إكرام الوالدين/ مذكرات مهاجرة : بقلم: مادلين بدوي-- نورث يورك - كندا

إكرام الوالدين/ مذكرات مهاجرة : بقلم: مادلين بدوي-- نورث يورك - كندا
إكرام الوالدين/  مذكرات مهاجرة : بقلم: مادلين بدوي-- نورث يورك - كندا

اخبار العرب- كندا- 24: : الربيع تغلب أخيرا علي قسوة الشتاء وحدته. و النهار أصبح ممتدا إلي ساعة متأخرة مما يتيح فرص الخروج و السمر و شم النسيم العليل علي البحيرة أو في الحدائق بل إن الأولاد يطالبون الحكومة بفتح حمامات الساحة أمامهم للتمتع بالماء و الشمس بعد طول اعتكاف و حبس في المنازل بسبب البرد و الثلوج.

الأهالي يخططون لأجازه الصيف كل حسب ظروفه الخاصة. مجردالتفكير في ذلك يعطي الأسرة كلها الحيوية و الامل و يقوى من قدراتهم علي مواجهه نهاية العام الدراسي بكل الامتحانات و خلافه، و حرارة الشمس تبعث بالدفء في الابدان و اللون الأخضر بدأ يمتد الي أغصان الشجر العارية و يعطي دليلا جديدا علي تجدد الحياة، سبحان الله القادر علي كل شيء و كل عام و القراء جميعا بخير.

جاءني الخطاب الأتي و هو يضم معلومات جيده و يعطي فكره واسعة عن نظام مراكز رعاية المسنين Nursing Homes  و يشهد بالكفاءة رغم الفكرة السائدة عن هذه المراكز  إنها تسيء المعاملة او فيها إهمال مثلا او أي تراخي.

الخطاب  يقول :

سيدتي العزيزة.......

انا مهندس شاب هاجرت الي كندا منذ خمسة و عشرون سنه.... عندما كانت فكره الهجرة تعتبر غريبة وليس هناك تفسير يشفع لها كما وأن نفس إجراءات الهجرة كانت سهلة و ميسره و عندما حضرت إلى كندا كانت الشركات هي التي تبحث عن موظفين و كانت الأعمال متاحة و المشروعات كلها سريعة التنفيذ و السوق يتمتع بمنافسة شريفه و حرة... فكان الجميع سعداء و مرتاحين. قمت بعد وصولي علي ما أتذكر بمعادلة بكالوريوس الهندسة الميكانيكية بمثلها من جامعة تورنتو مقابل مبلغ زهيد من الدولارات و لم أحاول ساعتها التقدم لأي دراسة او خلافه ... بل أخذت هذه الشهادة وتقدمت بها الي عدد كبير من الشركات التي أخذت اسمها و عنوانها و رقم تليفونها من دليل التليفونات المحلي ومعظمها يقع في دائرة عنوان منزلي وأبعدهم لا يأخذ مني اكثر من ربع ساعة سواقة بسيارتي ...

     و بعد أسبوع من إرسالي خطاب طلب وظيفة لديهم و فيه كل مؤهلاتي و خبراتي جاءني اكثر من رد مهذب بعضهم أعتذر بحجة غريبة أن مؤهلاتي و خبرتى أكثر من مستوي التوظف لديهم ... و لم أفهم معني هذا الاعتذار المؤدب الا عندما ذكرته لصديقي الذي يفوقني في سنوات الهجرة و خبره الحياة ألكنديه فأخبرني أنني أخطأت في عرض مؤهلاتي و خبرتي الوظيفية اذ أن القانون هنا يجبر الشركات علي احترام المؤهل الدراسي للشخص ومدى خبرته العملية و عليهم تعينيه في المركز المناسب له لا المركز المعلن عنه او أي مركز تراه الشركة و لذلك معظم الناس الذين يتقدمون بطلب عمل لهم لا يذكرون اي خبره بل فقط يطلبون اي مركز متاح لدي الشركة... فلا قيمة لخبرة الإنسان هنا و ليست سندا له، و لكن عندما يضع رجله كما يقولون و تكتشف الشركة مهاراته الخاصة طبعا نظرا لخبرته السابقة تقوم بترقيته او نقله للعمل في مجال خبرته السابقه في بلده.... و لكن من البدايه عليه بقبول اي وضع وظيفي حتي يتمكن مع الأيام و بحكم خبرته ان يثبت جدارته. و لو حاولت الشركة ان تقوم بتوظيف شخص ذو خبرة فمين حقه الشكوى و عندئذ يوضع في المركز المساوي لما كان عليه في بلاده وهذا إجحاف في حق الكنديين ذو المؤهلات ألكنديه و المفضلين عامة في كافه الوظائف في الدولة.

    قمت تعديل طلبي و فعلا استطعت الحصول علي وظيفة في شركة  كبيرة و مع الأيام اكتشفت ان مجالات العمل لابد وان يسبقها دراسة واثبات مجهود شخصي دراسي و بعد عده كورسات في الكليه و بفضل محاولتي المستمرة لإثبات كفاءتي الخاصة في ميدان عملي و صلت في النهاية الي مركز مدير الفرع لهذه الشركة و مازلت أداوم علي الدراسة من حين الي آخر لأضمن وظيفتي واحصل علي اي معلومات دراسية جديدة تنفعني وتزيد من قيمتي الوظيفية.

