الثلاثاء 10 فبراير 2026 11:40 مساءً صدر الصورة، Public Domain
رغم مرور 140 عاماً على ميلادها في 11 فبراير/شباط عام 1886، لا تزال بصمة مي زيادة حاضرة في الأدب والفكر العربي. فقد شكّلت هذه الأديبة والشاعرة إحدى الشخصيات البارزة في جيلها، وحضوراً فكرياً وثقافياً تجاوز إطار الإنتاج الأدبي إلى نقاش أوسع حول دور النساء في الأدب والثقافة والمجتمع.
وُلدت مي زيادة في سياق تاريخي مضطرب، كانت فيه المنطقة العربية تشهد تحوّلات بين التقليد وبدايات الحداثة. وتمكّنت، بفضل عقلها النقدي وثقافتها الواسعة، من أن تحجز لنفسها مكاناً متقدّماً في قلب هذا التحوّل، وأن تكون من الأصوات التي تناولت أسئلة الحرية والهوية والمعرفة.
وإلى جانب كونها امرأة كسرت قيوداً اجتماعية سائدة وأسهمت في إنتاج فكر مستقل، لا تزال تجربتها الإنسانية، بما حملته من صعوبات، محوراً لأسئلة مستمرة حول حدود الحرية الفردية في السياق العربي.
البدايات
صدر الصورة، Facebook/Palestinian Heritage
ولدت ماري إلياس زيادة في 11 فبراير/شباط عام 1886 في الناصرة، لوالد لبناني هو إلياس زيادة ووالدة فلسطينية هي نزهة معمّر. وكان لها شقيق واحد، إلياس، توفي عام 1891 عن عمر عامين، وهي خسارة تركت أثراً نفسياً عميقاً رافقها لسنوات طويلة.
نشأت مي زيادة في أسرة مهتمة بالثقافة والأدب؛ فكان والدها مدرّساً وصحفياً وأديباً. وتلقت تعليمها الابتدائي في مدرسة راهبات القديس يوسف في الناصرة، حيث درست الموسيقى وتعلّمت الفرنسية والإيطالية.
وفي صيف عام 1899، سافرت، وهي في الثالثة عشرة من عمرها، مع والديها إلى لبنان للتعرف إلى عائلة والدها، وواصلت دراستها في كلية راهبات الزيارة في عينطورة بقضاء كسروان. وفي تلك المرحلة بدأت موهبتها الأدبية بالظهور، ولا سيما في كتابة الشعر باللغة الفرنسية.
عادت إلى الناصرة مطلع عام 1905، وفي منتصف عام 1907 قرر والدها الانتقال بالعائلة إلى القاهرة، وهي خطوة كان لها تأثير بالغ في مسار حياتها وتكوينها الفكري. وفي القاهرة، عملت مي زيادة مدرسة للغة الفرنسية في عدد من المدارس الصغيرة، كما أعطت دروساً خاصة لبنات المصري الثري إدريس راغب.
وكان راغب قد اشترى امتياز إصدار صحيفة "المحروسة" ومطبعتها من صاحبها عزيز زند عام 1904، قبل أن ينقلها إلى صديقه إلياس زيادة في أواخر عام 1908. وابتداءً من يناير/كانون الثاني 1909، ظهر اسم إلياس زيادة على ترويسة الصحيفة بصفته مالكها ورئيس تحريرها، ما أتاح لمي زيادة أن تخوض تجربتها الصحافية الأولى وتبدأ مسيرتها الأدبية.
صدر الصورة، Public Domain
مي
بحلول عام 1911، كانت مي زيادة قد نشرت ديواناً شعرياً باللغة الفرنسية بعنوان "أزاهير الحلم" (Fleurs de rêve)، ووقعته باسم إيزيس كوبيا، وهو الاسم المستعار الذي استخدمته أيضاً في عدد من مقالاتها المبكرة. وفي تلك المرحلة، بدأت تتحول تدريجياً من الكتابة بالفرنسية إلى العربية، واعتمدت اسم "مي" بدلاً من اسمها الأصلي ماري.
