ مسيرته السياسية التي جعلته أطول رؤساء وزراء إسرائيل بقاءً في منصبه، ففي اليوم الأول من الحرب ضد إيران، سجّل نتنياهو بياناً مصوراً على سطح مبنى في تل أبيب يُعرف باسم "الكيريا"، والذي يضم مقر القيادة العسكرية الإسرائيلية، وقد تحدث بوضوح عن أهداف إسرائيل من الحرب، وهو وضوح افتقده ترامب.
ولا ينبغي أن يكون ذلك مفاجئاً، فخوض الحرب مع إيران أسهل بالنسبة لإسرائيل منه للولايات المتحدة حيث تختلف اهتمامات قوة إقليمية عن التحديات العالمية الأوسع التي تواجهها الولايات المتحدة.
صدر الصورة، Getty Images
ويؤمن نتنياهو بأنه يستطيع ضمان أمن إسرائيل في المستقبل من خلال إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالجمهورية الإسلامية، وقال في الفيديو إن الحرب "لضمان وجودنا ومستقبلنا"، وقد اعتبر نتنياهو إيران دائماً أخطر أعداء إسرائيل، ويقول منتقدوه إن هذا التركيز كان أحد أسباب فشل إسرائيل في اكتشاف ومنع هجمات حماس التي انطلقت من غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2023.
وقد شكر نتنياهو الجيش الأمريكي وترامب على "مساعدتهما"، ثم انتقل إلى النقطة التي تمثل جوهر القضية بالنسبة له.
وقال: "هذا التحالف من القوى يتيح لنا أن نفعل ما كنت أتوق إلى فعله منذ 40 عاماً، وهو توجيه ضربة قاصمة للنظام الإرهابي، هذا ما وعدت به، وهذا ما سنفعله".
وكان نتنياهو والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية قد درسوا، في أوقات مختلفة خلال سنوات حكمه الطويلة، سبل خوض حرب مع إيران وتدمير منشآتها النووية وصواريخها الباليستية وكل ما يجعلها تهديداً لهم، وكان الاستنتاج السائد في إسرائيل دائماً هو أنه على الرغم من قدرتهم على إلحاق ضرر جسيم بإيران، إلا أن ذلك لن يكون سوى انتكاسة للنظام، وأصبح من المسلّم به أن السبيل الوحيد لتحطيم القدرات العسكرية الإيرانية لجيل أو أكثر هو التحالف مع الولايات المتحدة.
صدر الصورة، Getty Images
لكن ذلك كان يتطلب وجود رئيس في البيت الأبيض مستعد لخوض الحرب إلى جانب إسرائيل، وهو أمر لم يحدث من قبل رغم العلاقة الوثيقة بين البلدين واعتماد إسرائيل على الدعم العسكري والدبلوماسي الأمريكي، ولم يتمكن نتنياهو من إقناع أي رئيس أمريكي بأن من مصلحة الولايات المتحدة خوض حرب مع إيران إلى أن جاءت الولاية الثانية لدونالد ترامب.
ورغم العلاقة العدائية والمتوترة بين الولايات المتحدة وإيران منذ الإطاحة بالشاه، الحليف القوي لواشنطن، عام 1979، فإن الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين اعتبروا أن أفضل وسيلة للتعامل مع الجمهورية الإسلامية هي احتواؤها، وخلال احتلال الولايات المتحدة للعراق، لم تدخل في حرب مع إيران حتى عندما كانت طهران تجهّز وتدرّب ميليشيات عراقية كانت تقتل الجنود الأمريكيين، وقد قدّروا أن المبرر الوحيد للحرب سيكون وجود تهديد وشيك، خصوصاً معلومات تشير إلى أن إيران باتت قريبة من امتلاك سلاح نووي.
وقد أدرج ترامب التهديد النووي ضمن قائمته المتنامية من الأسباب لخوض الحرب، لكن لا توجد أدلة موثوقة على أن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي أو وسائل لإيصاله، وحتى البيت الأبيض لا يزال يحتفظ ببيان على موقعه، بتاريخ 25 يونيو/ حزيران من عام 2025، بعنوان: "تم تدمير المنشآت النووية الإيرانية بالكامل، وأي ادعاءات بخلاف ذلك هي أخبار زائفة".