  تزوجت بعد عشرة سنوات من الهجرة و الحمد لله رزقني الله بأولاد وعشت في استقرار مالي و اجتماعي حتى توفت والدتي و قد وافتها المنيه بعد صراع طويل مع المرض.... كانت اخطي الوحيدة قد هاجرت بعد تخرجها وزواجها إلي استراليا و أصبح والدي وحده تقدمت بطلب لكفالة والدي و فعلا في خلال سنه تمت كل الإجراءات و حصل والدي علي تأشيره الهجرة و حضر لكندا وقد خصصت له حجرة وقدمنا له كعائلة كل مساعدة ومحبه و خدمه مخلصة.

      عاش والدي وسطنا حوالي عشره سنوات أخري بدأت صحته تتدهور بعد إصابته بمرض “الزهايمر” اي مرض النسيان و الذي يأخذ حوالي عدة سنوات من عمر المصاب به و هو في عد تنازلي إلي النهاية المحتومة. ظل والدي معنا نرعاه ونعتني به و نتحمل تأثير المرض عليه و علي الجو العائلي بأكمله حتى و صلت به الحالة إلي الخطورة ، فقد أصبح ينسي كل شيء...  ليس فقط أين وضع ملابسه النظيفة او أدويته الخاصة بعلاجه  ... بل بات ينسي نفسه فلا يأكل فهما كان جائعا الا اذا ساعدناه في نقل الأكل الي فمه والادويه كانت زوجتي تتولي إعطائه في مواعيدها. ثم بداء ينسى نفسه تماما فلا يذهب الي الحمام نهائيا  الي هنا و نحن محتملين وأنا أخصص له وقتي بالكامل كل يوم بعد عودتي من العمل رغم حاجه أولادي الي مساعدتهم في المذاكرة ..... ولكن والدي للأسف وقع من الكرسي علي الأرض نتيجة اختلال توازنه  فأسرعت به الى المستشفى حيث وضعوا ذراعه  المكسورة في الجبس وظل في المستشفى في حجرة منفردة بعدما علموا بمرضه وقد كنت أزوره كل يوم أحيانا وحدي وكثيرا  مع زوجتي وأولادي اللذين كانوا يحيطون به في شوق ومحبة ويعبرون عن شوقهم لعودته وأسفهم لافتقاده، ولكنه كان ينظر إليهم ولا يتكلم وبظل شاخصا بنظره الى كل واحد فيهم وكأنه يراه لأول مره، ويبدو كمن يبحث  عن الكلمات في الفضاء وفي النهاية يقول كلام غريب وغير مفهوم... انتظرت الطبيب ذات يوم بعدما أخبرتني الممرضة انه يريد امن يراني... وعندما جاء اخبرني ان والدي  سيفك الجبس قريبا ولكن ليست هذه المشكلة.. قالها الطبيب وهو حزين ، فادركت الآتي وفعلا اخبرني انه يحتاج الى خدمة 24 ساعة مستمرة وليس من العدالة أن أتوقع ان تقوم زوجتي برعايته  او أولادي بالإشراف عليه في هذه المرحلة المتأخرة من مرضه.

    ولم  أعطه ردا، فقد كان من الصعب ان اخذ قرارا في موضوع حساس ومؤلم كهذا ... كيف اترك لآخرين  مهمة الإشراف على والدي انا ، وكيف اضمن مدى عنايتهم به.  أسئلة كثيرة كانت تدور في خيالي وانأ استرجعها، وهل أرسله الى احدى دور رعاية المسنين ، فليس مكانه بين عائلتي ولكنني في النهاية رفضت الفكرة.. انه أبي ومن حقي ان أقرر اين يعيش وانا أريده بجواري أرعاه بنفسي واطمئن على سلامته.

      عاد  والدي بعد عملية  التأهيل الى منزلي ودخل حجرته  ورأيت على ملامحه الراحة وأسعدني وجوده بالقرب مني، ولكن لم  يمر على هذا سوى يومين الا وجاءتني مكالمة من زوجتي وهي نادرا ما تفعل هذا .. تخبرني فيها أن والدي انتهز فرصة انشغالها في المطبخ وفتح الباب وخرج ولا تعرف أين ذهب، فقد جرت الى الخارج باحثة عنه عبثا. هرعت الى منزلي ثم الى الشوارع المحيطة به وعدت ثانية للمنزل فلاحظت وقوف عربتي شرطة أمامه. جريت الى الداخل فوجدت أربعة رجال شرطة  يجلسون في الصالون وزوجتي تروي لهم حكاية والدي وأدركت ان شيئا قد حدث فدخلت وقدمت لهم نفسي، فاخبروني ان والدي للأسف كان يسير في الشارع بملابسه الداخلية مما استدعى احدهم ان يبلغ عنه الشرطة وعندما حضروا كان قد دخل محل كوافير للسيدات  ونام على احدى الكنبات الموجودة بالداخل للجلوس.  وبما انه لا يكاد يتكلم ولا احد يعرف عنوانه فقد أخذوه الى المستشفى الخاص بحالته وكشف الكمبيوتر لهم عن مرضه وعنوان سكنه معي.

