اخبار العرب -كندا 24: السبت 30 مايو 2026 09:39 صباحاً (CNN) -- إذا حلمت يومًا بتنظيم احتفال شبيه بواحدة من أكثر حفلات رأس السنة تأثيرًا في التاريخ، عابرة لستة قرون كاملة، وتوحيد التقويم الزمني لدولة بأكملها بحلول منتصف الليل، فستختار قاعة احتفالات كهذه.
فعندما فُتحت زجاجات الشمبانيا في هذه القاعة ليلة 31 ديسمبر/كانون الأول من العام 1925، ألغت تركيا رسميًا التقويم الرومي الذي كان يشير حينها إلى العام 1341، واستيقظت فجأة على العام الغريغوري 1926.
كانت تلك قفزة زمنية فعلية امتدت لـ585 عامًا ونُفذت بين ليلة وضحاها.

وكان حدث بهذا الحجم، يحتاج إلى مكان يليق به. وكانت قاعة "غراند بيرا" في فندق "بيرا بالاس" المكان المثالي لذلك، بثرياتها الكريستالية المتلألئة المعلّقة إلى سقف يتميّز بزخارف مذهّبة على طراز "La Belle Époque"، إلى الكرانيش المزخرفة، والنقوش الزهرية، والأعمال الخشبية العاجية، والستائر الممتدة من الأرض إلى السقف بأقمشتها الفاخرة.

وكان الفندق شُيّد عام 1892، لاستقبال المسافرين الآتين إلى إسطنبول على متن قطار "Orient Express" الشهير والفخم للرحلات الطويلة. فقد كان أول مبنى في إسطنبول يوفّر الكهرباء والمياه الساخنة خارج القصور العثمانية، كما احتوى على ثاني مصعد كهربائي في أوروبا بعد مصعد برج إيفل.
وبحلول الوقت الذي استضاف فيه أول احتفال تركي برأس السنة وفق التقويم الغربي إيذانًا بهذه القفزة الزمنية الهائلة، كان الفندق قد أصبح ملتقى عالميًا، في مدينة توصف بأنها نقطة التقاء بين الشرق والغرب.
ويقع هذا المبنى الكلاسيكي الجديد المؤلف من ست طبقات على تلة في حي "بي أوغلو" النابض بالحياة والمطل على القرن الذهبي، والقريب من شارع الاستقلال. وقد تغيّرت نوعية زواره عبر السنين، لكنّ تصميمه الأصلي الفاخر الذي وضعه المهندس المعماري ألكسندر فالوري ظل محفوظًا بعناية بعد عمليتي الترميم اللتين أُجريتا عامي 2010 و2014.

فما أن يتجاوز الزائر رجال الأمن بالزي الرسمي ويدخل من الباب الدوار لفندق "بيرا بالاس"، حتى يجد نفسه داخل كبسولة زمنية فاخرة على طراز "Art Nouveau" مع لمسات عثمانية. وتمنح الجدران والأعمدة الرخامية المكان هيبة واضحة، بينما تضفي المفروشات المخملية الحمراء والإضاءة الناعمة المنبعثة من الثريات أجواء دافئة ومريحة. ويتنقل الضيوف، ومعظمهم من الأمريكيين والأوروبيين الأكبر سنًا، بين محل الحلويات والردهة و"بار أوريانت".
غريتا غاربو وجاكي أو
يرتبط تاريخ الفندق على نحو وثيق بولادة الدولة التركية الحديثة تحت قيادة مصطفى كمال، المعروف أيضًا باسم أتاتورك. كما استضاف الفندق شخصيات بارزة من عالم السينما والأدب والسياسة في القرن العشرين.
وقالت إزغي بيك، منسقة التسويق في الفندق، فيما كان المصعد الخشبي الداكن والواسع بشكل مفاجئ يصعد عبر الطبقات الست للمبنى: "استخدم هذا المصعد مؤسّس جمهوريتنا مصطفى كمال، وأغاثا كريستي، وألفريد هيتشكوك". وتصطف في الجهة الخلفية من المصعد أريكة مخملية حمراء، حتى لا يضطر كبار الشخصيات في الماضي إلى تمضية دقيقة واحدة من دون رفاهية الجلوس.
وتطول قائمة الضيوف المشاهير. فهناك غرف بستائر وردية مخصصة لغريتا غاربو وجاكلين كينيدي أوناسيس، وأجنحة تحمل أسماء الراقصة والجاسوسة ماتا هاري، والكاتبين إرنست همنغواي وبيير لوتي.

