تقدرون وتضحك الاقدار

تقدرون وتضحك الاقدار
تقدرون وتضحك الاقدار

اخبار العرب- كندا -24. الشتاء بدا يفك قبضته الثلجية عنا تدريجياً الحمدلله... بل أن الشمس تجد لها طريقاً طول النهار ولعدة أيام متتالية والدفء شعرنا به أخيراً ولو أن سرعة الرياح لا تتركه كثيراً ولكن كل المؤشرات تدل علي إتجاهنا نحو الربيع الجميل.

أتناول في مقالي هذا قصة حقيقية من قصص المهجر... هم عائلة شبه مثالية فى تفكيرهم ونظرتهم إلى مجريات الامور ومحبتهم  لكل الناس وبعدهم عن أي شئ يقود الى أدنى مشكلة. كانت عائلة متحابة يفدي الواحد منها الآخرين بحياته.

 بارك الله في هذه الأسرة وأوسع فى رزقها وحياة أفرادها ونال كل منهم ما كان يرجوه... الأب والأم والإبن والإبنة كانوا جميعاً يتكلمون اللغة الفرنسية فكان من البديهي أن يختاروا الجزء الفرنسى من كندا ليكون مقراً لهم. كانت معرفتنا بهم خلال أصدقائنا في تورونتو وهم بالتالي معرفتهم من بلدهم الأصلية.

الأب طبيب تجميل معروف مرضاه  كثيرات يحبونه ودخله واسع. الأم صيدلانية تقدم الابتسامة قبل الدواء للزبائن وتعشق مهنتها. الإبن دخل كلية الهندسة للطيران والإبنة قبلت في كلية الطب. كان هذا هو الوضع منذ سنوات بعيدة عندما تعرفنا بهم في أحدى الرحلات التي قمنا بها في سنوات هجرتنا الأولى والتي تعتبر بحق من أجمل سنواتنا في كندا. كنا نشعر كمن وجد الجنة على الأرض... فسح وإكتشاف أماكن ورحلات بحرية قبل أن تقيدنا الدراسة ثم العمل.

مرت السنوات وتغيرت أحوال كل الناس حتى جمعتنا الظروف بأصدقائهم بتورونتو وكانت الصدمة الكبيرة... هذه العائلة والتي كانت في قمة نجاحها الإجتماعي والأقتصادي جاءتها الضربة من حيث لا تدري. بدأ الموضوع بالأم الجميلة التي كانت تتباهى  بنجاح زوجها وأخلاقيات أولادها العالية. بدأت تشعر بالتعب ولم تلقي بالها حتى أضطررت إلى زيارة دكتورة العائلة صديقتها وأمرت بعديد من الإختبارات والتحاليل وخلافه كما هو المتبع وبعد شهور طويلة قامت الأم خلالها  بعملية بسيطة أخبرتها الدكتورة أن المرض الخبيث الملعون قد بدأ ينتشر في أجزاء أخرى من جسمها وكان لزاماً أن تخضع للعلاج الكيميائي المكثف مما أفقدها حيويتها وشعرها وسعادتها. كانت الآلام تضغى على كل شئ حولها فلا تكاد تتذكر صيدليتها  ولا أحلامها وكان يؤلمها أن ترى الحزن على وجوه أولادها والدموع  في عيون زوجها المحب المخلص. بعد ذلك أعطاها الله فترة راحة فهولا يعطينا أكثر مما نحتمل وعادت  لمنزلها وعادت الأبتسامة إلى ساكني المنزل وهم يرونها تتحسن بعض الشئ كل يوم وآخر.

أغلق الأب العيادة في إجازة طويلة أمضاها كلها بجوار زوجته يرعاها ويلبي طلباتها ويجلس بعيداً عنها حسب أوامر الطبيب المعالج ولكنه يظل يكلمها ويواسيها ويخفف عنها الآلام النفسية اللتى تجعلها تتأسف له لأنها أصابت العائله بنكسة غير متوقعة فكان رده :لا شئ بيدك وبكره ستشفي بإذن الله وتعود معكً البهجة والحياة ويظل معها حتى تنام فيتركها. أما الاولاد فكانا يجلسان خلف الحاجز الزجاجي الذي يفرقها عنهم جميعاً  ويظلا ينظران إليها شاخصة قلوبهما قبل أعينهما وهما يذاكران دروسهما إلي أمهما الراقدة في ضعف  وإستسلام يشبه لون وجهها فراش السرير الأبيض.

