اخبار العرب -كندا 24: الاثنين 23 فبراير 2026 02:39 صباحاً دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)-- وُلد أيهم حسن في رام الله بأواخر تسعينيات القرن الماضي، ونشأ وهو مدرك منذ الصغر للثقل السياسي المتعلق ببعض الممارسات المرتبطة باللباس.
يقول المصمّم، المقيم بين لندن والضفّة الغربيّة المحتلّة: "أدركتُ في وقت مبكر أنّ المنسوجات الفلسطينيّة ليست مجرّد أشياء، بل هي شواهد حيّة تحمل في طيّاتها الجغرافيا، والنَّسَب، والذاكرة".
عندما تخرّج حسن من كلية سنترال سانت مارتنز للفنون والتصميم بلندن في يونيو/حزيران الماضي، أطلق على مجموعته النهائية عنوان: "IM-Mortal Magenta: اللون الذي لا وجود له".

وقد تشكّلت هذه المجموعة انطلاقاً من فهمه العميق للعلاقة المتداخلة بين الفنّ والسياسة، فجاءت مشبعة بعناصر بصريّة مستوحاة من غزّة.
يوضّح حسن: "غدا لون الماجنتا مفتاحاً بصرياً ومفاهيمياً للتعبير عن المحو والبقاء. وكان التطريز حاضراً ليس فقط في اللغة البصريّة، بل أيضاً في بنية العمل، والطريقة التي أصمّم بها من الأساس".
من فن إلى آداة سياسيّة مقاوِمةتُعدّ هذه النظرة إلى التطريز الفلسطيني التقليدي، بوصفه شكلاً من أشكال اللغة البصريّة، رؤية شائعة إلى حدّ كبير، نظراً لارتباطه الحميم بالأرض وخصائصه السرديّة والبيوغرافيّة. فهذا الفنّ الإبداعي العريق، الذي يمتدّ لقرون، كان في الأصل يربط صانعته، وغالباً ما تكون امرأة من المجتمعات الريفيّة، بمنطقتها الجغرافيّة. إذ كانت تفاصيل مثل الألوان، والتقنيات، وحتى رسوم النباتات والزهور، مرتبطة بمناطق بعينها.
كما كانت بحكم تصميمها تشير إلى المكانة الاجتماعيّة والأحداث المفصليّة في الحياة الشخصيّة، بما في ذلك الزواج أو الترمل.
تحوّل التطريز إلى أداة سياسيّة مقاوِمة بيد الفلسطينيين بعد النكبة، وخلال الانتفاضات اللاحقة، كما اكتسب بُعداً جديداً بوصفه دليلاً مادّياً على الوجود الفلسطيني. وبدأت النساء بإدخال رموز وألوان ذات دلالات سياسيّة، ليغدو البطيخ رمزاً للتضامن بألوانه التي تحاكي العلم الفلسطيني.
تقول رايتشل ديدمان، القيّمة على فنون الشرق الأوسط في متحف فيكتوريا وألبرت في لندن، ومؤلّفة كتاب "خياطة الانتفاضة: التطريز والمقاومة في فلسطين"، أنّ التطريز صار اليوم جزءاً من فهم أوسع لمفهوم الصمود الفلسطيني، وباتت ممارسته كفعل تضامن أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، إذ تظهر على منصة "تيك توك"، نتائج كثيرة لأشخاص ينظّمون حلقات تطريز وورش عمل لتعليم فنّ التطريز.
قد يهمك أيضاً
أمضت ديدمان العقد الماضي بالبحث في فنّ التطريز وتنسيق المعارض في أوروبا ومختلف أنحاء الشرق الأوسط، وذلك عقب دعوة تلقّتها من المتحف الفلسطيني في بيرزيت شمال رام الله في عام 2014