  ذهبت إليه بالمستشفى وقد البسوه الجلباب الخاص بالمستشفيات وتبعتني المشرفة الاجتماعية  وجلست معي تأخذ معلومات منى لتملأ كراسة كبيرة بإجابات مهمة وكثيرة عنه وفي النهاية أخبرتني انهم وجدوا له مكان في احدى دور الرعاية الخاصة بالمرض المزمن والمتدهور عنده وسيأخذونه ثاني يوم الى هناك.

    أخذت إجازة من عملي وذهبت معه.. وهناك وجدت مرضى كثيرين مثله وقد أغلقوا عليهم الباب الرئيسي لا يفتحوه الا للأطباء فقط والمختصين او الزوار في العصر وتحت رقابة مشددة... فهذا المرض يدفع المريض الى الإحساس الدائم بالرغبة في الخروج ليعود الى منزله هو ، وضعوه في حجرة نظيفة تسع لاثنين ولكن من حظه انه لم يكن بها غيره، وأحضرنا له ملابسه وكل احتياجاته وصوره. وضعناها بالقرب منه، اما الأدوية الخاصة به فقد كانت مسئولية الدار نفسها وكانت تمر عليهم جميعا ممرضة مسئوله عن إعطائهم اياه كل واحد حسب حالته وفي مواعيدها وبالجرعات المطلوبة.. ثم يجتمع الكل في صالة الأكل في الصباح للإفطار ثم الغذاء في الظهر وأخيرا في الليل للعشاء. كانوا يقومون بتقديم كل ما يحتاج اليه ليس فقط كمريض ولكن كإنسان.. فهناك صالة اجتماع لمشاهدة احد الأفلام مثلا او الاحتفال بعيد ميلاد احدهم. كما وكانوا يأخذونه الى الحمام مرة أسبوعيا  ان لم يكن أكثر ، كل حسب حالته ، اما  الطعام فكان صحيا ومغذيا وكثيرا. شعرت ان والدي مستقر ومرتاح الى وجوده هناك وفي الواقع لم يكن في حالة تسمح له بالشعور بالفارق بين وجوده في دار المسنين  هذه او في منزلي. وقد ظل هناك ثلاث سنوات سعيدة  اذ كانوا يعتنون به جدا وتحت الرقابة حتى لا يؤذي نفسه وطبعا ممنوع تماما على كل واحد الخروج.

    انا مدين للمسئولين عن دار المسنين هذه لعنايتهم  بوالدي في آخر أيام حياته وحتى رحيله بسلام عن هذه الأرض المتعبة المليئة بالأوجاع والإحزان. اشكرهم واشكر كل من  مد يد المساعدة لوالدي المسكين المريض، واحمد الله واشكر فضله لان جعلني اشرف على والدي حتى النهاية..

   هذه قصتي ولوا دار المسنين هذه لضاع والدي ولم أكن لأجده مرة ثانية .. كانت تجربتي مع دار المسنين هذه ايجابية جدا ، اذ اكتسبت منها خبرة كبيرة وأدركت السبب في وجود هذه الدور وأهمية وجودها في مجتمع  يحترم حقوق الإنسان الى آخر لحظة في حياته  وبلاد تقوم بتقديم خدمات مهمة كهذه .

     اشكرك سيدتي لنشر خطابي هذا .. عظة وعبرة ونصيحة لكل من كان في حالتي ولك تحياتي...  ( انتهى الخطاب)

    وانا بدوري اشهد على الدور الرائع الذي تقوم به مثل هذه الأماكن للرعاية ، وأهمية وجودها فهي نعمة لا يدركها الا من كان في حاجة إليها ومدرك فضلها، والى اللقاء أعزائي القراء في المرة القادمة خلال التجربة الاخرى،،

  —مادلين بدوي—نورث يورك

 

 

 

السابق إكرام الوالدين/ مذكرات مهاجرة : بقلم: مادلين بدوي-- نورث يورك - كندا
التالى حالة وطن/ خواطر مهجرية: بقلم : سامي كنفاني—تورنتو

هل تتعامل كندا مع السعودية بحكمة؟

الإستفتاءات السابقة

 
c 1976-2019 Arab News 24 Int'l - Canada: كافة حقوق الموقع والتصميم محفوظة لـ أخبار العرب-كندا
الآراء المنشورة في هذا الموقع، لا تعبر بالضرورة علي آراء الناشرأو محرري الموقع ولكن تعبر عن رأي كاتبيها
Opinion in this site does not reflect the opinion of the Publisher/ or the Editors, but reflects the opinion of its authors.
This website is Educational and Not for Profit to inform & educate the Arab Community in Canada & USA
This Website conforms to all Canadian Laws