الأربعاء 28 يناير 2026 11:04 مساءً صدر الصورة، Reuters
-
- Author, حبيب توفي
- Role, بي بي سي نيوز عربي
-
قبل 3 دقيقة
أعلنت ألكسندرا بيل الرئيسة والمديرة التنفيذية، لنشرة علماء الذرة، في 27 يناير/كانون الثاني 2026، أنه تم تحريك ساعة القيامة إلى 85 ثانية قبل منتصف الليل.
ووجّهت النشرة أشدّ تحذير لها حتى الآن. فقد تمّ تحريك ساعة القيامة - الرمز الذي يقيس مدى اقتراب البشرية من الدمار الذاتي منذ بدايات العصر النووي - إلى 85 ثانية قبل منتصف الليل، وهو أقرب وقت وصلت إليه في تاريخها الممتدّ لما يقارب ثمانية عقود.
ولم يُعلن عن ذلك بأسلوبٍ مسرحيٍّ أو كأنه مجرد خبر عادي، بل بإلحاحٍ حمل أشد أنواع التحذير. تحدّث العلماء وخبراء السياسات والحائزون على جائزة نوبل في مجلس العلوم والأمن لعلماء الذرة (SASB)، الذي يحدد توقيت الساعة، بنبرةٍ هادئة عن المخاطر العالمية المتسارعة، وتدهور التعاون، وإخفاقات القيادة التي وضعت البشرية، مجتمعةً، على حافة الكارثة. وذكّروا العالم بأنّ منتصف الليل ليس قدراً محتوماً، بل هو تحذير، لا بُد أن يُقرأ ويُفهم.
ولفهم سبب تحريك ساعة يوم القيامة في عام 2026، وما يرمز إليه هذا التحريك حقاً، لا بد من تجاوز مجرد عدد الثواني المذكور في المقدمة. فساعة يوم القيامة ليست تنبؤاً بنهاية العالم، ولا عداً تنازلياً حرفياً لنهاية العالم. إنها قصة بدأت من رماد الحرب العالمية الثانية، وتطورت عبر الحرب الباردة وأزمة المناخ، وتواجه الآن مستقبلاً يشكله الذكاء الاصطناعي والهندسة البيولوجية وهشاشة الثقة العالمية.
فما هي ساعة القيامة وكيف بدأت قصتها؟
الفكرة التاريخية لساعة القيامة، بحسب المؤرخين، جاءت من فكرة أنه لو تم ضغط كل ما حدث على كوكبنا في عام واحد، لظهرت الحياة في أوائل مارس/ آذار، والكائنات متعددة الخلايا في نوفمبر/ تشرين الثاني، والديناصورات في أواخر ديسمبر/ كانون الأول، ولن يظهر البشر إلا في الساعة 11:30 من مساء ليلة رأس السنة.
وإذا ما قارنا هذا التاريخ الطويل بعمر البشرية فسندرك مدى قصر مستقبلنا. الأمر الذي جعل مجموعة من العلماء في الولايات المتحدة للاعتقاد بأننا قد لا نملك سوى دقائق معدودة مجازية حتى منتصف الليل "يوم القيامة" ونهاية العالم.
ولفهم ذلك، يجب فهم ماهية ساعة يوم القيامة، وما تُمثله.
لا تتنبأ الساعة بنهاية العالم، ولا تقيس الوقت المتبقي. إنما هي مؤشر رمزي لمدى قرب البشرية من كارثة عالمية بناءً على أفعالها.
هذا التمييز جوهري. فكما يوضح الباحث في المخاطر الوجودية، إس. جيه. بيرد، يُفهم مفهوم الساعة بشكل أفضل على أنه مقياس لاستجابة الإنسان للخطر، وليس حجم الخطر نفسه.
من مشروع مانهاتن إلى الحساب الأخلاقي
صدر الصورة، Alamy
وُلدت ساعة يوم القيامة من رحم الصدمة. ففي عام 1939، حذر ألبرت أينشتاين، وليو زيلارد، الرئيس الأمريكي آنذاك من أن الانشطار النووي قد يؤدي إلى أسلحة ذات قوة غير مسبوقة. وبعد ست سنوات، دمرت القنابل الذرية هيروشيما وناغازاكي. وقد أذهلت السرعة التي تحول بها الاكتشاف العلمي إلى سلاح يغير وجه الحضارة حتى أولئك الذين ساهموا في ابتكاره.