يُقام حالياً معرض "ذاكرة الخيط: التطريز من فلسطين" بمتحف V&A Dundee في اسكتلندا، فيما افتُتح معرض "تطريز فلسطين" بمتحف"مومو" للأزياء في مدينة أنتويرب البلجيكية، حيث تُعرض أعمال حسن إلى جانب أثواب مطرّزة يعود تاريخها إلى أكثر من قرن.
وتقول ديدمان: "غالباً ما يُنظر في المتاحف إلى الأزياء التاريخيّة بوصفها قطعاً جامدة محفوظة خلف الزجاج، بينما كان التطريز واللباس الفلسطيني في القرن التاسع عشر جزءاً حيّاً من عالم الموضة، حيث كانت النساء يتبادلن التأثير. ومن هنا، جاء المعرض في متحف "مومو" للتعامل مع هذا الفنّ كموضة متكاملة، وبناء صلة بين ثوب مطرّز من القرن التاسع عشر وأعمال المصمّمين المعاصرين"، معربة عن إعجابها بالقطع الموجودة التي تتطلب وقتاً طويلاً، وتُحاك في ظروف قاسية.

من جهتها، تقول سمر عبد ربّه، مديرة البرامج الفلسطينيّة في مؤسسة Made in Palestine الإنسانيّة غير الربحيّة في أستراليا والمقيمة في بيت لحم، إنّ الهدف من التطريز كان الاحتفاء بالثقافة، والأرض، والهويّة.
وتُوضح أنّ النساء استخدمن هذا الفنّ التقليدي للاحتفاء بجمالهنّ وأنوثتهنّ، من دون أي بُعد نضالي في بداياته، قبل أن تفرض النكبة تحوّلاً جذرياً، إذ غادرت كثيرات منازلهنّ وهنّ لا يحملن سوى أثوابهنّ، فيما أُحرقت مصانع الأقمشة. مع ذلك، لم تتوقّف النساء الفلسطينيات يوماً عن التطريز.
تُعتبر عبد ربّه، التي أسّست عام 2024 مبادرة "سمرقند" للحفاظ على فنّ التطريز وتعليمه، أنّ ممارسة هذا الفن وسيلة لتكريم إرثها الثقافي.
يشهد التطريز، الذي انتقل تقليدياً بين الأجيال، تراجعاً في الإلمام به لدى الفلسطينيين الشباب، ما دفعها عبد ربه للعمل على سدّ هذه الفجوة، مع اعترافها بوجود بُعد سياسي أيضاً، مستذكرة صورة لقطعة تطريز تحت الأنقاض في غزّة، وحينها أوّل ما خطر في بالها كان الوقت والجهد اللذان بذلتهما المرأة التي صنعتها.
وتشير عبد ربّه عن حلقة التطريز الأسبوعية في مقهى ببيت لحم، لافتة إلى أنّ الإحساس بالمجتمع أثناء التطريز قويّ جداً، حيث تشعر النساء بالراحة والدعم ويتبادلن القصص الشخصيّة، موضحة أنّ اللقاءات مفتوحة للرجال والنساء، وتستقطب فلسطينيين وأجانب.

في عام 2021، اعترفت اليونسكو بالأهمية العالميّة للتطريز الفلسطيني، بإدراجه ضمن القائمة التمثيليّة للتراث الثقافي غير المادّي للبشريّة، في خطوة لحفظه وصونه. ومع ذلك، لا تزال قراءاته السياسيّة مستمرّة حتى اليوم.
ويقول حسن: "لم أشعر يوماً بأنّ حمل التطريز بين لندن وفلسطين فعل محايد؛ فالتطريز تتم قراءته بطرق مختلفة بحسب من ينظر إليه، فقد يُقدَّم كتراث أو حرفة شعبيّة، لكن تحت الاحتلال يتحوّل فوراً إلى فعل سياسي".

ويصف حسن تجربته في معرض "مومو" إلى جانب مصمّمين معاصرين مثل نزال استديو وزيد حجازي بالاستثنائيّة، مضيفاً أنّ "عرض التطريز الفلسطيني والتصميم المعاصر ضمن متحف أوروبي كبير للأزياء هو فعل اعتراف، في وقت تُمحى فيه حياة الفلسطينيين وتاريخهم وأصواتهم بشكل ممنهج".
ويؤكد أن "التطريز ليس مجرّد زخرفة؛ بل هو لغة حيّة، وشكل من أشكال الصمود، وأرشيف يتوارثه الأبناء عن الآباء".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