لم يكن يدري الزوج أن زوجته تمر بصحوة موت طويلة ولا  الأولاد يتخيلا أن يفقد البيت سيدته بل ملكته.

بدأت الآلام من جديد وكان لزامأ  أن تعود إلى المستشفى لعمل المزيد من الإختبارات الغير مطمئنة وفي يوم أخبر الطبيب الزوج أن المرض قد أنتشر في كل غدد الجسم ولا أمل في أي علاج ونصحه بأن يعود بها للمنزل حتى تمضى أيامها الأخيرة وسط  عائلتها.  كانت الأم غائبة عن الوعي ولا تكاد تستيقظ إلاّ لماماً

 في صباح أحد الأيام تكلمت طالبة زوجها وأولادها وأعطتهم الوصية الأخيرة بأن يكمل كل منهم مشواره حتى النهاية والبركة في بابا الرائع هذا إذا كنتم فعلاً تحبوننى. بعد ساعات قصيرة أسلمت الروح.

بعد الجنازة المهيبة والتي حضرها عمدة المدينة وكل المرضى وزملاء الأبناء أصاب الأب مرض نفسي خطير جعله يغلق على نفسه باب عيادته  لمدة أسبوع كامل ولم يسمح لأولاده ولا أي أحد بالدخول بل لم يكن يرد على الدق المستمر على الباب حتى جاء البوليس وأقتحم العيادة فوجده راقداً على الأرض غائب عن الوعي ونبضه ضعيف. أخذاه أولاده إلى المستشفى فوضعوا في يده المحاليل المختلفة وطلبوا له أكبر دكتور نفساني واللذي بعد دراسة  للحالة  قرر أنه فقد عقله تقريباً بموت زوجته وأنه سيحاول الإنتحار لو ترك بمفرده.

  أخذ الأولاد الأب إلى مصحة عقلية ووضعوا معه حارساً حتى لا يقدم  على الإنتحار وظل تحت العلاج لمدة شهور طويلة حتى بدأ  يفيق لنفسه تحت إلحاح أولاده والذي أثر ما حدث لوالديهما على دراستهما  ونفسيتهما  وأمام دموعهما المستمرة عاد الأب  لحالته الطبيعية بعد صدمته في فقد زوجته ورفيقة حياته.

 عاد الأب الى إلمنزل وتذكر وصية زوجته الراحلة فبدا يسأل الاولاد عن أحوالهما ويتابعهما ويساعدهما ولكنه لم يعد لمهنته الدقيقة مرة أخرى بل باع  العيادة بما فيها لدكتور تجميل حديث التخرج ووهب نفسه لخدمة أولاده  ولخدمة المجتمع من حوله. كان دخله من الصيدلية التي مازالت بإسم زوجته ثم بإسم أولاده من بعدها كافياً للصرف على المنزل والعربات وغيرها. ووشكر الله أذ لا يمكنه العمل.

  أنها حقاً لقصة محزنة ولكنها درس لكل واحد  منا أللا يبني الآمال العريضة... دعونا نعيش يوماً بيوم في هذه الدنيا الغريبة وغير المضمونة لأحد تاركين أمورنا فى يد الله... وإذا أراد الله التوفيق فيها فليكن... وحتى لا تضحك علينا الأقدار.

مادلين بدوي—نورث يورك

 

السابق فانكـوفـر ـ كنــدا
التالى ميزانية الليبرال تهدف الى استقطاب أصوات الطبقة المتوسطة بامتياز !!

هل تتعامل كندا مع السعودية بحكمة؟

الإستفتاءات السابقة

 
c 1976-2019 Arab News 24 Int'l - Canada: كافة حقوق الموقع والتصميم محفوظة لـ أخبار العرب-كندا
الآراء المنشورة في هذا الموقع، لا تعبر بالضرورة علي آراء الناشرأو محرري الموقع ولكن تعبر عن رأي كاتبيها
Opinion in this site does not reflect the opinion of the Publisher/ or the Editors, but reflects the opinion of its authors.
This website is Educational and Not for Profit to inform & educate the Arab Community in Canada & USA
This Website conforms to all Canadian Laws