كانت مي زيادة قارئة نهمة، وتأثرت في بداياتها بعدد من كتاب النهضة والمقالة، من بينهم أحمد فارس الشدياق، وأديب إسحق، وأمين الريحاني، وملك حفني ناصف. ونشرت مقالات تناولت قضايا اجتماعية وأدبية وقومية وفكرية، إضافة إلى النقد الأدبي، في صحف ومجلات مثل "المحروسة" و"الزهور" و"الهلال".
وفي الوقت نفسه، واصلت توسيع معارفها اللغوية، فتعلمت اللاتينية والإنجليزية والألمانية على أيدي مدرسين خصوصيين، كما التحقت بمدرسة البنات اليونانية لدراسة اللغة اليونانية والرسم، قبل أن تعلم نفسها لاحقاً اللغة الإسبانية.
وخلال الحرب العالمية الأولى، تابعت دراسة عدد من المواد في الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً)، وحضرت محاضرات في تاريخ الفلسفة والأخلاق، وتاريخ الأدب العربي، والتاريخ الإسلامي، وهو ما أسهم في تعميق تكوينها الفكري.
وبين عامي 1918 و1934، نسجت علاقات فكرية وصداقات مع عدد من المستشرقين الإسبان والإيطاليين والفرنسيين والإنجليز والألمان، التقت ببعضهم في القاهرة أثناء عملهم الأكاديمي أو زياراتهم البحثية، وتبادلت المراسلات مع آخرين.
وأولت مي زيادة اهتماماً خاصاً بقضايا النساء والتعليم، فألقت محاضرات وعبرت عن آرائها في الشأن التربوي، ووطدت صلاتها بجمعيات نسائية في القاهرة ودمشق وبيروت.
صالون الثلاثاء
صدر الصورة، Getty Images
في عام 1913، أسست مي زيادة صالونها الأدبي المعروف بـ"صالون الثلاثاء"، الذي استمر نشاطه قرابة عشرين عاماً، وجمع عدداً من أبرز أعلام الفكر والأدب والعلم في ذلك الزمن، من بينهم شبلي شميل، وخليل مطران، والشيخ مصطفى عبد الرازق، ومصطفى صادق الرافعي، وأحمد لطفي السيد، وعباس محمود العقاد، وسلامة موسى، وطه حسين، ويعقوب صروف، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم. وقد كان بعض رواد الصالون يطلقون عليها وصف "فراشة الأدب"، في إشارة إلى تنقلها بين مجالات فكرية وأدبية متعددة، وقدرتها على إدارة حوارات غنية ومتنوعة.
وكانت هدى شعراوي، إحدى أبرز رموز الحركة النسوية في مصر، تحضر الصالون أحياناً. ووصف طه حسين صالون مي زيادة بقوله: "كان صالون مي صالوناً ديمقراطياً"، في إشارة إلى انفتاحه وتنوع رواده.
وشارك في الصالون رجال ونساء من المصريين والسوريين والأوروبيين، يتبادلون النقاش في قضايا الأدب والفكر والفن بلغات متعددة، ولا سيما العربية والفرنسية والإنجليزية. وكان البرنامج يتنوع بين إلقاء قصائد، وقراءة مقالات، والاستماع إلى مقطوعات موسيقية أو أغانٍ.
وعلى الرغم من إعجاب عدد من كبار المثقفين بها، ظلت علاقة مي زيادة العاطفية الأبرز مرتبطة بجبران خليل جبران، الذي تبادلت معه مراسلات استمرت نحو عشرين عاماً، من عام 1911 حتى وفاته في نيويورك عام 1931، من دون أن يلتقيا وجهاً لوجه. ولم تتزوج مي زيادة رغم كثرة المعجبين بها.
