الأربعاء 11 مارس 2026 12:40 مساءً صدر الصورة، Getty Images
مع اتساع موجة النزوح في لبنان جراء التصعيد العسكري الأخير، وجد آلاف الأشخاص أنفسهم من دون مأوى أو دعم كافٍ في الأيام الأولى لنزوحهم.
وفي ظل محدودية قدرة مؤسسات الدولة على الاستجابة السريعة لحجم الأزمة، برزت مبادرات فردية يقودها متطوعون لتقديم مساعدات عاجلة للنازحين، من الطعام والمياه إلى الملابس والاحتياجات الأساسية. في هذا التقرير، تتحدث بي بي سي عربي إلى عدد من هؤلاء المتطوعين
لم يتردد الشاب العشريني خليل جبيلي عندما رأى آلاف السيارات عالقة في ازدحام خانق على طريق صيدا المؤدي إلى بيروت، مع موجة النزوح القادمة من الجنوب.
اصطفت السيارات في طابور طويل على الطريق الساحلي بين صيدا وبيروت الأسبوع الماضي، بعدما غادرت عائلات من جنوب لبنان منازلها ليلاً مع تصاعد القصف الإسرائيلي وإنذارات بإخلاء عدد من القرى.
سارع خليل لشراء المناقيش وزجاجات المياه وبدأ توزيعها على العائلات التي خرجت على عجل من دون أن تتمكن حتى من التفكير في الطعام الذي قد تحتاجه لاحقاً.
وصل بعض النازحين إلى بيروت بعد يوم كامل من التنقل، فيما فضل آخرون التوقف في صيدا، بوابة الجنوب الساحلية، على أمل ألا يبتعدوا كثيراً عن منازلهم وأن يتمكنوا من العودة سريعاً إذا هدأت الأوضاع.
وتأتي هذه المشاهد مع موجة نزوح واسعة من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، عقب تحذيرات أصدرها الجيش الإسرائيلي لإخلاء مناطق واسعة مع تصاعد العمليات العسكرية.
وتقول وزارة الشؤون الاجتماعية إن عدد النازحين المسجلين رسمياً تجاوز 780 ألف شخص حتى صباح الأربعاء.
وجاء التصعيد في لبنان بالتزامن مع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران، ومع دخول حزب الله المواجهة عبر قصف مواقع داخل إسرائيل بعد مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في أواخر فبراير/شباط الماضي.
في بيروت وصيدا، يفترش بعض النازحين الطرقات أو ينامون داخل سياراتهم، بينهم مسنون وعائلات مع أطفال، في ظل أزمة سكن حادة وارتفاع كبير في بدلات الإيجار، ما جعل العثور على مأوى أمراً بالغ الصعوبة لكثيرين.
يقول جبيلي لبي بي سي عربي إنه شارك في توزيع مساعدات خلال الحرب عام 2024، لكن ما رآه هذه المرة كان مختلفاً.
ويضيف: "هذه أول مرة أرى هذا القدر من الأشخاص يفترشون الطرقات في صيدا".
وبحسب مشاهداته، لم يعد هناك مكان في مراكز الإيواء المكتظة في المدينة. ويقول إن أحد المراكز التي زارها يمكن أن يستوعب عادة نحو 200 شخص، لكنه يضم الآن نحو 600، يفترش بعضهم الباحة وينامون في خيام صغيرة.
"فضلوا الموت في بيوتهم"
صدر الصورة، Getty Images
مع اشتداد موجة النزوح، ارتفعت بدلات الإيجار بشكل كبير. فقد يصل إيجار شقة بسيطة إلى نحو ألفي دولار شهرياً، فيما يطلب بعض المالكين دفع أربعة أشهر مقدماً، وهو مبلغ يصعب على كثيرين تحمله في بلد يعاني أزمة اقتصادية منذ عام 2019.
وسط هذا الواقع، يحاول جبيلي التركيز في المساعدات على احتياجات أساسية كثيراً ما تنسى في حالات الطوارئ، مثل "مثل الثياب وثياب الأطفال والملابس الداخلية، إضافة إلى الأغطية والأدوية والفوط الصحية النسائية والحليب".
وساعد الشاب حتى الآن في تأمين فرش لنحو 18 عائلة كانت تفترش الطرق في صيدا.