خرج العديد من علماء مشروع مانهاتن من الحرب وهم يشعرون بقلق عميق. فقد خشي بعضهم من أن تؤدي التجارب النووية إلى اشتعال الغلاف الجوي نفسه. وانتاب آخرين قلق كبير من أن تُشعل الأسلحة النووية سباق تسلحٍ قادرٍ على إنهاء الحضارة.
وفي عام 1945، أسس هؤلاء العلماء نشرة علماء الذرة. ولم يكن هدفهم السرية أو السلطة، بل التوعية العامة. فقد آمنوا بأن إطلاع البشرية بما يحدث وما يمكن أن تؤول إليه الأمور ضروريٌّ لكبح جماح تهور السياسيين.
بعد ذلك بعامين، صممت الفنانة مارتيل لانغسدورف غلاف مجلة النشرة. والذي كان عبارة عن ساعةٌ تُشير إلى منتصف الليل تقريباً، وقد جسّدت هذه الصورة كلاً من الإلحاح والقدرة على التأثير. فقد ينفد الوقت، لكن يُمكن أيضا تحريك العقارب إلى الوراء.
وهكذا، وُلدت ساعة يوم القيامة.
كيف تُقرأ الساعة؟
ضُبطت الساعة الأولى على سبع دقائق قبل منتصف الليل. وكان أول تحرك ديناميكي لها في عام 1949، عندما اختبر الاتحاد السوفيتي أول قنبلة نووية له، فحرّكت النشرة العقارب إلى ثلاث دقائق قبل منتصف الليل. ومنذ ذلك الوقت لم تعد الساعة رمزاً ثابتاً، بل أصبحت تعليقاً حياً على شؤون العالم.
ومن المهم الإشارة إلى أن الساعة لا تستجيب لكل أزمة. فأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، التي يُمكن القول إنها كانت أقرب ما يكون إلى حرب نووية، لم تُحرّك عقارب الساعة إطلاقاً. لماذا؟ لأن الساعة تقيس الهياكل والأنظمة، لا ومضات الخطر العابرة.
صدر الصورة، Getty Images
وعلى النقيض، أدت معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية لعام 1963 إلى تأخير الساعة خمس دقائق. فالحد من التسلح، وضبط النفس المؤسسي، والاتفاقيات الموثقة أهم من العناوين المثيرة.
وبهذا، تطرح الساعة سؤالاً مختلفاً عن معظم التغطيات الإخبارية: هل نبني عالماً قادراً على الصمود في وجه قوته الذاتية؟
إعلان 2026: "تتزايد المخاطر، ويتراجع التعاون، والوقت ينفد"
عندما كشفت نشرة علماء الذرة عن تحريك الساعة إلى 85 ثانية، كانت الرسالة واضحة لا لبس فيها. فقد حذر مجلس العلوم والأمن من أن البشرية لا تستجيب بشكل متناسب للمخاطر التي خلقتها. فتتزايد المخاطر الكارثية، ويتراجع التعاون الدولي، والوقت، مجازياً، ينفد.
وصفت ألكسندرا بيل، رئيسة ومديرة النشرة، الوضع بوضوح تام: رسالة الساعة "لا يمكن أن تكون أوضح من ذلك". فبينما بلغت المعرفة العلمية والقدرات التكنولوجية ذروتها، تراجعت الإرادة السياسية لإدارة تبعاتها. وبدلاً من التعاون، ينزلق العالم نحو التشرذم والتنافس.
كانت الساعة قد حُددت بالفعل عند 89 ثانية قبل منتصف ليل يناير/ كانون الأول 2025. ولم يكن تقريبها أربع ثوانٍ في عام 2026 رد فعل على أزمة واحدة أو حدث جلل، بل كان انعكاساً لنمط من التدهور في مجالات متعددة، كالأسلحة النووية، وتغير المناخ، والتقنيات الثورية، والتهديدات البيولوجية، وأنظمة المعلومات التي تُشكل الفهم العام.
وشدد دانيال هولز، رئيس مجلس العلوم والأمن، على اتجاه مقلق للغاية: وهو الصعود العالمي للأنظمة الاستبدادية القومية. وحذر من أن هذه الأنظمة السياسية تُقوّض تحديداً الصفات اللازمة لإدارة المخاطر الوجودية، ألا وهي الشفافية والثقة والتعاون الدولي المستدام. في عالمٍ يزداد انقساماً بين "نحن" و"هم"، يصبح حلّ أي مشكلة مشتركة أكثر صعوبة.
