البرمجة العبقرية وبرهان آلية عمل العين / بقلم الكاتب والمفكر م.محمد نبيل كبها
الفنان الإسباني سلفادور دالي عرفت اعماله بالواقعية المفرطة، حيث كانت أعماله مزيجا من الحقيقة والخيال.
عام 1931 رسم لوحته الشهيرة "إصرار الذاكرة ( The persistence of memory ) والتي كانت دعامة للخيال ذات الاتصال بأعماق فن الوهم البصري التي عصفت بالإنسان.
لو أبحرنا قليلا في ميكانيكية عمل العين وكيف نُبصر، سنقع على أن العين تعمل على رؤية الأشياء المُكْتَنَفَة بنا بآلية يعلمها العلماء المتخصصون في دراسة العين (Ophthalmologists) وخبراء البصريات (Optometrists).
فالضوء يدخل عبر العدسة مصطدمًا بالشبكية الواقعة في الجزء الخلفي من العين، والتي تنقله بدورها عبر العصب البصري إلى القشرة الدماغية البصرية، وهو الجزء المسؤول عن تفسير المرئيات في الدماغ، ثم يبدأ الإدراك البصري بامتصاص الضوء -أو بشكل أكثر دقة بامتصاص مجموعات صغيرة منفصلة من الطاقة تسمى الفوتونات أو وحدات الكم الضوئي- بواسطة ما يُعرَف بالمخاريط والنبابيت الواقعة في الشبكية -تُستخدم المخاريط للرؤية النهارية، أما النبابيت فهي مسؤولة عن الرؤية الليلية- هذه آلية عمل العين وكيف نرى الأشياء، وهذه مقدمة مختصرة كي أولج في الحديث عن الوهم البصري.
وهذا ينقلني الى النحات والمصور العبقري الهنغاري " فيكتور فازاريلي " والذي أسس فن الأوب آرت (Op Art) والذي لديه أعمال مذهلة نثرها بيديه سبقت بإبداعها الأعمال المنجزه بالحاسوب في وقتنا الحالي.
فازاريلي كان لديه فلسفة خاصة من خلال رؤيته الفردية التي أسس من خلالها فن الوهم البصري، حيث رسم لوحته الأولى التي تجمع بين حمارين وحشيين باللون الأبيض والأسود متداخلين ببعضهما بطريقة متناغمة عجيبة! عجّزت الناظر وخدعته، وكأنها نغمة موسيقية! والتي أصبحت لاحقا إلهاما للرسامين والنحاتين والمهندسين وحتى مصممين الأزياء.
انطلق بعدها بطريقته الجديدة في الرسم، والتي تعتمد على الخداع البصري، والتي ألهمت عالم النفس الياباني "أكيوشي كيتاوكا" وغيره، وجعلت الباحثين يتسائلون: "ما سبب سقوطنا في الخداع البصري؟"
لتكون الإجابة أن العين لا ترى إلا ما يراه العقل، وكذلك الجهاز السمعي وغيرها من الأجهزة، جميعها تتلقى الأوامر في نهاية المطاف من هذا الصندوق الأسود "الدماغ"، فمن هذا المبرمج العبقري الذي أبدع هذا الصندوق الأسود وصاغ ميكانيكية عمل العين؟
لو سألنا: "أليس الدّماغ هو المسؤول عن اصدار الأوامر لأجهزة الجسم؟"، الجواب: "صحيح.
والدماغ يعلم أن 1 + 1 = 2، ولا يمكن أن تساوي 3، وهذا ما يسمى ب"اليقين الرياضي". ولا يمكن أن يصدر الدماغ إشارة لليد بأن تمسك هذه المعلقة، فيقوم الجسم بعمل حركة أخرى، كأن يقفز مثلا!".
الضوء الأبيض يدخل الى الدماغ، فيُترجم ويرسل عبر جهاز العين، والتي من المفروض أن ترى المخرجات كلّها باللون الأبيض من الناحية العلمية! ولكنّ هذا غير صحيح، فنحن نرى من خلال اللون الأبيض المُدخل إلينا بعد معالجة الدماغ له مخرجات من الألوان العديدة، كالأبيض والأسود والأخضر والأحمر وغيرها من الألوان! والعجيب والأعجب أن المخرجات لا تقتصر على رؤية الألوان فقط، وإنما على رؤية الأجسام والأشياء! فكيف يفسر العلم هذه الآلية؟! العلم يفشل هنا في الإمساك بما يحدث حقيقة داخل الصندوق الأسود، وبالتالي سفشل حقيقة في تفسير كيف نرى الأشياء؟!
يبدوا أن العلم قد عجز عن تفسير كيف يرى الإنسان من خلال الإنارة البيضاء جميع الألوان والأجسام والأشياء، وأنا لا أتحدث عن وصف هنا، أنا أتحدث عن كيفية عمل الدماغ -ماذا يحدث عمليّاً عندما يدخل هذا اللون الأبيض في قلب الدماغ- يا عزيزي الملحد.
لم يكن هناك -كرسي- في العالم، لكن صانع الكرسي قبل أن يصنع هذا الكرسي كانت فكرة -الكرسي- ومعناه موجوده أصلا في دماغه، ثم قام بإخراجه الى حيّز الوجود، اذن، كانت الفكرة والمعنى أصالة مزروع في دماغ صانع الكرسي، السؤال: "من الذي وضع الفكرة وزرعها في رأسه؟" مع العلم أننا لو قمنا بجلب صيني وأمريكي وعربي ووضعنا أمامهم هذا الكرسي، فإنك ستجد الجميع سيتبادر الى ذهنه أن هذا الشّيء نجلس عليه -مع اختلاف لغاتهم وأشكالهم وألوانهم وجنسيّاتهم وأعراقهم- وسؤال آخر: "من هذا المبرمج الذي برمج هذه الفكرة في كيميائيّة أدمغتنا على اختلافنا؟" بالتأكيد أنّ هذا المبرمج -واحد- لأنّه لو كان لدماغ الإنسان أكثر من مبرمج لهذه الفكرة فإن الأمريكي سيرى بطريقة تختلف عن الصيني وعن العربي!؟ لكنّهم جميعاً رأو الكرسي بنفس الهيئة والطّريقة، اذن، فكرة الكرسي ومعناه مزروعة وموضوعة في دماغ النوع الإنساني مُسبقا! وهذا لا يقتصر على الكرسي فقط، بل على كل شيء يخترعه الانسان -كلها أفكار ومعاني مغروسة في أدمغتنا منذ القِدم، ويراها جميع النوع الإنساني بنفس السبك- وهذا أكبر برهان على أن هناك يد واحدة عملت على برمجة كيميائيّة دماغ النوع الإنساني على طول خطه بأن يعالج ويفسر الأشياء كمدخلات ومخرجات بنفس الأسلوب، وهي ذاتها من وضعت وزرعت فيه كل الأسامي والمسمّيات، وهذا المبرمج العبقري فائق الذكاء والحكمة هو الله تبارك تعالى، لأنه التفسير الوحيد لذلك.
قال تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِين، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (الآية من 31 إلى 33 من سورة البقره) وقال تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (الآية رقم 31 من سورة البقرة).
بقلم الكاتب والمفكر م.محمد نبيل كبها
عضو الإتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، والعرب، والمثقفين، ومنتدى الكتاب العربي





