اخبار العرب -كندا 24: الأربعاء 6 مايو 2026 08:15 صباحاً دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)-- عند دخول أي مقهى تقريبًا في كوريا الجنوبية، ستُصادف مشهدًا مألوفًا: شركاء عمل يخططون لعرضهم التالي، أصدقاء يستعيدون ذكرياتهم، أزواج في لقاءات عاطفية، وطلاب يدرسون سويًا ضمن ظاهرة تُعرف باسم "كاغونغجوك".
لكن العديد من هذه الأماكن تتجاوز دورها التقليدي، إذ توفّر تصاميمها الإبداعية ملاذًا مثاليًا للهرب من ساعات العمل الطويلة وضغوط النظام التعليمي التنافسي.
في البداية، كانت هذه المقاهي مخصصة للراحة واحتساء مشروبات القهوة المفضلة لدى الكوريين مثل "اللاتيه" أو "الأمريكانو"، لكنها تطوّرت لاحقًا لتصبح أقرب إلى تجربة ثقافية متكاملة.
قد يهمك أيضاً
أوضحت جيهيو كيم، البالغة من العمر 34 عامًا، وهي الشريكة والرئيسة التنفيذية لمقهى "Seven Island Coffee" في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية، أن المقاهي تُعدّ بمثابة "مراكز متعددة الوظائف" للكوريين، وباتت زيارتها اليوم أشبه بزيارة المتحف أو الذهاب إلى السينما.
في كوريا الجنوبية، يُستخدم مصطلح "غامسونغ" للدلالة على المشاعر التي تُثيرها البيئات ذات الطابع الخاص. وقد ساهم هذا الحس الجمالي في إبراز ظاهرة كورية فريدة تُعرف باسم "مقاهي الغامسونغ".
هناك، لا يقتصر الأمر على احتساء فنجان القهوة فحسب، بل يمتد ليشمل المكان ذاته.
من الهندسة الخارجية إلى التصميم الداخلي والإضاءة والأجواء التي يشعر بها الزائر، تُخطَّط كلّ التفاصيل بعناية لصنع بيئة جذابة بصريًا ومُحفّزة للمشاعر.
أكثر من مُجرّد قهوةفي قطاع شديد التنافسية، تحتاج المقاهي إلى التميّز، وهذا التحدي ينعكس على كلّ التفاصيل، بدءًا من قوائم الطعام إلى الهندسة المعمارية.
تُعدّ "تشوغومي" من الكلمات الشائعة اليوم في كوريا الجنوبية، وخصوصًا بين جيلي الألفية و"زد"، حيث تُعبّر عن "الصورة ونمط الحياة والموضة التي يطمح الفرد إلى تبنّيها"، بحسب قول هيسو جون، البالغة من العمر 41 عامًا، وهي الرئيسة التنفيذية لشركة "A.Live" للهندسة المعمارية.
في السياق ذاته، تتيح المقاهي في كوريا الجنوبية لزبائنها فرصة اختبار نمط حياة معيّن، ولو لفترة قصيرة لا تتجاوز مدتها ساعة واحدة.
وأوضحت جون: "إذا كان شخص ما يحب أسلوب (hygge) الدنماركي، الذي يرمز إلى الدفء والراحة، فقد يختار مقهى بتصميم يعكس هذا الطابع حتى يعيش التجربة بشكل غير مباشر.. هذا هو معنى (تشوغومي)".

أدّت الحاجة للتميّز إلى ظهور مسارين رئيسيين: مقاهي المدن التي تتنافس عبر الفكرة والتجربة البصرية، ومقاهي الضواحي التي تتنافس عبر المساحة والمناظر الطبيعية.
عندما تعمل مقاهي المدن ضمن مساحات صغيرة، يعوّض أصحابها ذلك بتصاميم مدروسة ولمسات مبتكرة. على سبيل المثال، يجذب مقهى "Rain Report" في منطقة "يونغسان" الزبائن الذين يحبون شعور احتساء القهوة في أجواء ماطرة.
وقالت جون: "لا يمكنهم فعليًا تقديم الطبيعة والراحة ضمن مساحة محدودة، لذلك يتركّز الاهتمام أكثر على الجانب المرح وتقديم تجربة جديدة تُحفّز الشعور بالمكافأة في الدماغ".

