الأربعاء 4 مارس 2026 02:42 مساءً صدر الصورة، Reuters
لم يمض وقت طويل على اندلاع هذه الحرب الجديدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
وقد أصبحت بالفعل حرباً إقليمية بعد قرار إيران مهاجمة دول عربية حليفة لواشنطن وتقع على الضفة الأخرى من الخليج قبالة أراضيها. كما تخلت المملكة المتحدة عن موقفها الرافض وسمحت للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية.
ولا تزال الحرب تتصاعد، فيما تتوالى تنبيهات الأخبار العاجلة على هاتفي. فقد قرأت للتو بياناً صحفياً صادراً عن القيادة المركزية الأمريكية يفيد بأن ثلاث طائرات مقاتلة أمريكية من طراز F-15E سترايك إيغل أُسقطت بواسطة الدفاعات الجوية الكويتية في ما وصف بأنه "حادث نيران صديقة".
وبحلول الوقت الذي أنتهي فيه من كتابة هذا المقال، ستكون صواريخ أخرى قد أُطلقت، وعلى الأرجح سيكون أشخاص كانوا أحياء الآن قد قتلوا.
ولا يزال من المبكر جداً معرفة متى أو كيف ستنتهي هذه الحرب. يصعب السيطرة على الحروب، بمجرد اندلاعها، ولكن هذه بعض السيناريوهات التي قد يرغب المتحاربون في أن تنتهي إليها.
تعريف ترامب للنصر
صدر الصورة، Getty Images
أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كعادته، ثقة كبيرة في القوة الأمريكية منذ أعلن اندلاع الحرب في رسالة مصوّرة سجلها من مقر إقامته في مار-آ-لاغو في فلوريدا. وربما كان رؤساء آخرون سيختارون توجيه خطاب رسمي من المكتب البيضاوي في البيت الأبيض.
كان ترامب يرتدي قميصاً مفتوح الياقة وقبعة بيسبول بيضاء منخفضة فوق عينيه. واستعرض سلسلة طويلة من الاتهامات، مجادلاً بأن إيران تشكل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
يمكن لترامب أن يغيّر رأيه دائماً، لكن خطابه قدّم تعريفاً لما يعتبره نصراً، وهو تعريف أشبه بلائحة شروط.
وقال: "سندمّر صواريخهم ونسوّي صناعتهم الصاروخية بالأرض. سيتم محوها بالكامل مرة أخرى. سنقضي على قواتهم البحرية. وسنضمن ألا تعود الأذرع الإرهابية في المنطقة قادرة على زعزعة استقرار المنطقة أو العالم، أو مهاجمة قواتنا، وألا تعود قادرة على استخدام العبوات الناسفة أو القنابل المزروعة على جوانب الطرق، كما تُسمّى أحياناً، التي تسببت في إصابة وقتل الآلاف والآلاف بجروح بالغة، بينهم كثير من الأمريكيين."
وزعم ترامب أن إيران تطوّر صواريخ يمكن أن تصل إلى الولايات المتحدة، وهو ادعاء لا تدعمه تقييمات أجهزة الاستخبارات الأمريكية. كما قال إن إيران كانت قريبة من تطوير سلاح نووي، وهو ما يتناقض مع تصريحه الصيف الماضي بأن الولايات المتحدة "دمّرت بالكامل" المواقع النووية الإيرانية.
يعتقد ترامب أن الولايات المتحدة، بالتعاون مع إسرائيل، تستطيع شلّ النظام في طهران.
وإذا لم تستسلم إيران، فإنه يرى أن الضربات قد تكون مدمّرة إلى حد يمنح الشعب الإيراني أفضل فرصة له منذ أجيال للنزول إلى الشوارع والاستيلاء على السلطة.
