الأحد 14 يونيو 2026 06:28 مساءً الدُّموع لا تنزلُ بالضَّرورةِ ضعفًا؛ بعضُها ينزلُ لأنّ القلبَ أرقُّ من أن يتحمّلَ كلمةً أصابَتْ في القلبِ موضعًا لا يراه أحد.
في بيتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، بكتْ صفيّةُ بنتُ حُييٍّ رضي اللهُ عنها، لا لوجعٍ في الجسد، بل لجرحٍ في الكرامة.
دخلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على صفيَّة رضي اللهُ عنها فوجدَها تبكي، فقال لها: ما يُبكيكِ؟
فقالت: قالت لي حفصةُ رضي اللهُ عنها: إنِّي ابنةُ يهوديٍّ.
فقال لها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنَّكِ لابنةُ نبيٍّ، وإنّ عمَّكِ لنبيّ، وإنّكِ لتحتَ نبيٍّ، فبِمَ تفخرُ عليكِ؟!
ثمَّ قال: يا حفصة، اِتَّقي الله!
المرأةُ رقيقةٌ بطبعها، وكيف لا، وهي مخلوقةٌ من ضلعٍ قُربَ القلب؟
وكلُّ مخلوقٍ تبقى آثارُ الخِلقةِ فيه.
المرأةُ عاطفيّةٌ إلى أبعدِ حدّ، وليس ذلك ضعفًا، بل لأنّ المُهمّةَ العظيمةَ التي أرادها اللهُ لها في هذه الحياة تتطلّبُ هذه العاطفة.
لهذا، حين تجدُ المرأةَ تبكي في أصغرِ المواقف، ويتغيّرُ مزاجُها بكلمة، وينقلبُ كيانُها بكلمة، فلا علاقةَ لذلك بضعفِ الشخصيَّة أو التَّفاهة، كما يحسبُ الجاهلُ بنفسيَّاتِ النِّساء.
على العكسِ تمامًا؛ لا يتعارضُ أبدًا أن نجدَ تلك الرقيقةَ التي تبكي لأنّ طبخةً لم تنتبهْ لها فاحترقت، أن تكونَ في مواقفَ أخرى لَبؤةً تواجهُ الحياةَ بشراسة، كما يفعلُ أعتى الرِّجال.
كلُّ ما في الأمر أنَّ المرأةَ جزءٌ رقيقٌ ولطيفٌ من البشريَّة، والبكاءُ إحدى طُرقِها للتَّعبير عن هذه الرِّقّة، واستجلابِ الاهتمام.
فلا تُفرِطْ أبدًا في الاستخفافِ بمواقفِ بكائها؛ هي فرصٌ سانحةٌ لامتلاكها من الدَّاخل، فالمرأةُ لا تُمتلَكُ إلَّا من قلبِها.
وإيّاكَ والإعراضَ عن لحظاتِ بكائها وانكسارِها؛ فإنَّك إن لم تُسندْها في ضعفِها، فلن تستمتعَ بعافيتِها، وإن لم تحتملْها في أسوأِ لحظاتِها، فلن تحصلَ على أجملِ لحظاتِها.
ما يُبكيكِ؟ سؤالُ يفيضُ رحمةً واهتمامًا، فلمَّا أَمِنْتِ أَلقتْ برِحلِ قلبِها. وهكذا هي المرأة؛ لا تفتحُ قلبَها إلّا حينَ تأمَن. فلمّا أخبرتْه طيَّبَ خاطرَها، وأسمعَها ما يُرضيها، ولم يرضَ بالخطأ.
في هذا الموقف نرى ما يكونُ بين الضرائر من مُناكفات، وهذا لا علاقةَ له بمستوى الإيمان، وإنّما مَردُّه إلى الطَّبعِ والفطرةِ البشريّة. فطبيعةُ المرأةِ أنّها تغارُ من ضُرَّتها مهما بلغ بها الإيمانُ وذروتُه. ومن قبلُ غارتْ سارة من هاجر، وهي المرأةُ التي شلَّ اللهُ تعالى الفرعونَ إكرامًا لها.
وطبيعةُ الضرائر أن يتبادلنَ الأدوار؛ معتديةُ اليوم، مُعتدىً عليها في الغد. والتي تكيدُ في الليل، يُكادُ لها في الصباح.
يا لجبرِ الخواطرِ في لحظةِ الحزن، ما أعذبَه على قلوبِ الناس! انظروا إلى مشكلاتِ الحياةِ من هذا الباب؛ إنّها فرصةٌ للتَّكاتف، وجبرِ الخواطر، وإظهارِ الحبِّ والاهتمام.
موقفٌ حياتيٌّ قاسٍ، غيرةٌ تُخرجُها عن طورِها، عملٌ منزليٌّ يُنهكُها؛ هي فرصتُك السانحة لتكونَ القلبَ الحنونَ الذي يُواسي، والكتفَ الدافئَ الذي تُلقي بأحمالِها عليه.
مارِسْ رجولتَك وقِوامتَك؛ اطبعْ على جبينِها قُبلةً، وأخبرْها أنّك تهتمُّ لأمرِها، وأخبرْها أنّها عزيزةٌ عندك، وأنّها لا تهون. قلْ لها: أنا معكِ، وقويٌّ بكِ، ولا أستغني عنكِ. وستجدُها قد أشرقتْ، ونسيتْ كلَّ ما مرَّ بها.
صدِّقني، في كلِّ امرأةٍ طفلةٌ صغيرةٌ بجديلتَين، تحتاجُ إلى الحنانِ مهما بلغَ بها العمر.
وتعلّمِ الدَّرسَ من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فهو لم يُطفئِ الموقفَ بانتصارٍ لأحد، ولا بخصومةٍ تُخلّفُ أثرًا في القلوب، بل أطفأه بالحكمة. فجبرَ خاطرَ المكسورة، وذكّرَ المخطئةَ دون أن يجرحَ كرامتَها. وفي هذا كان يُربّي القلوبَ قبل أن يُديرَ البيوت، ويُصلحُ المشاعرَ قبل أن يُحاسبَ الأحوال؛ فاستقامتْ بيوتُه بالحكمةِ لا بالقسوة، وبالعدلِ الممزوجِ بالرَّحمة.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