وفي النصف الأول من عشرينيات القرن العشرين، ركزت مي زيادة على التأليف والنشر، فأصدرت عدداً من الكتب، كان أولها سيرة ودراسة عن ملك حفني ناصف، المعروفة بلقب "باحثة البادية"، ونشر عن دار الهلال عام 1920.
وبعد صدور هذا الكتاب، عينت عضواً مراسلاً في "الرابطة القلمية" في نيويورك، التي كان ميخائيل نعيمة أحد مستشاريها. كما ترجمت إلى العربية رواية "الحب الألماني" لمكس مولر عن اللغة الألمانية، وصدرت بعنوان "ابتسامات ودموع" في القاهرة عام 1921.
وبعد وفاة والدها في 24 أكتوبر/تشرين الأول 1929، تحولت صحيفة "المحروسة" من يومية إلى أسبوعية، وأدرج اسم مي زيادة على ترويسة الصحيفة بصفتها المالكة ورئيسة التحرير. ولم تقتصر أنشطتها الصحافية على "المحروسة"، بل شملت أيضاً جريدة "السياسة" الأسبوعية و"الأهرام" اليومية.
وفي عام 1932، سافرت مي زيادة إلى إنجلترا للالتحاق بدورات صيفية في جامعة لندن، ثم أمضت عام 1933 عدة أشهر في إيطاليا لتعميق معرفتها بالأدب الإيطالي وتاريخ الفن.
الحزن والمرض
بعد وفاة والدها عام 1929، ثم والدتها عام 1932، ووفاة جبران خليل جبران عام 1931، دخلت مي زيادة مرحلة قاسية من الحزن والعزلة. وتذكر مصادر عدة أنها عانت في تلك الفترة من انهيار نفسي، رافقته أعراض اكتئاب حاد، وتدهورت حالتها الصحية والنفسية.
ومع تفاقم أوضاعها، قدم أحد أقاربها إلى مصر، ونقلها إلى لبنان، حيث أدخلت في 16 مايو/أيار 1935 إلى مستشفى "العصفورية"، وهو مصحّ للأمراض العصبية والعقلية، بدعوى حاجتها إلى العلاج.
وخلال فترة احتجازها، دخلت مي زيادة في إضراب عن الطعام، وعبّرت عن شعورها بأن ما جرى لها مؤامرة للاستيلاء على أموالها، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية. وسرعان ما أطلقت حملة احتجاج على حجزها القسري، شارك فيها عدد من الأدباء والمفكرين، وكان لأمين الريحاني دور بارز في الدفاع عنها.
وفي 28 يناير/كانون الثاني 1938، شكّلت وزارة الصحة اللبنانية لجنة طبية من ثلاثة أطباء لفحص حالتها. وخلصت اللجنة إلى أنها بحاجة إلى متابعة طبية، لكنها قادرة على مغادرة المستشفى والعيش خارجها، وهو ما تم فعلياً في 14 فبراير/شباط 1938.
وبعد أيام قليلة، واجهت مي زيادة دعوى قضائية رفعها قريبها لإعلانها فاقدة للأهلية القانونية، كما رُفعت دعوى مماثلة في القاهرة أمام محكمة الأحوال الشخصية في 14 أبريل/نيسان 1938.
ومجدداً، توحّد أصدقاؤها وعدد من المثقفين للدفاع عنها، وقاد أمين الريحاني حملة قانونية وإعلامية لإبطال قرار الحجر. وتوّجت هذه الجهود بقرار محكمة بيروت الابتدائية في 1 يونيو/حزيران 1938، التي ردّت دعوى فقدان الأهلية وأقرت بسلامة وضعها القانوني.
وفي أواخر يوليو/تموز 1938، انتقلت مي زيادة إلى بلدة الفريكة في قضاء كسروان، حيث أقامت في منزل قريب من أمين الريحاني، وبقيت هناك حتى أواخر نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه.