وعمّقت ماريا ريسا، الحائزة على جائزة نوبل للسلام والصحفية، هذا التشخيص. فجادلت بأنّ وراء الخطر النووي، وانهيار المناخ، ومخاطر الذكاء الاصطناعي، تكمن "كارثة معلوماتية". تنتشر المعلومات المضللة أسرع من الحقائق، مما يُقوّض الواقع المشترك. وبدون اتفاق على الحقائق الأساسية، يصبح التعاون مستحيلاً. وبدون التعاون، حتى أفضل الحلول العلمية لا يُمكن تطبيقها.
فلم يكن إعلان عام 2026 مُقتصراُ على مدى خطورة العالم، بل كان أيضاً حول مدى ضعف استجابة البشرية لهذه المخاطر.
لماذا قدّم العلماء الساعة؟
يُحدّد مجلس العلوم والأمن التابع للنشرة الوطنية الأمريكية ساعة يوم القيامة سنوياً بالتشاور مع مجلس الرعاة، الذي يضم ثمانية من الحائزين على جائزة نوبل. واستند قرارهم في عام 2026 إلى أربعة مجالات قلق مترابطة.
- الأسلحة النووية: تهديد متجدد ومتفاقم
عاد الخطر النووي إلى صدارة المخاوف الأمنية العالمية. ففي عامي 2025 و2026، وجد العلماء أنه "يكاد يكون من المستحيل أن تجد أن قضية نووية واحدة تحسنت". وبدلاً من تقليل الاعتماد على الأسلحة النووية، تُضاعف الدول النووية جهودها في هذا المجال.
وتُنفق مئات المليارات من الدولارات حول العالم لتحديث وتوسيع الترسانات النووية. ويتحدث القادة السياسيون بشكل متزايد عن الأسلحة النووية ليس فقط كوسيلة ردع، بل كأداة إكراه. وفي الوقت نفسه، ضعفت أو انهارت أطر الحد من التسلح التي بُنيت بعناية خلال الحرب الباردة وبعدها. وتضاءل الحوار بين القوى النووية الكبرى - الولايات المتحدة وروسيا والصين - في الوقت الذي هم في أشد الحاجة إليه.
فدرس الحرب الباردة، كما يؤكد الخبراء مراراً وتكراراً، بسيط: لا أحد يربح سباق التسلح النووي. ومع ذلك، يبدو أن هذا الدرس يتلاشى من الذاكرة السياسية.
صدر الصورة، EPA
2. الثورة التقنية والذكاء الاصطناعي
يحتل الذكاء الاصطناعي الآن مكانة محورية في حسابات الساعة. ولا يكمن القلق في الذكاء الاصطناعي كتهديد مستقبلي مجرد، بل في تداخله مع المخاطر القائمة، لا سيما أنظمة القيادة والتحكم النووية والبحوث البيولوجية.
فقد حذر العلماء مطلع هذا العام من أن تطوير الذكاء الاصطناعي المدفوع بالمنافسة يُزاحم التعاون. وقد تم التراجع عن مبادرات السلامة. وتواجه الجامعات ومؤسسات البحث هجمات سياسية وتخفيضات في التمويل. وفي الوقت نفسه، تستثمر الجيوش في دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة صنع القرار، وهو ما قد يوصلنا إلى عواقب كارثية.
إن رسالة "الساعة" هنا ليست معادية للتكنولوجيا، بل هي تحذير بشأن الحوكمة. فالأدوات القوية التي تُطوَّر دون قواعد مشتركة ورقابة وضوابط تزيد من المخاطر العالمية، لا تُقللها.
3. التهديدات البيولوجية والحياة الاصطناعية
أظهرت جائحة كوفيد-19 ضعف البشرية أمام التهديدات البيولوجية وهشاشة أنظمة الاستجابة العالمية. ومع ذلك، في السنوات التي تلت الجائحة، تراجعت القدرة على الاستجابة للأزمات البيولوجية في كثير من الحالات بدلاً من أن تتحسن.
ويُسلط بيان مجلس العلوم والأمن لعلماء الذرة الضوء على القلق المتزايد بشأن البيولوجيا التركيبية، والبحوث البيولوجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وحتى المخاطر المُحتملة مثل "الحياة المُحاكية" - وهي أشكال من الكائنات الحية التي يُمكنها التهرب من أنظمة المناعة الحالية تماماً. وتُعدّ الشراكات بين الحكومات والعلماء والصناعة ضرورية لإدارة هذه المخاطر، إلا أن التشرذم الجيوسياسي يُصعّب استدامة هذه الشراكات.