أما جناح هيتشكوك السينمائي فيتميز بستائر وأغطية فضية، بينما تحتوي الغرفة 411 الخاصة بأغاثا كريستي على نسخة مطابقة لآلتها الكاتبة. ويُشاع أنّ الكاتبة البريطانية ألّفت روايتها الصادرة عام 1934، "جريمة في قطار الشرق السريع"، خلال إقامتها هنا، لا سيّما أنّ الفندق كان شهد حقيقة الكثير من الأحداث الدرامية الحقيقية قبل ذلك.
قد يهمك أيضاً
شكّل مطلع القرن العشرين فترة اضطرابات غير مسبوقة في قارتي أوروبا وآسيا. وشهد الفندق، على مدى 40 عامًا تقريبًا فقط، منذ الافتتاح الرسمي له عام 1895، حكم ثلاثة سلاطين عثمانيين، وسقوط الإمبراطورية العثمانية، وقيام الجمهورية التركية.
وبعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، استخدمت قوات الحلفاء الفندق كمقرّ غير رسمي لها خلال احتلالها إسطنبول بين العامين 1918 و1923. وفي خضم هذه الأحداث، امتلأ "بيرا بالاس" بالمهاجرين الروس الفارين من ثورة عام 1917، الذين كانوا يبيعون مقتنيات عائلاتهم الثمينة للبقاء على قيد الحياة.
كان أتاتورك آنذاك قائدًا عسكريًا عثمانيًا وزائرًا دائمًا للفندق.
ولفتت بيك إلى أنه"من المهم جدًا إظهار مدى أهمية هذا المبنى في تاريخ تركيا"، في إشارة إلى الإرث الفريد للفندق الذي ألهم كتاب "Midnight at the Pera Palace" غير الروائي للكاتب تشارلز كينغ، إضافة إلى مسلسل درامي من إنتاج "Netflix" يحمل الاسم ذاته ويتناول السفر عبر الزمن مستندًا بقوة إلى الكتاب.
"أوروبا الصغيرة"
وقالت بيك: "شهدت المنطقة حريقين كبيرين تقريبًا في سبعينيات القرن التاسع عشر، لأن جميع المنازل كانت خشبية". وأدّى اختفاء المباني العثمانية القديمة إلى فتح المجال أمام إنشاء شوارع واسعة جديدة وإحياء الحي، بما في ذلك بناء فندق "بيرا بالاس".
وكانت المنطقة تُعرف آنذاك باسم "بيرا"، وهي كلمة يونانية تعني "هناك في الجهة المقابلة". ففي حين كان مركز الإمبراطورية العثمانية الإسلامية يقع على الضفة الأخرى من القرن الذهبي، أصبحت "بيرا"، التي ضمت مزيجًا متنوعًا من المجتمعات، تُعرف بلقب "أوروبا الصغيرة". وقد أكسبها طابعها الغربي سمعة مرتبطة بالحفلات والانفتاح، بينما شكّلت السياسة العنصر الثالث الذي طبع تلك المرحلة.
وكتب تشارلز كينغ في كتابه "Midnight at the Pera Palace" أنه بحلول مطلع القرن العشرين، لم تكن هناك قوة كبرى "تواجه انتفاضات وتمردات وحروب عصابات شبه متواصلة مثل تلك التي واجهها السلطان عبد الحميد الثاني في سنواته الأخيرة".
وأضاف أن عدد المخبرين كان كبيرًا إلى درجة أن لافتة داخل "بيرا بالاس" كانت، بحسب الروايات، تطلب من عملاء الحكومة إفساح المقاعد في الصالة للضيوف الذين يدفعون المال.
قد يهمك أيضاً
أدّى سقوط الإمبراطورية العثمانية وتشكّل الجمهورية التركية إلى تغييرات واسعة في أنحاء البلاد، لكن التحوّل الأكثر دلالة على هذه المرحلة كان اعتماد تركيا التقويم الغريغوري في ديسمبر/كانون الأول 1925 . فقبل أن تعتمد السعودية هذا التقويم في العام 2016، كانت تركيا آخر دولة في العالم تقوم بهذا التحول. (لا تزال إثيوبيا ونيبال وإيران وأفغانستان بين الدول الأربع التي لا تستخدمه كتقويم مدني).
وقبل أن تُفتح زجاجات الشمبانيا عند منتصف الليل في قاعة "غراند بيرا"، لم يكن الأتراك جميعًا قد "سجّلوا في التوقيت عينه لجهة الساعة والشهر والسنة"، بحسب كينغ. ففي حين كانت الحكومة الجمهورية لا تزال تُرقّم السنوات وفق التقويم الرومي، كانت مجموعات مختلفة تستخدم أنظمة مختلفة لاحتساب الوقت. إذ استخدم المسيحيون الأرثوذكس اليونانيون التقويم اليولياني الذي يتأخر 13 يومًا عن التقويم الغريغوري، بينما اتبع اليهود المتدينون تقويمهم القمري الخاص، وكان المسلمون المتدينون يحسبون الأيام وفق شروق الشمس وغروبها وأوقات الأذان.
ويُعرّف فندق "بيرا بالاس" نفسه بأنه "فندق-متحف"، كما يُعد معلمًا تاريخيًا مسجلًا في تركيا. وتمتلئ ممراته بعروض من ماضيه الغني، بما في ذلك "محفة" كانت تنقل الضيوف الأثرياء مباشرة من قطار "أورينت إكسبريس" إلى الفندق.
عصر السكك الحديدية والسفر عبر الزمن
أُطلق قطار "أورينت إكسبريس" عام 1883، وكان رائدًا في السفر الدولي لمسافات طويلة، إذ ربط باريس بإسطنبول في أقل من 76 ساعة. وقد شكّل السفر بالقطارات في القرن التاسع عشر عاملًا محفّزًا لاعتماد التوقيت الموحّد في دول العالم، لوضع حد للفوضى الناتجة عن اختلاف التوقيت المحلي بين المدن والمحطات. ورغم أن المناطق الزمنية العالمية تبدو اليوم ثابتة وغير قابلة للتغيير، فإنها تُعد مفهومًا حديثًا نسبيًا. فقد أُدخل أول نظام توقيت موحّد في العالم، المعروف باسم "توقيت السكك الحديدية"، من قبل شركة "Great Western Railway" في إنجلترا في نوفمبر/تشرين الثاني 1840.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