وقال: "عندما ننتهي، استولوا على حكومتكم. ستكون لكم لتأخذوها. ربما تكون هذه فرصتكم الوحيدة منذ أجيال. لسنوات طويلة طلبتم مساعدة أمريكا، لكنكم لم تحصلوا عليها أبداً. لم يكن أي رئيس مستعداً لفعل ما أنا مستعد لفعله الليلة. الآن لديكم رئيس يمنحكم ما تريدون، فلنرَ كيف ستكون استجابتكم."
إن نقل مسؤولية تغيير النظام إلى الشعب الإيراني، حتى مع تشجيعهم مباشرة على التحرك، يمنح ترامب مخرجاً محتملاً لاحقاً إذا ما بقي النظام في السلطة.
لكن يمكن النظر إلى ذلك أيضاً باعتباره مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق الولايات المتحدة لإتمام الأمر حتى النهاية، رغم أن السؤال يبقى مفتوحاً حول مدى تأثير ذلك على رئيس يؤمن بأن هناك دائماً صفقة يمكن عقدها.
ولا توجد سابقة لتغيير نظام أو كسب حرب ضد خصم مدجج بالسلاح اعتماداً على القوة الجوية وحدها.
ففي عام 2003 أرسلت الولايات المتحدة وحلفاؤها، بمن فيهم بريطانيا، قوات برية كبيرة إلى العراق لإطاحة صدام حسين.
وفي عام 2011 أطيح بالعقيد معمر القذافي في ليبيا على يد قوات متمردة تسلّحت بدعم من حلف شمال الأطلسي ودول خليجية، وكانت محمية بغطاء جوي. ويأمل ترامب أن يتمكن الشعب الإيراني من إنجاز المهمة بنفسه.
خطة ترامب مقامرة كبرى، فاحتمالات أن يؤدي القصف الجوي وحده إلى تغيير النظام تبدو ضئيلة.
هل يمكن أن يحدث انقلاب داخلي موالٍ للغرب؟ ليس مستحيلاً، لكنه يبدو مستبعداً للغاية إذا ما نُظر إلى الوضع في اليوم الثالث من الحرب.
والأرجح أن الرجال الذين يديرون النظام حالياً سيتحصنون، ويطلقون مزيداً من الصواريخ، مدفوعين بالأيديولوجيا وبقناعة أنهم قادرون على تحمّل قدر أكبر من الألم مما تستطيع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو دول الخليج العربية تحمّله.
وسيقع الجزء الأكبر من هذا الألم على عاتق الشعب الإيراني الذي يعاني منذ زمن طويل، لكنه لا يملك رأياً في هذا الأمر.
حسابات نتنياهو
صدر الصورة، GPO HANDOUT/EPA/Shutterstock
مثل دونالد ترامب، أدلى بنيامين نتنياهو أيضاً بتصريحات شجّع فيها الإيرانيين على تولّي زمام الأمور بأنفسهم. لكن إذا لم يتمكنوا من التغلب على الأجهزة الأمنية الصارمة التابعة للنظام، فإن أولوية نتنياهو تبقى تحطيم القدرات العسكرية لإيران ومنعها من إعادة بناء ميليشيات في أنحاء المنطقة يمكن أن تشكل تهديداً لإسرائيل.
ولعقود، اعتبر بنيامين نتنياهو إيران أخطر أعداء إسرائيل. وهو يعتقد أن قادة الجمهورية الإسلامية يسعون إلى امتلاك سلاح نووي بهدف تدمير الدولة اليهودية.
وفي يوم الأحد، وهو اليوم الثاني للحرب، وقف على سطح مبنى في تل أبيب - ربما مقر وزارة الدفاع في قلب المدينة - وتحدث عن الكيفية التي يرى بها نهاية هذه الحرب.
وقال إن إسرائيل والولايات المتحدة معاً ستكونان قادرتين على "تحقيق ما كنت آمل في إنجازه منذ 40 عاماً: سحق نظام الإرهاب بالكامل".
وأضاف أن هذا وعد سيحرص على تحويله إلى واقع.