ويكتشف ترامب الآن سبب اعتبار أسلافه أن مخاطر اختيار الحرب ستكون كبيرة جداً.
حرب غير متكافئة
تبدو هذه الحرب وكأنها تتحول إلى مثال كلاسيكي على كيفية قتال قوة أصغر وأضعف لعدو أكبر وأقوى، وهو النوع من الصراعات الذي يسميه الاستراتيجيون "الحرب غير المتكافئة"، وما زال الوقت مبكراً، بعد شهر واحد فقط، لمقارنتها بحروب أخرى كانت الولايات المتحدة تبدو فيها منتصرة على الورق من حيث عدد الأعداء الذين قُتلوا أو عدد الغارات الجوية المنفذة، كما في فيتنام والعراق وأفغانستان، لكن من المهم التذكير بأن هذه الحروب انتهت، بعد سنوات من الدماء والقتل، بطرق اعتُبرت في النهاية هزائم للولايات المتحدة.
وقد تحدد القرارات المقبلة لكل من ترامب ونتنياهو ما إذا كانت الحرب في إيران ستتحول إلى خطأ استراتيجي كبير آخر للولايات المتحدة، فقد أرجأ ترامب مرتين تهديده بتدمير شبكة الكهرباء في إيران، وهو ما قد يُعد، بحسب وصفه، جريمة حرب، ويقول إن السبب هو أن إيران تسعى بشدة إلى إبرام اتفاق لإنهاء الحرب، بعد أن تلقت ضربات قاسية من حيث الخسائر والأضرار التي ألحقتها بها الولايات المتحدة بالفعل، وخوفها من المزيد.
وتجري اتصالات بين الجانبين، بوساطة باكستان وأطراف أخرى، لكن الإيرانيين ينفون تأكيد ترامب بأن هذه المفاوضات وصلت إلى مستوى مفاوضات شاملة.
ولم يُنشر نص رسمي لخطة السلام التي طرحها الرئيس والمكونة من 15 نقطة، لكن نسخاً مسربة تُظهر وثيقة تجمع كل المطالب التي قدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل لإيران على مدى سنوات، وهي أقرب إلى شروط استسلام منها إلى أساس للتفاوض، وردّت إيران بمطالبها الخاصة، غير المقبولة بدورها من الجانب الآخر، بما في ذلك الاعتراف بسيطرتها على مضيق هرمز، وتعويضات عن أضرار الحرب، وإزالة القواعد الأمريكية من الشرق الأوسط.
صدر الصورة، Getty Images
وما لم يتمكن الطرفان من تحقيق قفزة نوعية نحو أرضية مشتركة غير مسبوقة من التوافق، فمن الصعب تصور التوصل إلى اتفاق، وهذا ليس مستحيلاً فالنظام الإيراني لديه تاريخ في التفاوض، وقد دعمت مصادر دبلوماسية عربية تقارير أخرى، إذ أخبرتني أن إيران كانت تعرض مساراً نحو اتفاق بشأن برنامجها النووي عندما تخلت الولايات المتحدة فجأة عن المسار الدبلوماسي وذهبت إلى الحرب في 28 فبراير/ شباط الماضي، وقال لي أحد المصادر: "كما تعلم، كان الإيرانيون يعرضون كل شيء"، قد يبدو هذا تبسيطاً مفرطاً، وتنفي الولايات المتحدة إحراز تقدم، لكن المؤشرات تدل على أنه كان هناك مجال لمزيد من الدبلوماسية عندما أرسلت الولايات المتحدة وإسرائيل القاذفات.
وتقف الحرب عند نقطة حرجة، فإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بين الأمريكيين والإيرانيين، فلن يكون أمام ترامب سوى خيارات محدودة حيث يمكنه إعلان النصر، مدعياً أن الولايات المتحدة دمرت القدرات العسكرية لإيران، وبالتالي فقد أُنجزت المهمة، وأن فتح مضيق هرمز ليس من مسؤوليته، وقد يؤدي ذلك إلى انهيار في الأسواق المالية العالمية وإثارة قلق حلفائه المتذمرين أصلاً في أوروبا وآسيا والخليج، كما سيجد النظام الإيراني الجريح والغاضب مجالاً واسعاً لممارسة المزيد من الضغط على الاقتصاد العالمي.
