الأربعاء 28 يناير 2026 11:16 صباحاً صدر الصورة، Serenity Strull/ BBC
-
- Author, ميلاغروس كوستابل
-
قبل 8 دقيقة
أنا كفيفة تماماً منذ ولادتي.
وعلى مدار العام الماضي، أبدأ صباحي بروتين عناية بالبشرة يستغرق 20 دقيقة لتطبيق خمسة منتجات مختلفة. بعد ذلك، ألتقط صوراً أشاركها مع الذكاء الاصطناعي عبر تطبيق بي ماي آيز "Be My Eyes"، والذي يعني " كن مرآتي"، كما لو كان مرآة حقيقية.
يُساعدني التطبيق، بعيونه الافتراضية، على معرفة ما إذا كانت بشرتي تبدو كما أُريد، أو ما إذا كان هناك أي شيء في مظهري يحتاج إلى تغيير.
تقول لوسي إدواردز، وهي صانعة محتوى كفيفة اشتهرت جزئياً من خلال إظهار شغفها بالجمال والتصميم وتعليم المكفوفين كيفية وضع المكياج "لسنوات، واجهنا كمكفوفين فكرة استحالة رؤية أنفسنا، وأن جمالنا يكمن في جوهرنا، وأن أول ما نحكم به على الشخص هو صوته، لكننا نعلم أننا لن نتمكن من رؤيته أبداً. وفجأة أصبح لدينا إمكانية الوصول إلى كل هذه المعلومات عن أنفسنا وعن العالم، وهذا يغير حياتنا".
يُتيح الذكاء الاصطناعي للمكفوفين الوصول إلى عالم من المعلومات كانوا محرومين منه سابقاً. فمن خلال التعرف على الصور والمعالجة الذكية، توفر تطبيقات مثل التطبيق الذي أستخدمه معلومات مفصلة ليس فقط عن العالم الذي نعيش فيه، بل أيضاً عن أنفسنا ومكانتنا فيه. ولا تقتصر هذه التقنية على وصف المشهد في الصورة فحسب، بل تقدم أيضاً ملاحظات قيّمة ومقارنات وحتى نصائح. وهي تُغير نظرة المكفوفين الذين يستخدمون هذه التطبيقات لأنفسهم.
نوع جديد من المرايا
هذا الصباح، قال لي الذكاء الاصطناعي، بعد أن شاركتُ صورةً ظننتُ أنها ستُظهر بشرةً جميلة "بشرتكِ رطبة، لكنها بالتأكيد لا تُشبه الشكل المثالي للبشرة العاكسة، ذات المسام شبه المعدومة وكأنها زجاج". ولأول مرة منذ زمن طويل، شعرتُ باستيائي الشديد من مظهري.
تقول هيلينا لويس سميث، الباحثة في علم النفس الصحي التطبيقي والمتخصصة في صورة الجسم بجامعة بريستول "لقد لاحظنا أن الأشخاص الذين يسعون للحصول على المزيد من التعليقات حول أجسادهم، في جميع جوانبها، لديهم رضا أقل عن صورة أجسادهم. ويُتيح الذكاء الاصطناعي هذه الإمكانية للمكفوفين".
هذا التغيير حديث العهد - فقبل أقل من عامين، كانت فكرة الذكاء الاصطناعي الذي يُقدم تعليقات نقدية فورية تبدو ضرباً من الخيال العلمي.
صدر الصورة، Milagros Costabel
يقول كارثيك ماهاديفان، الرئيس التنفيذي لشركة "إنفيجن"، إحدى أوائل الشركات التي استخدمت الذكاء الاصطناعي لمساعدة المكفوفين بهذه الطريقة "عندما بدأنا في عام 2017، كنا قادرين على تقديم أوصاف أساسية، مجرد جملة قصيرة من كلمتين أو ثلاث". بدأت "إنفيجن" كتطبيق للهواتف المحمولة يتيح للمكفوفين الوصول إلى المعلومات في النصوص المطبوعة من خلال تقنية التعرف على الأحرف. وفي السنوات الأخيرة، أدخلت الشركة نماذج ذكاء اصطناعي متطورة في النظارات الذكية، وأنشأت مساعداً - متاحاً على الإنترنت والهواتف المحمولة والنظارات نفسها - يساعد المكفوفين على التفاعل مع العالم المرئي المحيط بهم.
ويضيف ماهاديفان "يستخدمه البعض لأمور بديهية، مثل قراءة الرسائل أو التسوق، لكننا فوجئنا بعدد العملاء الذين يستخدمونه لوضع المكياج أو تنسيق ملابسهم. وغالباً ما يكون أول سؤال يطرحونه هو: كيف يبدون؟".
