اخبار العرب -كندا 24: الخميس 19 فبراير 2026 02:27 صباحاً دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- يبدو الطريق إلى قلعة "كشاز" هادئًا على نحو مبالغ فيه ربما، إذ تمتد التلال المكسوة بالأشجار في الأفق، وتصطف أشجار الطقسوس على امتداد البصر. ثم يبرز مبنى هائل وفي خلفيته محافظة سيليزيا السفلى، في مشهد درامي يصعب تجاهله.
هذه القلعة التي تجمع بين قصر باروكي وحصن يعود لعصر النهضة، تُعد ثالث أكبر قلعة في بولندا، وتبدو كأنها خارجة من حكاية خرافية.
لكن تحت هذه العمارة الباذخة تختبئ قصة أكثر قتامة. هنا، في أعماق جبال البومة البولندية، يوجد مجمّع نازي ضخم تحت الأرض مرتبط بأحد أكثر مشاريع البناء غموضًا في تاريخ الرايخ الثالث، وقطار مفقود محمّل بذهب منهوب، بحسب الأسطورة.
ويمتد تاريخ "كشاز" إلى العصور الوسطى، حين شيّد دوق سيليزيا بولكو الأول، الملقّب بـ"الصارم"، حصنًا على قمة هذا التل. ومع مرور الوقت توسّع ليصبح مقرًا أكثر فخامة.
وفي العام 1466، استحوذ هانس فون شيلندورف على القلعة وسمّاها "Schloss Fürstenstein" وهو الاسم الذي احتفظت به حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وبما أنّ سيليزيا السفلى كانت جزءًا من بروسيا حتى القرن العشرين، أصبحت القلعة واحدة من أهم مقرات الأرستقراطية في ألمانيا.
ولا يزال هذا الإرث ظاهرًا حتى اليوم، حيث يدخل الزوار عبر حدائق مهذبة بعناية قبل أن يعبروا أبوابًا أمامية ضخمة تؤدي إلى غرف مزخرفة لا تبدو وكأنها من قصور فيينا أو باريس.
فصل أكثر قتامةوفي قاعة ماكسيميليان، الغنية بالثريات الفخمة، والمدافئ الرخامية، والجدران المزخرفة بالجص الغني، ينعكس أوج ازدهار القلعة، حين كانت مقصداً للملوك والنبلاء من مختلف أنحاء أوروبا.
ومن أبرز المعالم الأخرى غرف كانت تعود للأميرة ديزي، المولودة في بريطانيا، وهي زوجة هانس هاينريش الخامس عشر فون هوخبرغ، آخر مالك للقلعة. وقد زُيّنت هذه الغرف باللون الوردي المرح، مع مرايا كبيرة وأريكة فاخرة مكسوّة بالمخمل.
وتعبر الجولة المنظمة داخل القلعة العديد من الغرف الأخرى المهيّئة بأناقة، تصطف على جدرانها لوحات زيتية وأثاث عتيق. لكن المشهد يتبدل فجأة.
في زاوية مخفية، داخل ما يبدو في البداية كأنه غرفة ملكية أخرى، تظهر فتحتا مصعد كئيب المظهر، في تناقض صارخ مع الزخارف المحيطة به.
ويقول ماتيوش ميكيتشين، رئيس العلاقات العامة في قلعة "كشاز": "بُنيت هذه المصاعد على يد النازيين عام 1944. ينخفض العمود 50 متراً تحت القلعة وصولاً إلى المخابئ، ويُستخدم كمسار إخلاء سريع".
ويعد الانتقال من الصالونات الفاخرة إلى الآلات ذات الطابع العملي صادمًا. إذ يشير إلى بداية فصل أكثر قتامة مرتبط بمشروع "Riese"، أحد أكثر مشاريع البناء سرية في الرايخ الثالث.

وفي العام 1944، ومع احتدام الحرب العالمية الثانية، استولى النازيون على القلعة من الكونت هانس هاينريش السابع عشر، الذي كان قد انتقل بالفعل إلى إنجلترا. وأصبحت قلعة "كشاز" وجبال البومة بعد ذلك مركزاً لمشروع "Riese"، وهي كلمة ألمانية تعني "العملاق".
وكان الهدف من المشروع إنشاء شبكة من المنشآت الضخمة تحت الأرض في أنحاء سيليزيا السفلى. وقد كُشف حتى الآن عن 7 مجمّعات رئيسية تحت الأرض، إلا أن الغاية الحقيقية من هذه الأنفاق لا تزال غير مؤكدة. إذ دُمرت أو أُخفيت العديد من الوثائق على يد النازيين مع اقتراب نهاية الحرب.
الظروف القاسية
تقع أنفاق كشيونج بعيدًا عن قلب معظم منشآت مشروع "Riese"، ما يزيد الغموض هنا عمقًا. ووفق ميكيتشين، يُفترض أن السبب في ذلك يتمثّل بأن القلعة كانت مُعدّة لتصبح مقرّ أدولف هتلر، رغم أن دليلًا قاطعًا على ذلك لم يظهر قط.
الثمن البشري هو المعروفوقد جُلب أكثر من 13 ألف سجين إلى المنطقة لحفر الأنفاق وبناء البنية التحتية تحت الأرض. أشرفت منظمة تودت، وهي الهيئة الهندسية المدنية والعسكرية لألمانيا النازية، على الأعمال، واعتمدت بشكل كبير على سجناء نُقلوا من معسكري أوشفيتز وغروس-روزن، وكان كثير منهم من السجناء اليهود.
وقد واجه العمال ظروفًا وحشية وضغوطًا لا هوادة فيها. وكانت تفشّيات الأمراض، ضمنًا التيفوس، شائعة. ويقدّر الباحثون أن نحو 5 آلاف شخص لقوا حتفهم أثناء أعمال البناء.

اليوم، يُشكّل هذا التاريخ جزءًا محوريًا من تجربة الزائر، لا سيما في المساحات تحت الأرض.
وتمتد الأنفاق أسفل القلعة لمسافة تقارب كيلومتر و600 متر. وبُنيت بعض الممرات من خرسانة مسلّحة. ويبلغ ارتفاعها 5 أمتار، وهي عريضة بما يكفي لمرور سيارة.
وفي أحد الأنفاق، يمكن رؤية بقايا سكة حديد ضيقة كانت تُستخدم أثناء الحفر.
وتوجد هنا معارض حديثة تستخدم الإسقاطات والمؤثرات الصوتية لسرد قصة مشروع ريزه. وتضيء الشاشات الغرف المظلمة بصور أرشيفية وسياق تاريخي. ويكون الأثر غامرًا، وغالبًا مقلقًا، لا سيما بسبب الكلفة البشرية لتشييد المكان الذي يقف فيه الزائرون.
ويقول العديد من الزوار إن الحجم الهائل ترك أبعد الأثر في نفوسهم.
ذهب مدفون؟
ورغم التاريخ الموثّق، ما تزال الأساطير تدور حول سيليزيا السفلى، لا سيما قصة قطار مخفي محمّل بالذهب النازي المنهوب.
ويقول ميخال ميشتشوك، دليل محلي في مجمّع كبير آخر من مشروع "Riese" قريب من هنا: "حتى اليوم، لا يزال كثير من الناس يبحثون عن الكنوز والأنفاق المخفية هنا".
وطبقا للأسطورة، خلال انسحاب القوات النازية من فروتسواف، التي كانت تُعرف آنذاك باسم برسلاو، عام 1945، قامت بإخفاء قطار مليء بالمقتنيات الثمينة في مكان ما في جبال البومة. وفي العام 2015، حصل صيادو الكنوز على إذن للتنقيب في موقع مشتبه به يُعرف باسم "المنطقة 65"، لكنهم لم يعثروا على شيء.
ومع ذلك، يستمر الغموض، مدفوعا بالوثائق المفقودة وكثرة الأنفاق غير المكتشفة. وعندما انسحب النازيون مع اقتراب الجيش الأحمر عام 1945، دمّروا أو أخفوا مداخل العديد من الممرات تحت الأرض.
يصبح الإيمان بوجود كنزٍ مدفون أسهل عند الوقوف في الأنفاق المظلمة لأوسوفكا، التي تتسم بخشونة صخرية، بخلاف الخرسانة الملساء في الغالب بأنفاق كشيونج.
ويمتد المجمّع لمسافة تقارب كيلومترين، مع قاعات شاهقة وعمود رأسي بارتفاع 48 مترًا. ويتكهّن بعض الباحثين بأنه ربما كان مُخططًا له أن يكون مركزًا رئيسيًا متصلًا بمواقع ريزه الأخرى.
هنا، يسير الزوار عبر ممرات خافتة الإضاءة تنتهي فجأة عند أكوام من الركام. ويتيح مجرى مائي تحت الأرض في جولات بالقوارب الصغيرة عبر أقسام حالكة السواد من الأنفاق.
ولا تزال المعدات المهجورة متناثرة في أنحاء المجمّع، ما يبرز قسوة الظروف التي تحمّلها العمال. وتركّز المعارض هنا بقوة على الخسائر البشرية، وهو جهد متعمّد لضمان أن يكون الموقع مكانًا للذكرى بقدر ما هو مقصد سياحي.
اليوم، تعد القلعة واحدة من أكثر معالم بولندا جذبًا للزوار. ويجلب الربيع حشودًا لمهرجان الزهور والفنون، بينما تستضيف الفنادق القريبة الزوار على مدار العام. كما تستضيف القلعة مؤتمرات وحفلات زفاف وفعاليات ثقافية.
وقد عزّز الشغف العالمي بقصة قطار الذهب النازي المزعوم الاهتمام الدولي بالموقع. ومع ذلك، يواجه مديرو الموقع توازنًا دقيقًا بين الترويج للسياحة وتكريم المعاناة المرتبطة بتاريخه.
وبالنسبة للعديد من المسافرين، هذا التباين يعرّف الزيارة.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