والأرجح أن يقرر ترامب تصعيد الحرب إذ يوجد أكثر من 4 آلاف من مشاة البحرية الأمريكية على متن سفن متجهة إلى الخليج، كما أن قوات المظليين من الفرقة 82 المحمولة جواً في حالة تأهب، وتُناقش خطط لإرسال تعزيزات إضافية.
ولا يتحدث أحد عن غزو شامل لإيران، لكن من الممكن أن يحاول الأمريكيون السيطرة على جزر في الخليج، بما في ذلك جزيرة خرج، وهي المحطة النفطية الرئيسية لإيران، وسيشمل ذلك سلسلة من عمليات الإنزال البرمائي المعقدة والخطيرة، وقد يصب ذلك في مصلحة إيران، التي تسعى إلى جرّ الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف طويلة، وتعتقد إيران أن قدرة نظامها على تحمل الألم أكبر من قدرة ترامب.
صدر الصورة، Getty Images
لقد أدرك ترامب في إيران أنه يواجه حدود قوته، فالنظام الإيراني لديه تعريف مختلف للنصر والهزيمة، إذ يعتبر البقاء على قيد الحياة نصراً بحد ذاته.
لكنهم الآن يطمحون إلى أكثر من ذلك، إذ يعتقدون أن السيطرة على مضيق هرمز تمنحهم نفوذاً جديداً لفرض مطالب، وربما لتحقيق مكاسب استراتيجية، وقد طالب الإيرانيون، من بين أمور أخرى، بضمان بعدم التعرض لهم مستقبلاً، والاعتراف بسيطرتهم على مضيق هرمز كشرط لفتحه أمام حركة الملاحة.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت يوم الأربعاء الماضي إن "الرئيس ترامب لا يماطل، وهو مستعد لإطلاق العنان للجحيم، وعلى إيران ألا تُخطئ في التقدير مرة أخرى".
وأضافت: "إذا فشلت إيران في قبول واقع اللحظة الراهنة، وإذا لم تدرك أنها قد هُزمت عسكرياً، وستستمر في ذلك، فإن الرئيس ترامب سيضمن توجيه ضربات لها أقسى مما تعرضت له من قبل".
غير أن الهزيمة في الحرب ليست خياراً، فلو كانت إيران قد تعرضت لهزيمة قاسية كما يقول ترامب وفريقه، لكان النظام في طهران قد انهار بالفعل، ولما كان ترامب بحاجة إلى تهديدهم لإجبارهم على قبول مصيرهم.
ويمكن للولايات المتحدة وإسرائيل إلحاق مزيد من الدمار وقتل عدد أكبر بكثير من الأشخاص في إيران. وفي لبنان، تواصل إسرائيل هجومها على حزب الله، الحليف الرئيسي لإيران.
صدر الصورة، Getty Images
وفي غياب وقف لإطلاق النار، يحسبون أنهم قادرون على تصعيد مستوى القوة حتى لا يكون أمام الإيرانيين خيار سوى الاستسلام.
لكن ذلك ليس مؤكداً على الإطلاق.
فكلما طالت الحرب، تفاقمت عواقبها على المنطقة والعالم أجمع، وقد أخبرني علي واعظ، المحلل البارز للشأن الإيراني في مجموعة الأزمات الدولية، بأنها قد تكون "كارثية".
وفي عام 1956، خاضت المملكة المتحدة وفرنسا الحرب إلى جانب إسرائيل بعد أن قام الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس، وهو ممر مائي عالمي كان يمثل نقطة اختناق للاقتصاد العالمي لا تقل أهمية عن مضيق هرمز اليوم، وقد حققوا جميع أهدافهم العسكرية، لكنهم أُجبروا على الانسحاب بضغط من الرئيس الأمريكي أيزنهاور.
وبالنسبة لبريطانيا، كانت تلك بداية نهاية هيمنتها الإمبراطورية على الشرق الأوسط.
وتواجه الولايات المتحدة صعود الصين، وعندما يُكتب تاريخ المنافسة بينهما على لقب أقوى قوة في العالم، قد تُعتبر حرب ترامب غير المخطط لها جيداً ضد إيران نقطة تحول، أو محطة في مسار التراجع، كما كانت أزمة السويس بالنسبة للمملكة المتحدة.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