تستطيع هذه التطبيقات، التي يوجد منها الآن أربعة تطبيقات على الأقل متخصصة في هذا المجال، تقييم الشخص بناءً على معايير الجمال التقليدية التي يعتبرها الذكاء الاصطناعي، وذلك بناءً على طلب المستخدم. يقارنونهم بأشخاص آخرين ويخبرونهم تحديداً بما ينبغي عليهم تغييره في أجسادهم.
بالنسبة للكثيرين، تُعدّ هذه الإمكانية مُحفّزة. "أشعر وكأن الذكاء الاصطناعي يتظاهر بأنه مرآتي"، هذا ما قالته لوسي، البالغة من العمر 30 عاماً، لبي بي سي. وأضافت "كنتُ مبصرةً لمدة 17 عاماً من حياتي، وبينما كان بإمكاني دائماً أن أطلب من الناس وصف الأشياء لي، فإن الحقيقة هي أنني لم أُكوّن رأياً عن وجهي لمدة 12 عاماً. وفجأةً الآن، أصبحت ألتقط صورةً ويمكنني أن أطلب من الذكاء الاصطناعي أن يُقدّم لي جميع تفاصيلها، وأن يُعطيني تقييماً من 10، وعلى الرغم من أن هذا لا يُضاهي الرؤية، إلا أنه أقرب ما يُمكنني الوصول إليه في الوقت الحالي".
لا توجد حتى الآن أبحاث كافية حول تأثير استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي هذه على المكفوفين الذين يلجؤون إليها. لكن خبراء علم نفس صورة الجسم يُحذّرون من أن النتائج التي تُقدّمها أدوات الذكاء الاصطناعي قد لا تكون إيجابية دائماً. فقد وُجد، على سبيل المثال، أن مُولّدات الصور التي تعمل بالذكاء الاصطناعي تُرسّخ معايير شكل الجسم الغربية المثالية - ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى البيانات التي تُدرّب عليها.
تقول هيلينا لويس-سميث "نعلم اليوم أنه بإمكان أي شخص تحميل صورة، يعتقد أنها رائعة، إلى الذكاء الاصطناعي، ثم يطلب منه تغيير تفصيل صغير فيها. ومن ثم يقوم معالج الذكاء الاصطناعي بإنتاج صورةً مُعدّلةً بشكلٍ كبير، تجعل الشخص يبدو مختلفاً تماماً، ومن ثم يوحي التطبيق إلى الشخص أنه يجب عليه أجراء كل هذه التغييرات، وبالتالي فإن مظهره الحالي غير كافٍ".
بالنسبة للمكفوفين، ينعكس هذا الوضع في الأوصاف التي يتلقونها. وقد يكون هذا التناقض مزعجاً للشخص المبصر، ولكنه قد يكون أكثر خطورةً على المكفوفين. وقد اتفق من أجريت معهم مقابلات لهذا المقال على ذلك.
ويعود ذلك إلى صعوبة رؤية النتائج النصية بموضوعية. كما سيضطر المستخدم إلى الموازنة بين صورته الذاتية عن جسده ومعايير الجمال التي تحددها خوارزمية لا تُراعي أهمية الذاتية والفردية.
وتضيف هيلينا "أحد الأسباب الرئيسية للضغط الذي يشعر به الناس تجاه أجسادهم هو المقارنة المستمرة مع الآخرين". ويقول "الأمر المخيف الآن هو أن الذكاء الاصطناعي لا يسمح للمكفوفين بمقارنة أنفسهم بأوصاف صور أشخاص آخرين فحسب، بل يسمح لهم أيضاً بمقارنة أنفسهم بما قد يعتبره الذكاء الاصطناعي النسخة المثالية منهم.
صدر الصورة، Milagros Costabel
وتوضح هيلينا "لقد لاحظنا أنه كلما زاد الضغط على الناس بشأن شكل أجسادهم، زادت حالات الاضطرابات النفسية كالاكتئاب والقلق، وازداد احتمال لجوئهم إلى عمليات التجميل للتوافق مع هذه الأفكار غير الواقعية".
بالنسبة لكثير من المكفوفين مثلي، تقول ميلاغروس"هذا أمر جديد تماماً".