وللحروب دائماً بعد سياسي داخلي. فمثل ترامب، يواجه نتنياهو انتخابات في وقت لاحق من هذا العام. لكن، على عكس ترامب، فإن منصبه نفسه على المحك.
ويلقي كثير من الإسرائيليين باللوم على نتنياهو في الإخفاقات الأمنية التي أتاحت لحركة حماس فرصة شن هجوم في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وقد يخطو خطوة كبيرة نحو استعادة ثقة الناخبين إذا تمكن من القول إنه قاد إسرائيل إلى نصر حاسم على إيران، بل ربما يصبح حينها خصماً انتخابياً يصعب هزيمته.
صدر الصورة، US Navy via Getty Images
النصر عبر البقاء
شكّل مقتل المرشد الأعلى وكبار مستشاريه العسكريين ضربة قاصمة للنظام، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه سينهار.
فقد صمّم آية الله روح الله الخميني ومؤسسو الجمهورية الإسلامية الآخرون، قبل نحو خمسين عاماً، مؤسسات النظام بحيث تصمد في وجه الحروب والاغتيالات؛ فهو ليس نظاماً قائماً على شخص واحد. وكانت الدولتان السورية والليبية في عهد الأسد والقذافي مبنيتين حول العائلة الحاكمة. وعندما أُزيحت تلك العائلات - إذ قتل القذافي وفرّ بشار الأسد - انهارت الأنظمة.
أما نظام إيران فهو نظام دولة يستند إلى شبكة معقدة وكثيفة من المؤسسات السياسية والدينية ذات الصلاحيات المتداخلة، وقد صمّم ليصمد في وجه الحروب والاغتيالات.
ولا يعني ذلك أنه سيبقى حتماً. فالنظام في الجمهورية الإسلامية يواجه الآن أقسى اختباراته، لكنه كان قد استعد لهذه اللحظة.
يعرّف النظام النصر بأنه البقاء. ولتحقيق ذلك، يحيط نفسه بدرجة كبيرة من الحماية.
فهو يمتلك جهازاً قوياً وقاسياً من الأمن والقمع والإكراه. وفي يناير/كانون الثاني، خرجت قواته إلى الشوارع بأوامر لإطلاق النار على آلاف المتظاهرين. وحتى الآن - وكما أشرت مراراً، إذ إننا في اليوم الثالث فقط من الحرب أثناء كتابة هذه السطور - لا توجد مؤشرات على تفكك قوات النظام المسلحة، كما حدث مع قوات الأسد بعد فراره إلى موسكو في ديسمبر/كانون الأول 2024.
صدر الصورة، Anadolu via Getty Images
إلى جانب القوات المسلحة التقليدية وقوات الشرطة المدججة بالسلاح، يوجد الحرس الثوري الإيراني، الذي يتمتع بتفويض صريح لحماية النظام في الداخل والخارج. وقد أُنشئ ليكون القوة التي تسند مبدأ "ولاية الفقيه"، وهو المبدأ الأساسي للثورة الإسلامية في إيران الذي يبرر حكم رجال الدين الشيعة.
ويُعتقد أن عدد أفراد الحرس الثوري يبلغ نحو 190 ألف عنصر في الخدمة الفعلية، إضافة إلى ما يصل إلى 600 ألف من قوات الاحتياط. وإلى جانب الدافع العقائدي، يدير الحرس الثوري أيضاً أجزاء واسعة من الاقتصاد، ما يمنح قادته أسباباً مالية فضلاً عن الأيديولوجية للبقاء موالين للنظام.
ويدعم الحرس الثوري أيضاً قوات الباسيج، وهي قوة شبه عسكرية تطوعية يُقدَّر عدد أفرادها بنحو 450 ألف عنصر، وتُعرف بولائها للنظام وبممارساتها العنيفة.