صدر الصورة، Getty Images
4. تغير المناخ: كارثة بطيئة
على عكس الحرب النووية، لا تقع كارثة المناخ فجأة، بل تتراكم عاماً بعد عام، من خلال ارتفاع الانبعاثات، والظواهر الجوية المتطرفة، والآثار البيئية المتتالية. وقد أكد مجلس العلوم والأمن على وجود حلول بالفعل: فتقنيات الطاقة المتجددة ناضجة، وميسورة التكلفة، وقابلة للتطبيق على نطاق واسع.
ما ينقصنا هو الالتزام السياسي. فخفض الانبعاثات لا يسير بالوتيرة المطلوبة، وتُهمّش سياسات المناخ القائمة على العلم يُعرض عنه بشكل متزايد. إن مخاطر المناخ، وفقاً لمنطق ساعة يوم القيامة، ليست مجرد قضية بيئية، بل هي عامل مُضاعف لعدم الاستقرار يُفاقم الصراعات والنزوح وعدم المساواة في جميع أنحاء العالم.
لحظات أمل يخالطها تراجع
يتضمن تاريخ الساعة لحظات تفاؤل حقيقية. فبين عامي 1987 1991، ومع انحسار حدة التوترات في الحرب الباردة، عادت عقارب الساعة إلى الوراء بمقدار 14 دقيقة – كان هذا أمر مذهل. وقد ساهمت معاهدات مثل معاهدة القوات النووية متوسطة المدى ومعاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية في القضاء على آلاف الأسلحة النووية.
ومثّلت هذه الفترة أزهى فترات الأمن التي عاشتها البشرية منذ الحرب العالمية الثانية، ليس لاختفاء التهديدات، بل لتحسن التعاون.
لكن هذا التقدم لم يدم. فمنذ مطلع الألفية الثانية، تراجعت جهود الحد من التسلح، وتفاقم تغير المناخ، وظهرت تقنيات جديدة تسير بوتيرة أسرع من قدرة الحوكمة على مواكبتها. ففي عام 2007، أضافت النشرة الوطنية الأمريكية رسمياً تغير المناخ إلى حسابات الساعة. وفي وقت لاحق، انضمت مخاطر الذكاء الاصطناعي والمخاطر البيولوجية إلى الحسابات.
وبحلول عام 2015، دفعت العلاقات المتدهورة بين القوى الكبرى، والتحديث النووي، والتقاعس عن العمل المناخي، الساعة إلى الأمام مجدداً. وأثبتت "النقاط المضيئة" القصيرة، كالاتفاق النووي الإيراني واتفاقية باريس للمناخ، هشاشتها.
صدر الصورة، Fastfission/Wikipedia/Javier Hirschfeld
ومنذ عام 2017، ظلّت ساعة يوم القيامة تحوم بشكل خطير قرب منتصف الليل. وقد أدّى انهيار الاتفاقيات الدولية، وتراجع توجيهات الخبراء، وتزايد استخدام القادة للغة متهورة، إلى تقليص هامش الخطأ، مما جعل البشرية أكثر عرضة للخطر من أي وقت مضى.
ماذا تخبرنا ساعة القيامة في نهاية المطاف؟
إن قصة ساعة يوم القيامة ليست نبوءة، بل هي تشخيص.
إنها تخبرنا أن الخطر الوجودي لا يقتصر على الأسلحة أو الاحتباس الحراري أو الخوارزميات، بل يتعلق بالحوكمة والثقة والاستعداد للعمل الجماعي في مواجهة الخطر المشترك. فساعة يوم القيامة لا تتقدّم عندما تخترع البشرية شيئاً خطيراً، بل عندما تفشل في إدارة ما تعرفه بالفعل.
ولا يمثل إعلان 2026، النهاية حتمية. بل على النقيض من ذلك، فمجلس العلوم والأمن لعلماء الذرة حدد خطوات عملية من شأنها تغيير مسار الأمور، وإعادة النظر في الحد من التسلح، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، والاستثمار في المناخ، والتعاون البيولوجي.
ورسالة "الساعة" الخالدة تحمل في طياتها الرعب والأمل في آنٍ واحد. منتصف الليل ليس قدراً محتوماً، بل هو تحذيرٌ سمعته البشرية من قبل، وأصغت إليه أحياناً.
والسؤال الآن، كما كان دائماً، هو: هل سنصغي في الوقت المناسب؟
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