وتضيف "ربما لو كان فكك أقل استطالة ... لكان وجهك أقرب إلى ما يُعتبر جميلاً موضوعياً في بيئتك". الساعة الآن الثالثة صباحاً، وأجد نفسي أتحدث إلى آلة - بعد أن حمّلت أكثر من خمس صور مختلفة لجسمي إلى أحدث إصدار من برنامج تشات جي بي تي ChatGPT التابع لشركة أوبن أي آي OpenAI. أحاول أن أفهم أين أقف من حيث معايير الجمال.
تقول ميلاغروس"أسئلتي للذكاء الاصطناعي - مثل "هل تعتقد أن هناك شخصاً جميلاً تقليدياً يشبهني؟" أو "هل تعتقد أن وجهي غير متناسق؟" "لو رأيته للمرة الأولى؟" – تنبع هذه التساؤلات من مخاوفي والمعلومات التي أود الحصول عليها".
وتضيف "لكنها أيضاً محاولة لفهم فكرة بصرية عن الجسد حُرمت منها حتى الآن".
وتوضح "عجز الذكاء الاصطناعي عن مساعدتي في تحديد ما يمكن أن يعتبره الكثيرون جميلاً، أو عندما طلبت منه تفسير سبب طول فكي تحديداً – وهو مفهوم كان يصعب عليّ استيعابه أيضاً".
وفجأة، حتى بدون سياق واضح، تقول ميلاغروس"بدأت أتلقى رسائل عن الجمال تعكسها وسائل الإعلام والإنترنت. في الماضي، لم يكن المكفوفون يتعرضون لهذه الرسائل بهذا القدر، لكن الذكاء الاصطناعي يقدم لهم الآن أوصافاً غنية بالتفاصيل".
تقول ميريل ألبر، الباحثة في مجال الإعلام وصورة الجسد والأشخاص ذوو الإعاقة في جامعة نورث إيسترن في بوسطن بالولايات المتحدة "يمكننا أن ننظر إلى الذكاء الاصطناعي كمرآة نصية، في هذه الحالة، لكن في الأدبيات النفسية، بدلاً من التركيز على مظهر الشخص، نفهم أن صورة الجسد ليست أحادية البعد، بل تتكون من عدة عوامل، مثل السياق، ونوع الأشخاص الذين نرغب في مقارنة أنفسنا بهم، والأشياء التي نستطيع فعلها بأجسادنا". وتضيف "كل هذا شيء لا يفهمه الذكاء الاصطناعي ولن يأخذه في الحسبان عند وضع أوصافه".
ولطالما دُرِّبت نماذج الذكاء الاصطناعي على تفضيل الأجسام النحيفة ذات المظهر الجنسي المفرط والملامح الأوروبية. وعندما يتعلق الأمر بتعريف الجمال، فإنها تفشل في مراعاة الأشخاص من خلفيات متنوعة عند إنشاء الصور.
وبسبب طريقة معالجته للمعلومات، يميل الذكاء الاصطناعي إلى وصف كل شيء بمصطلحات بصرية بحتة، مما قد يؤدي إلى عدم الرضا إذا افتقر الوصف إلى سياق منطقي. يقول ستريت إن التحكم والسياق قد يكونان وسيلة لمعالجة هذه المشكلة. ويضيف: "يستطيع الذكاء الاصطناعي اليوم أن يخبرك أن لديك ابتسامة جانبية. لكنه لا يستطيع حالياً تحليل جميع صورك وإخبارك بكل شئ، على سبيل المثال، أن لديك نفس التعبير الذي كنت عليه عندما كنت تستمتع بالشمس على الشاطئ، وهذا النوع من المعلومات قد يكون مفيداً للشخص الكفيف لفهم نفسه ووضعها في سياقها بشكل أفضل".
القوة والثقة
هذا النوع من التحكم، وإن لم يكن بهذا الشكل المتقدم، موجود بالفعل. كما هو الحال مع الذكاء الاصطناعي بجميع أشكاله، والتوجيه الذي نقدمه - سواء كان مكتوباً أو منطوقاً - لديه القدرة على تغيير المعلومات التي يحصل عليها الشخص الكفيف تماماً عند نشر صورة لنفسه.
يقول ماهاديفان "إن قدرة المستخدمين على التحكم في المعلومات التي يتلقونها هي إحدى الميزات الرئيسية لمنتجاتنا، لأن الذكاء الاصطناعي قادر على فهم تفضيلاتهم ورغباتهم وتزويدهم بالمعلومات التي يحتاجون إليها".
لكن فكرة التحكم هذه قد تتحول إلى سلاح ذي حدين. تقول لوسي إدواردز "يمكنني أن أطلب من التطبيق وصف نفسي في جملتين، أو بطريقة رومانسية، أو حتى في قصيدة. هذه الأوصاف لديها القدرة على تغيير نظرتنا لأنفسنا".