وقد رأيت عناصرها في طهران خلال الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات المتنازع عليها عام 2009، حين كانوا يشكلون خط الدفاع الأول للنظام، يهددون المتظاهرين ويضربونهم في الشوارع بالهراوات والعصي المطاطية. وخلفهم كانت تقف قوات الشرطة الثقيلة التسليح وعناصر الحرس الثوري. كما كانت للباسيج مجموعات متنقلة على دراجات نارية تجوب المدينة لقمع أي مظاهر احتجاج.
وقد هدّد دونالد ترامب عناصر الحرس الثوري والباسيج بالموت المحتم، قائلاً إن الأمر "لن يكون جميلاً"، إذا لم يلقوا السلاح. لكن من غير المرجح أن تغيّر تهديداته كثيراً من مواقف أفراد القوات المسلحة التابعة للنظام.

وتتغلغل فكرة الشهادة بعمق في خطاب الجمهورية الإسلامية وفي المذهب الشيعي. فبعد ساعات من تأكيدات رسمية يوم الأحد بأن المرشد الأعلى بخير، أعلنت مذيعة باكية في التلفزيون الرسمي وفاة علي خامنئي قائلة إنه "شرب الكأس العذب الصافي من الشهادة".
ويرى بعض المحللين المتخصصين في الشأن الإيراني أن آية الله ربما أصرّ على عقد اجتماع مع كبار مستشاريه في مقره بطهران، في وقت كان فيه كثير من العالم يتوقع هجوماً وشيكاً، لأنه كان يسعى إلى نيل الشهادة.
كما يحتفظ النظام بقاعدة من المدنيين الموالين له. فقد خرج آلاف الأشخاص إلى شوارع طهران بعد مقتل المرشد الأعلى في اليوم الأول من أربعين يوماً من الحداد. وتجمعوا في الساحات العامة وأشعلوا الشموع وأضواء هواتفهم المحمولة، رغم أعمدة الدخان المتصاعدة من الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية.
سوابق غير مشجعة
يعتقد الأمريكيون أن قوتهم العسكرية الهائلة هذه المرة - إلى جانب قوة إسرائيل - قد تفرض تغييراً للنظام على عدوهم من دون أن تقود إلى كارثة.
لكن السوابق لا تبعث على التفاؤل. فقد أدى إسقاط صدام حسين في العراق عام 2003 إلى كارثة، إذ تبعته سنوات طويلة من الحرب التي أسهمت في نشوء حركات جهادية متطرفة لا تزال قائمة حتى اليوم.
أما ليبيا، وهي دولة تمتلك من النفط ما يكفي لمنح سكانها مستوى معيشة مرتفعاً، فقد أصبحت دولة منهكة وفقيرة، بعد خمسة عشر عاماً من إسقاط معمر القذافي وقتله. أما الدول الغربية التي احتفلت بسقوطه وأسهمت في إسقاطه فقد تخلت عملياً عن مسؤوليتها بعدما تفككت البلاد.

إيران دولة كبيرة، تبلغ مساحتها نحو ثلاثة أضعاف مساحة العراق، ويعيش فيها أكثر من 90 مليون نسمة من خلفيات عرقية متعددة. وإذا سقط النظام فيها، فإن السيناريو الأكثر قتامة يتمثل في أن يؤدي الارتباك والفوضى وإراقة الدماء التي قد تعقب ذلك إلى صراع قد يوازي الحروب الأهلية التي حصدت مئات الآلاف من الأرواح في سوريا والعراق.
وتؤدي العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية إلى تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، وهو ما يغير موازين القوى في الشرق الأوسط حتى لو بقي النظام في السلطة.
وقد يفرح كثير من الإيرانيين - وربما معظمهم - إذا سقط النظام. لكن استبدال نظام أُطيح به بالقوة ببديل سلمي ومتماسك سيكون تحدياً هائلاً.
ويراهن ترامب على أن ذلك ممكن، وأن هذه الحرب قد تجعل الشرق الأوسط مكاناً أفضل وأكثر أمناً. لكن احتمالات تحقق ذلك تبدو محدودة.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