الوفاة والإرث
وفي 11 يناير/كانون الثاني 1939، عادت مي زيادة إلى القاهرة، وفي 19 فبراير/شباط من العام نفسه قرر مجلس الأحوال الشخصية إلغاء الوصاية المفروضة عليها، لتستعيد أهليتها القانونية كاملة.
غير أن حياتها لم تستقر طويلاً؛ إذ تأثرت بوفاة صديقها المقرّب أمين الريحاني عام 1940، وهي خسارة أشار معاصرون لها إلى أنها عمّقت عزلتها وأضعفت تواصلها مع الوسط الثقافي. وفي 20 يناير/كانون الثاني 1941، ألقت محاضرتها العامة الأخيرة في الجامعة الأميركية بالقاهرة بعنوان "عيشي بخطر"، بحضور عدد كبير من الكتّاب والأساتذة والطلاب.
وفي 19 أكتوبر/تشرين الأول 1941، مرضت مي زيادة ونقلت إلى مستشفى المعادي في القاهرة، حيث توفيت عن عمر ناهز الخامسة والخمسين. وشيّعت في اليوم التالي من مستشفى المعادي إلى الكنيسة المارونية في حي شبرا، ثم دفنت في المدافن المارونية في مصر القديمة. ويروى أن شاهد قبرها حمل العبارة: "هنا ترقد عبقرية الشرق، وسيدة الكاتبات العربيات، والمثل الأعلى في السمو الأدبي والاجتماعي، الراحلة العزيزة مي زيادة".
صدر الصورة، Facebook
برزت مي زيادة في الكتابة والخطابة والأدب، واهتمت بالفنون، فدرست الموسيقى وأتقنت العزف على البيانو والعود، واشتغلت بالتصوير. ويجمع معاصروها ممن عرفوها أو شاركوا في صالونها الأدبي على أنها كانت حادة الذكاء، واسعة الاطلاع، وقادرة على إدارة الحوار واستقطاب الحضور، وهو ما أسهم في ترسيخ مكانتها في المشهد الثقافي آنذاك، وأكسبها ألقاباً تداولها معاصروها مثل "فريدة العصر" و"النابغة مي".
تنوّعت مؤلفاتها بين الشعر والمقالة والدراسة الفكرية والسيرة الأدبية. فأصدرت ديوانها الشعري الوحيد "أزاهير الحلم" عام 1911 باللغة الفرنسية، قبل أن تتجه إلى المقالة النقدية والفكرية، حيث تناولت قضايا الأدب والمرأة والمجتمع. ومن أبرز كتبها: "سوانح فتاة"، و"كلمات وإشارات"، و"بين المدّ والجزر"، و"ظلمات وأشعة"، و"الصحائف"، و"غاية الحياة".
كما اهتمت بالكتابة عن أعلام عصرها، فإلى جانب كتابها عن ملك حفني ناصف بعنوان "باحثة البادية"، وقدّمت دراسات أدبية عن عدد من الشعراء والكتّاب، من بينهم أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وجميل صدقي الزهاوي. وإلى جانب ذلك، أسهمت في حركة الترجمة، فنقلت إلى العربية أعمالاً فكرية وأدبية عن الفرنسية والإنجليزية والألمانية.
وكانت مي زيادة من الأصوات البارزة في الدفاع عن قضايا المرأة في المشرق العربي، إذ ربطت تحرر النساء بالتعليم وبناء الوعي، وكتبت عن حقهن في التفكير المستقل، وفي اختيار مسار حياتهن، والمشاركة في الحياة الثقافية.
وتُعدّ مي زيادة اليوم واحدة من أبرز الشخصيات الفكرية والأدبية في سياق النهضة العربية الحديثة، إذ مثّلت نموذجاً لامرأة عربية فاعلة في إنتاج المعرفة، وأسهمت في توسيع حدود النقاش الثقافي والأدبي في زمنها.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير



