اخبارالعرب 24-كندا:الثلاثاء 13 يناير 2026 09:13 صباحاً هذا المقال بقلم الدبلوماسي التركي إردام أوزان *، سفير أنقرة السابق لدى الأردن، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.
لم يتفتّت النظام الدولي في لحظة واحدة، بل انجرف. ضعفت آليات التنفيذ، وتراجعت القدرة على ضبط النفس. واتسعت الفجوة بين القوة والمسؤولية إلى حدّ لم تعد معه "فجوة"، بل غدت هي القاعدة الجديدة.
وبحلول عام 2024 ظلّت عبارة "ما يُسمّى بالنظام الدولي القائم على القواعد" متداولة في الخطاب، لكنها عمليًا كانت تفقد معناها. كانت المؤسسات لا تزال قائمة، غير أن سلطتها كانت تتآكل تدريجيًا. وأصبح التناقض بين صورة النظام كما يقدّم نفسه، وواقعه كما هو، صارخًا إلى حدّ يستحيل تجاهله.
وفي 3 كانون الثاني/يناير 2026، في كاراكاس اكتسب هذا الانجراف وجهًا ومكانًا محددًا وموجة جديدة من الجرأة.
ما جرى لم يكن تدخلًا سياسياً مموّهًا بلغة دبلوماسية، وإنما فعلًا عسكريًا متخفيًا في هيئة "إجراء". وقد كشفت "تشاتام هاوس" ذلك بوضوح، مشيرةً إلى أن الولايات المتحدة وصفت العملية بأنها "مهمة استخراج قضائي نفّذها عناصر إنفاذ قانون مدعومون من الجيش".
لكن الواقع على الأرض لم ينسجم مع التسمية. فقد نقلت "رويترز" وقوع ضربات خلال العملية، وانقطاعًا للكهرباء في بعض أجزاء كاراكاس، وأن مادورو نُقل إلى عهدة الولايات المتحدة في نيويورك لمواجهة اتهامات.
قد يهمك أيضاً
وهنا يتجلّى الشرخ الأعمق، حين لا تعود القوة العظمى تشعر بالحاجة إلى إقناع الآخرين بأنها تحافظ على الشرعية، فهذا يعني أن القيود قد انهارت فعليًا. ليس لأن القانون غاب عن الكتب، بل لأنه لم يعد يؤثر في النتائج.
غزة كانت نقطة الانكسار
غزة مثّلت اللحظة التي توقّف فيها العالم عن التظاهر بأن القانون الدولي يقيّد الأقوياء بالمثل مع الضعفاء. فقد وقعت الانتهاكات علنًا، وأصدرت المؤسسات بيانات، لكن الاستجابة كانت شبه منعدمة. وترسخت الفكرة، بدايةً همسًا ثم على نطاق واسع، أن الالتزام بالقواعد يصبح قابلًا للتفاوض عندما يكون استخدام القوة هو العامل الحاسم.
لذا لا يمكن فهم كاراكاس بمعزل عن غزة، لأنها مثال حيّ على ما يحدث عندما يتحوّل الاستثناء إلى سياسة رسمية، وتضطرب الحدود بين "الإجراء الأمني" و"الإكراه خارج الحدود". وحتى صياغة "رويترز" حين ناقشت ما إذا كان هذا "حربًا" أم "إنفاذًا للقانون"، تكشف جوهر المشكلة، إن التصنيف ذاته أصبح يُستعمل كأداة.
قد يهمك أيضاً
وهكذا يتفتت العمل متعدد الأطراف، لا عبر صدام مباشر، بل عبر الاختلاف بالقيم والجوهر. وعن طريق الالتفاف على مجلس الأمن، بتبريرات قانونية ثم يُتعامل معها كخيارات يمكن تجاهلها. وحتى خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة عندما انتقدوا العملية، مشيرين إلى اتجاه أوسع في تجاهل القانون الدولي، لكن بلغة تبدو أقرب إلى "القلق" منها إلى تحليل موضوعي صارم.
من يتعلم أخيرًا ومن يدفع أولًا؟
هذا التفصيل نادرًا ما يحضر في النقاشات الاستراتيجية؛ فالناس العاديون هم عادةً آخر من يلتقط إشارات التحوّل، وأول من يدفع كلفته.
لا يعرفون النتائج إلا بعد وقوع الأحداث مثل الضربات، وانقطاعات الكهرباء، وصدمات العملة، وتباطؤ الموانئ، وارتفاع أقساط التأمين، وتجميد رؤوس الأموال، وارتفاع الأسعار. في المقابل، تناقش النخب القضايا بمنطق الردع والعدالة، بينما يواجه الجمهور الندرة واللايقين والخوف وارتفاع تكاليف المعيشة.
يتجلى هنا نمطٌ شبه ثابت في سياسة فرض الواقع الحالية، تبدأ العملية بضربات واضطرابات واعتقالات تُحدث "الصدمة"، ثم يُفتح الباب لمفاوضات دبلوماسية تأتي بوصفها مخرجًا، وتتبعها وعود تطمين اقتصادي تُقدَّم كترميمٍ للفوضى. وفي الحالة الفنزويلية تحديدًا، تشير تقارير إلى أن ترامب أوقف لاحقًا جولة ثانية من الهجمات بعدما تحدّث عن "تعاون" قائم، وركّز على إطلاق سراح سجناء، بالتوازي مع طرح خطط لاستثمارات أمريكية كبيرة في قطاع النفط والغاز.
وعليه، فإن هذا المسار الذي يبدأ بالصدمة، ثم فوضى، ثم صفقات "إعادة إعمار"، ليس عودةً إلى القواعد، بل إيقاعٌ جديد للقوة: نفّذ أولًا، فسّر لاحقًا، ثم حوّل الفعل إلى ربح بعد ذلك.
قد يهمك أيضاً
ومن هنا تتولد المراجعة السياسية طبيعيًا، عندما يستطيع الأقوياء اختيار الالتزام بالشرعية من عدمه، تصبح المساءلة في الداخل أيضًا أمرًا قابلًا للتعطيل. ومحاولة مجلس الشيوخ الأمريكي تقييد صلاحيات الحرب المتعلقة بفنزويلا تعكس قلقًا من سرعة نشر القوة وغموض تصنيف استخدامها.
لأنه إن كان هذا "إنفاذًا للقانون"، فلماذا يحتاج إلى ضربات وقوات خاصة؟ وإن كان "حربًا"، فلماذا تُعامل الموافقة الديمقراطية كعائق مزعج؟ في كل الأحوال، الجمهور في كل مكان يدفع الثمن.
ما سيأتي ليس "عقيدة".. بل محاكاة
فأخطر السوابق هي التي تنتقل، إذا جرى اعتقال رئيس دولة وهو في منصبه تحت سردية "إنفاذ القانون"، فسيدرس الآخرون الطريقة لا الأسباب. وستصبح هذه السابقة ليست أمريكية فقط، بل سلوكاً أكثر قبولاً في سيناريوهات أخرى. فهي تخفّض كلفة الإكراه خارج الحدود، وتجعل فكرة إزاحة القادة بالقوة بدل التفاوض معهم أكثر فعالية.
وهنا يتحول المشهد في العالم وتصبح الاستثناءات إلى معيار، وتُبرَّر القوة بأثر رجعي في كثير من الأحيان، ويعيد فيه الأقوياء تشكيل حدود الشرعية بالفعل والإذعان.
ويصبح العالم بلا مكابح، كما يحدث الآن من تحول خطير آخر، وهو انتقال تركيز الولايات المتحدة الاستراتيجي شمالًا نحو القطب الشمالي وغرينلاند، فهذا الحيز المتجمد بات يمثل ساحة صراع مستقبلية مفصلية للإنذار المبكر، والدفاع الصاروخي، والمراقبة الفضائية. فهذا النظام الذي بلا ضوابط لا يخاطر فقط بالانهيار من الداخل، وإنما أيضًا بالتمدد إلى الخارج.
ومع تحوّل التركيز الأمريكي شمالًا، تتراجع أوروبا إلى الخلف. وتواجه الشراكة عبر الأطلسي قدرًا أكبر من اللاتماثل؛ إذ تعتمد أوروبا بدرجة كبيرة على أمن توفره الولايات المتحدة، بينما توزع واشنطن اهتمامها عالميًا. وهذا يجعل الثقة أكثر هشاشة مع تراجع القدرة على التنبؤ. ورغم إمكانية بقاء التحالف، إلا أن هرمية الداخل ستتغير.
وفي الشرق الأوسط، تغدو الرسالة أكثر إلحاحًا، واهتمام الولايات المتحدة بالإقليم بات محدودًا وتزداد التحديات التي تزاحمه. وإقليمٌ كان يعتمد سابقًا على تركيز واشنطن يجد نفسه اليوم مضطرًا للتكيّف مع واقعٍ تُقسَّم فيه الأولويات على جبهات متعددة.
السابقة التي صُنعت في كاراكاس تُسرّع هذا التحول. إنها تقول إن الفعل الأحادي عاد، وإن التبرير القانوني اختياري، وإن الأقوياء سيتصرفون أولًا ثم يشرحون لاحقًا. وهي تدعو إلى التقليد، وتخفيض الكلفة السياسية لاستخدام القوة، وتخلق عالمًا تسبق فيه القوة آليات الردع المصممة لتقييدها.
بالنسبة للقوى المتوسطة، هذا إعلان عن تحول نحو الاعتماد على الذات، ويصبح التحوّط استراتيجية مركزية، تنتقل فيها الدبلوماسية إلى إدارة المخاطر، ويضيق هامش الحياد، وتزداد كلفة سوء التموضع.
قد يهمك أيضاً
ويدخل العالم إلى مساحة تتحرك فيها القوة أسرع من قدرة المؤسسات على التكيف، أي بلا مكابح فعليًا. وفي هذا النظام الجديد، يحدد الفاعلون الأكثر نفوذًا حدود الشرعية بأفعالهم لا بالاتفاق المتبادل. فكما كانت غزة إنذارًا، كاراكاس تؤكد ذلك.
والمقلق بالنسبة للقوى المتوسطة ليس ما إذا كان هذا النمط سيستمر، بل أين ستقع "عملية استخراج" جديدة بينها.
* نبذة عن الكاتب:
إردام أوزان دبلوماسي تركي متمرس يتمتع بخبرة 27 عامًا في الخدمة الدبلوماسية. وقد شغل العديد من المناصب البارزة، بما في ذلك منصبه الأخير كسفير لدى الأردن، بالإضافة إلى مناصب في الإمارات العربية المتحدة والنمسا وفرنسا ونيجيريا.
ولد في إزمير عام 1975، وتخرج بمرتبة الشرف من كلية العلوم السياسية بجامعة أنقرة. واكتسب معرفة واسعة بالمشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الشرق الأوسط، حيث قام بتحليل تعقيدات الصراعين السوري والفلسطيني، بما في ذلك جوانبهما الإنسانية وتداعياتهما الجيوسياسية.
كما شارك في العمليات الدبلوماسية المتعددة الأطراف، وتخصص في مجال حقوق الإنسان والتطورات السياسية الإقليمية. وتشمل مساهماته توصيات لتعزيز السلام والاستقرار من خلال الحوار والتفاوض بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية. ويواصل حاليا دراساته عن الشرق الأوسط بينما يعمل مستشارا.
أخبار متعلقة :