أوضحت جون أنه في المقابل تدمج مقاهي الضواحي العناصر الطبيعية في تصميمها، لتصنع مساحات "تُركّز بشكل كبير على الاستشفاء واستعادة الطاقة في بيئة طبيعية".
ولفتت إلى أن "أفضل تصميم داخلي هو الطبيعة.. فالمشهد الذي تراه يتغيّر مع الفصول الأربعة، والسبب الحقيقي الذي يدفع الناس للقدوم يتمثل بما تصنعه الطبيعة".
يُعدّ مشروع "OUTPOST" مثالًا جيّدًا على ذلك، حيث يستلهم تصميمه من "دونداي"، وهي حصون أو أبراج مراقبة عسكرية قديمة تعود إلى عصر مملكة "جوسون".
واعتبرت جون أنه "بينما كان (دونداي) في الماضي مكانًا يسوده التوتر الشديد، فقد أُعيد تخيّله اليوم كمكان يغمره الهدوء.. إنه جميل جدًا، وقد تغيّرت المشاعر تجاهه مع مرور الزمن".
وأضافت: "اليوم، يمكنك النظر إلى الطبيعة من خلف الجدار المنخفض للمقهى، ما يجعلك تشعر بالسكينة التي يمنحها هذا الحدّ الفاصل".

رأت كيم أن ثقافة المقاهي تتجه نحو ما تسميه بـ"القيمة العاطفية"، إذ قالت: "في المجتمع الحديث، نملك ما يُعرف بالرأسمالية العاطفية واقتصاد التجربة.. في الماضي كان المال والتكنولوجيا يُعدّان رأس المال الأساسي، لكن مع مرور الوقت، أصبحت الأشياء التي تُحرك مشاعرنا أو تلامس عقولنا أكثر قيمة بكثير".
وهذا يفسّر استمرار إقبال الزبائن على المقاهي في كوريا، حتى إذا كانت أسعار القهوة فيها أعلى مقارنةً ببلدان أخرى. وأوضحت كيم أن "الكوريين لديهم استعداد للدفع إذا شعروا بالرضى عن التجربة والإشباع العاطفي الذي يحصلون عليه".

في مقهى "Seven Island Coffee"، الذي اختير ضمن قائمة "أجمل مطاعم العالم" لعام 2025 من قبل جائزة "Prix Versailles"، يدفع الزبائن مقابل تجربة متكاملة تمتد من لحظة دخولهم حتى مغادرتهم.

يقع المقهى على منحدرات جزيرة "غادوكدو" قبالة الساحل الجنوبي لمدينة "بوسان"، وقد استُلهم تصميمه من الجزر المحيطة، حيث تتجه مبانيه نحو مواقع مختلفة في البحر، ما يوفّر للزوار إطلالات متنوعة أثناء تنقلهم في المكان.
أمّا في الداخل، فقد صُمم الطابق الأول بألوان داكنة لمحاكاة قاع البحر، ليتدرج بعدها إلى طابق أفتح يعكس الجزيرة ذاتها.
كما اعتمد تصميم المقاعد المنخفضة لتفادي حجب المشهد الطبيعي، مع تقليل الإضاءة الاصطناعية قدر الإمكان للحفاظ على "الطبيعة الخالصة".
وقالت كيم إن هذه الاختيارات التصميمية تهدف إلى احترام الطبيعة المحيطة، وتقديم تجربة مريحة و"علاجية" يبحث عنها الكثير من الزبائن.

أوضحت كيم أن كوريا الجنوبية تُوصف محليًا بـ"جمهورية المقاهي"، في إشارة إلى حجم هذه الصناعة وشدة المنافسة فيها.
في الوقت الذي يحظى فيه مقهى جديد بإشادة واسعة عند افتتاحه، قد يُنسى سريعًا مع ظهور مساحة جديدة "قابلة للتصوير على إنستغرام".
واعتبرت كيم أن هذه الثقافة تُسهم في الحفاظ على مستوى عالٍ من الجودة، لكنها صعبة الاستدامة، فيما أكدت جون أن التصميم أصبح مرتبطًا بشكل وثيق بالبقاء في السوق.
بينما تتجه مقاهي المدن إلى تعزيز هويتها وتميّزها، تمضي مقاهي الضواحي نحو تجارب أوسع وأكثر درامية تشمل الفعاليات الثقافية.
في النهاية، قد تبقى قهوة "الأمريكانو" حاضرة، لكن ما يشتريه الزبائن في المقام الأول هو "غامسونغ": أي إحساس مُصمَّم بعناية يرافق كلّ فنجان.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