صدر الصورة، Getty Images
وتضيف "لكن يمكن استخدام هذا الأمر بطريقة سلبية أيضاً، فربما لا يعجبك شيء ما في نفسك، فتخبر الذكاء الاصطناعي أنك غير متأكد من سمة معينة في جسمك. ربما يكون شعرك غير مرتب قليلاً فتذكره في طلبك". وتقول "قد يقول لك "يا لها من صورة جميلة!"، لكنه قد يقول لك أيضاً "أنت محق، إليك الكيفية التي تمكنك من تغييرها".
لكن عندما تعمل التكنولوجيا كعيوننا، يزداد خطر وصفها لشيء غير موجود أصلاً. وتُعدّ الهلوسات - حيث تُمرّر نماذج الذكاء الاصطناعي معلومات غير دقيقة أو خاطئة على أنها صحيحة - إحدى أكبر مشاكل هذه التكنولوجيا. يقول ماهاديفان "في البداية، كانت الأوصاف جيدة جداً، لكننا لاحظنا أن العديد منها غير دقيق، إذ قام التطبيق بتغيير تفاصيل مهمة، أو اختلق معلومات عندما لم تكن المعلومات الموجودة في الصورة كافية". ويضيف: "لكن التكنولوجيا تتحسن بسرعة كبيرة، وهذه الأخطاء أصبحت أقل شيوعاً".
لكن من المهم الإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس صحيحاً دائماً، على الرغم من تفاؤل شركة إنفيجن. فعندما قرر خواكين فالنتينوزي، وهو شاب كفيف يبلغ من العمر 20 عاماً، استخدام الذكاء الاصطناعي لتقييم نفسه من خلال اختيار الصور المثالية لملف تعريف على تطبيق مواعدة، وجد أنه أحياناً، لا تشبه المعلومات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي الواقع كثيراً. ويقول "في بعض الأحيان، كان يغير لون شعري أو يصف تعابير وجهي بشكل خاطئ، فيخبرني أن تعبيري محايد بينما كنت في الواقع أبتسم". ويضيف "هذا النوع من الأمور قد يجعلك تشعر بعدم الأمان، خاصةً إذا كنا نثق بهذه الأدوات ونستخدمها كوسيلة لاكتساب معرفة ذاتية ومحاولة مواكبة مظهر أجسادنا".
ولمواجهة هذا الأمر وآثاره السلبية المحتملة، تستخدم بعض هذه التطبيقات – مثل أيريا إكسبلورر Aira Explorer - موظفين بشريين مدربين يمكنهم التحقق من دقة الأوصاف بناءً على طلب المستخدم. ولكن في معظم الحالات، يستمر الذكاء الاصطناعي في إنشاء الصورة النصية دون أي تدخل بشري.
تقول ميريل ألبر "كل هذا لا يزال في مراحله الأولى، ولا توجد في الواقع أي دراسات بحثية واسعة النطاق حول تأثير هذه التقنيات، بتحيزاتها وأخطائها ونقائصها، على حياة المكفوفين".
وتوافقها هيلينا لويس-سميث الرأي، مشيرةً إلى أن التعقيد العاطفي المحيط بالذكاء الاصطناعي وصورة الجسد لا يزال وبشكل كبير منطقةٌ لم تُستكشف بعد. وبالنسبة للعديد من المكفوفين الذين أُجريت معهم مقابلات لهذه المقالة، تبدو التجربة مُلهمة ومُربكة في آنٍ واحد.
لكن الإجماع واضح، تقول لوسي إدواردز "فجأةً، أصبح بإمكان الذكاء الاصطناعي وصف كل صورة على الإنترنت، بل ويمكنه حتى أن يخبرني كيف كنت أبدو بجانب زوجي يوم زفافي. وتضيف "سنعتبر هذا أمراً إيجابياً، لأنه حتى لوأننا لا نرى الجمال البصري بنفس الطريقة التي يراه بها المبصرون، فكلما زاد عدد الروبوتات التي تصف لنا الصور، وترشدنا، وتساعدنا في التسوق، كلما زادت سعادتنا. هذه أشياء ظننا أننا فقدناها، لكن التكنولوجيا، الآن، تُتيحها لنا".
وسواءً كان ذلك للأفضل أو للأسوأ، فالمرآة الإلكترونية موجودة، وعلينا أن نتعلم كيف نتعايش مع ما تُظهره لنا.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