لكن أكثر ما أثر فيه، كما يقول، كان معرفة أن بعض الأشخاص عادوا إلى منازلهم في مناطق مهددة في جنوب لبنان.
ويضيف: "لم يستطيعوا تأمين أي شقة للإيجار بسعر معقول، فعادوا إلى بيوتهم وهم يقولون إنهم يريدون الموت بكرامة".
"لا أريد شيئاً سوى أدويتي"
صدر الصورة، Getty Images
في بيروت أيضاً تتكرر المشاهد نفسها.
تقول كريستال الحايك، وهي متطوعة تساعد النازحين بمبادرة شخصية، إن أقسى لحظة مرت بها كانت عندما التقت رجلاً في عمر والدها يفترش جانب الطريق قرب سيارته.
وتقول لبي بي سي عربي: "سألته إن كان يريد ماء أو طعاماً، فقال إنه لا يحتاج شيئاً سوى أدويته".
وعدته كريستال بالعودة. وبعد ساعات من توزيع المساعدات تمكنت من تأمين ثلاثة من أدويته، فيما كان الرابع مفقوداً من السوق.
اشترت ما يكفيه لشهرين وعادت إليه ليلاً.
وتقول: "ناديت باسمه، فناداني باسمي متفاجئاً بأنني عدت فعلاً. ارتاح كثيراً عندما رأى الأدوية وكرر أن هذا كل ما يحتاج إليه".
لكن الرجل أعاد لها معظم ما في كيس المساعدات، مثل الخبز والحلاوة الطحينية والفوط الصحية، قائلاً إنه مصاب بالسكري ولا يستطيع تناولها، وطلب منها إعطاءها لشخص آخر.
تقول كريستال إن تلك اللحظة كانت الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.
وتضيف: "بكيت أمامه… كان في عمر والدي تقريباً". وترجح أن الرجل لم يتمكن من العثور على منزل في ظل بدلات الإيجار المرتفعة.
وتوضح أن ما دفعها إلى إطلاق مبادرتها هو شعورها بالعجز خلال حرب 2024.
وتقول:"عندما تصاعدت الأحداث مجدداً قبل أسبوعين شعرت بصدمة. لم أرد أن نعيش كل ذلك مرة أخرى".
وتحتوي أكياس المساعدات التي توزعها على مواد أساسية لا تحتاج إلى تبريد، مثل المعلبات والتمر والمياه والخبز والتفاح والمسكنات والمناديل والفوط الصحية والحلاوة الطحينية.
كما تضع للأطفال قطع المعجون الملون للعب، في محاولة بسيطة لإدخال بعض الفرح إلى قلوبهم.
"لا عزاء إلا عندما يعودون إلى بيوتهم"
صدر الصورة، Getty Images
في المتن شرق بيروت، أطلق خليل مسن، وهو مدرب رياضي شخصي، مبادرة مشابهة لمساعدة النازحين.
وهذه هي المرة الثانية التي يقوم فيها بذلك، بعدما أطلق مبادرة مماثلة خلال حرب 2024 شملت ثماني مدارس كانت تستضيف نازحين.
أما مبادرته الحالية فتقدم المساعدة لنحو 175 عائلة موزعة على مدرستين في المنطقة.
يقول مسن: "لا يمكنك أن ترى إخوانك وأخواتك نازحين من بيوتهم وتقف مكتوف الأيدي".
وتعتمد المبادرة على التبرعات التي يجمعها عبر حسابه على إنستغرام، الذي يتابعه أكثر من 15 ألف شخص.
وتشمل المساعدات الطعام والمياه والملابس وألعاب الأطفال.
ويقول: "إذا استمرت الحرب لفترة أطول، سنوفر أيضاً الأدوية وكل ما يحتاجونه".
ويشير إلى أن جزءاً كبيراً من التبرعات يأتي من خارج لبنان، لأن كثيراً من اللبنانيين أنفسهم أصبحوا نازحين أو متضررين.
ويقول إن أصعب لحظة مر بها كانت رؤية أشخاص تعرّف إليهم خلال مبادرة عام 2024 وهم يغادرون منازلهم مرة أخرى.
ويضيف: كثيرون فقدوا منازلهم بالكامل هذه المرة. الأمر مفجع". ويختم بالقول: لا عزاء إلا عندما تنتهي الحرب ويعود هؤلاء النازحون إلى بيوتهم ويعيدوا بناءها".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير


