اخبار العرب -كندا 24: الأربعاء 10 يونيو 2026 08:39 صباحاً في وقت يفرض فيه الانسداد شبه الكامل لمضيق هرمز، وتصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، واقعاً جيوسياسياً معقداً على سلاسل الإمداد العالمية منذ نهاية فبراير (شباط) الماضي، ينبثق من قلب هذا الحصار البحري ممر بري استراتيجي واعد يعيد رسم خريطة النقل والتجارة الدولية. فبين الرياض وأنقرة، يمتد اليوم حراك لوجستي مكثف يتجاوز حدود التفاهمات الثنائية التقليدية ليقود صياغة بديل بري آمن ومستدام لتدفقات الطاقة والسلع وغذاء المنطقة نحو الأسواق العالمية.
وجاء التوقيع الرسمي يوم الثلاثاء بين وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي، صالح الجاسر، ونظيره التركي، عبد القادر أورال أوغلو، على مذكرات التفاهم الشاملة للسكك الحديدية والعمليات والتكنولوجيا اللوجستية، ليضع حجر الأساس التنفيذي لهذا التحول؛ حيث يتجاوز الاتفاق مجرد تسهيل حركة البضائع الآنية، إلى بناء منظومة ربط عابرة للحدود تمثل خط دفاع تشغيلياً ضد الأزمات البحرية الجارية. وفق الوزير التركي، فإن مشروع الربط السككي يستند إلى بنية تحتية قائمة بالفعل في كل من السعودية وتركيا، مبيناً أن الجانب السعودي أنجز الجزء الخاص به حتى الحدود الأردنية، فيما تمتد شبكة السكك الحديدية التركية إلى الأراضي السورية. وأشار إلى احتمالية انضمام العراق إلى المشروع لاحقاً.
من الناحية الفنية والتشغيلية، يتشكل هذا الممر اللوجستي العملاق عبر شبكة سككية متصلة ومدروسة جغرافياً؛ حيث ينطلق الخط من إسطنبول ليربط الشبكة التركية المتطورة بالعمق العربي، عابراً الحدود الجنوبية لتركيا نحو سوريا عبر النقطة الرئيسية في حلب، ثم ينساب جنوباً ليصل إلى دمشق بوصفها قطب ارتكاز أوسط للمشروع. ومن العاصمة السورية، يمتد المسار مباشرة ليعبر الحدود نحو الأردن مروراً بعمّان، وصولاً إلى الحدود السعودية عند منفذ «الحديثة»، وهو النقطة الاستراتيجية التي تلتقي فيها الشبكات السورية والتركية بالبنية التحتية المتطورة لـ«شبكة الخطوط الحديدية السعودية (سار)».
وداخل الأراضي السعودية، يكتسب المسار أبعاداً تنموية بالغة الجدوى؛ إذ يمر بخطوطه الرئيسية والفرعية بمشروعات كبرى، مثل ميناء نيوم بوصفه ممراً لوجستياً مستقبلياً لربط موانئ البحر الأحمر، ويتجه مباشرة ليربط الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، قبل أن يتكامل هيكلياً مع مشروع «شبكة القطار الخليجية الموحدة». هذا الامتداد الخليجي يفتح المجال أمام مستهدفات الخط بعيدة المدى للوصول إلى سلطنة عُمان وبحر العرب؛ مما يمنحه صفة «الممر البري الشامل» العابر للقارات الذي يطوق كل نقاط الاختناق المائي التقليدية.

وفي تحليل لأبعاد هذا المشروع، يرى الخبير اللوجستي نشمي الحربي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن مذكرات التفاهم الموقعة «تترجم بشكل عملي رؤية إنشاء ممر بري يربط الخليج بأوروبا مباشرة عبر الأردن وسوريا وتركيا». وأوضح الحربي أن التكامل بين امتلاك المملكة منفذين بحريين على البحر الأحمر والخليج العربي، وأن تركيا البوابة البرية الطبيعية لأوروبا، «يحوّل السعودية من نقطة نهاية لوجستية إلى محور عبور استراتيجي حقيقي يربط 3 قارات».
وأضاف الحربي أن «القيمة المضافة لمرونة سلاسل الإمداد تكمن في الاستفادة من دروس اضطرابات البحر الأحمر، التي أثبتت أن التنوع في الممرات بات ضرورة ملحة لا ترفاً اقتصادياً، حيث ينشئ المشروع مسارات برية بديلة تعزز مرونة النقل بين آسيا وأوروبا، وتكون بمنأى تام عن التأثر بإغلاق المضائق المائية أو تقلبات تكاليف التأمين البحري»، مشيراً إلى أن حجم الاستثمارات المطلوبة لهذا الخط تُقدَّر بنحو 5.5 مليار دولار.
وأكد الخبير اللوجستي أن هذا التوجه «ينسجم تماماً مع الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، الرامية إلى ترسيخ مكانة المملكة بوصفها مركزاً عالمياً، ويغذي محورَي الربط الإقليمي وتوطين صناعة السكك الحديدية، مستنداً إلى أرضية صلبة، لا سيما أن المملكة حققت مسبقاً المركز الـ5 عالمياً في سرعة مناولة الحاويات». ولفت الحربي إلى أن «الأثر العملي للمشروع، الذي يتضمن تبادل أفضل الممارسات في الشحن وخدمات المِيل الأخير وتطوير المراكز اللوجستية المشتركة، سيثمر تخفيض زمن عبور الشحنات بين الخليج وأوروبا من أكثر من 30 يوماً عبر المسارات البحرية التقليدية، إلى أقل من أسبوعين براً فور اكتمال المشروع».
من جانبه، أكد الخبير اللوجستي حسن آل هليل، لـ«الشرق الأوسط»، أن مذكرات التفاهم بين المملكة وتركيا تمثل «خطوة استراتيجية تعزز دور المملكة بوصفها مركزاً رئيسياً لإعادة التصدير وتوزيع البضائع». ولفت آل هليل إلى أن هذا التحرك يأتي في توقيت دقيق تواجه فيه التجارة العالمية تحديات متصاعدة؛ «حيث تسببت الاضطرابات الجيوسياسية في الممرات البحرية الحيوية خلال الأشهر الماضية في قفزات قياسية لتكاليف الشحن والتأمين البحري، تجاوزت حاجز 300 في المائة، مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة؛ نتيجة اضطرار السفن إلى ارتياد مسارات التفافية أطول وأعلى مخاطرة».
وأوضح آل هليل أن الممر اللوجستي السعودي - التركي يمنح الموردين والمصدرين «خيارات نقل متعددة الوسائط، تجمع بين الشحن البحري عبر الموانئ السعودية، والنقل البري والسككي الممتد عبر تركيا نحو عمق الأسواق الأوروبية وآسيا الوسطى. هذا التنوع التشغيلي يسهم مباشرة في خفض التكاليف المرتبطة بالتخزين وإعادة المناولة، ويحد من الاعتماد على مسار بحري أحادي؛ مما يضمن استقرار تدفقات السلع والمنتجات بكفاءة تنافسية عالية تعظّم الاستفادة من الاستثمارات الضخمة التي ضختها المملكة في بنيتها التحتية المينائية»، وفق ما قاله.
فوارق جوهريةوبشأن مقارنة هذا الشريان بمشروع «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط (آي إم إي سي - IMEC)»، حدد الحربي 3 فوارق جوهرية حسمت الأفضلية للمسار السعودي -التركي؛ «أولها المسار الجغرافي الذي يمر عبر سوريا والأردن وصولاً إلى تركيا، بدلاً من مرور (الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط) عبر إسرائيل. وثانيها طبيعة الوضع التنفيذي؛ حيث يرتكز المشروع الحالي على مذكرات موقعة بخريطة طريق فنية واضحة، مقابل مشروع (الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط) المعلق منذ عام 2023. أما الفارق الثالث، فيكمن في الأبعاد الجيوسياسية؛ إذ إن تركيا، التي انتقدت سابقاً تجاوز الممر أراضيها، تعود عبر هذا المسار الجديد بقوة إلى قلب خريطة الربط الأوروآسيوي الاستراتيجي».
وفي هذا السياق، يضيف حسن آل هليل فارقاً تشغيلياً حاسماً، موضحاً أن مشروع «آي إم إي سي (IMEC)» يُصنف «مشروعاً استراتيجياً طويل الأجل يتطلب استثمارات هيكلية ضخمة»، في حين يرتكز التعاون السعودي - التركي الحالي على «تعظيم الاستفادة من البنى التحتية القائمة بالفعل» والربط التشغيلي الفوري بين شبكتين لوجستيتين متطورتين؛ مما يجعله قادراً على تحقيق نتائج تشغيلية ملموسة على الأرض في المدى المنظور وبوتيرة أسرع بكثير لتلبية احتياجات السوق الراهنة».
إحياء «إرث قرن»هذا الشريان البري الصاعد ليس وليد اليوم، بل هو إعادةُ إحياءٍ طَموحٌ وبعقلية استثمارية حديثة لإرث تاريخي يعود لأكثر من قرن من الزمان؛ إذ يمثل امتداداً لـ«خط سكة حديد الحجاز» الذي بدأ تشغيله الفعلي عام 1908 ليربط إسطنبول بالمدينة المنورة ومكة المكرمة عبر سوريا والأردن. في تلك الحقبة، كانت دمشق تمثل نقطة ارتكاز رئيسية تتفرع منها الخطوط شمالاً وجنوباً، إلى جانب امتدادات فرعية حيوية كانت تصل إلى لبنان - لا سيما العاصمة بيروت، وميناء حيفا الفلسطيني تاريخياً - مما جعله شبكة إقليمية متكاملة تضمن ترابط المنطقة، قبل أن يتفكك الخط إبان الحرب العالمية الأولى.
تأتي هذه الاتفاقيات بعد استكمال أطراف خط الربط خطوات تشغيلية متقدمة؛ حيث أعلنت أنقرة تفعيل مذكرة تفاهم ثلاثية مع سوريا والأردن لتحديث الشبكات وربط خط السكك الحديدية بين تركيا وحلب، ومن ثم دمج خط «حلب - دمشق - الأردن». وفي المقابل، أشار وزير النقل السعودي، صالح الجاسر، إلى أن الشبكة الحديدية السعودية تمتد حالياً بالفعل حتى الحدود الأردنية عبر منفذ «الحديثة»؛ مما يمنح المشروع مرونة فائقة للتنفيذ، لافتاً إلى أن الدراسات الفنية المشتركة ستُكتمل بحلول نهاية العام الحالي لتعزيز نظام نقل بري مستدام.
ووفقاً للمعلومات الفنية، فإن مسار الخط الجديد سيمر بميناء «نيوم» ليربط المشروعات العملاقة للمملكة بقلب أوروبا عبر تركيا.
تمويلات دولية وضغوط تشغيليةوفي سياق متصل يعزز من جاهزية هذا الشريان، أعلن «البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (إيه دي بي - ADB)» موافقته الرسمية على تقديم قرض بقيمة 645.83 مليون يورو (ما يعادل نحو 750 مليون دولار) حزمةً أولى للإسهام في تمويل إنشاء خط سكة حديد أخضر جديد بطول 127 كيلومتراً في تركيا. ويهدف هذا المشروع الاستراتيجي، الذي يحمل اسم «مشروع عبور سكة حديد شمال إسطنبول»، إلى تجاوز المنطقة الحضرية المزدحمة في إسطنبول، وتوفير وصلة برية عالية السعة للشحن والركاب عبر مضيق إسطنبول؛ مما يسهم مباشرة في فك اختناقات سلاسل الإمداد الدولية، وربط أكبر مطارين في تركيا بشبكة القطارات.
وتُقدر التكلفة الإجمالية الاستراتيجية للمشروع التركي بنحو 8.27 مليار دولار، بمشاركة «البنك الدولي» ومؤسسات تمويل دولية أخرى لرفع حصة النقل السككي الأوروآسيوي.
في المحصلة، فإن هذا التحرك السككي المشترك يؤسس لثورة غير مسبوقة في مفاهيم الشحن الإقليمي، من خلال إزاحة المعوقات الزمنية والجغرافية التي فرضتها اضطرابات البحار؛ إذ إن اختصار زمن وصول البضائع لأقل من أسبوعين يعيد توجيه البوصلة الاستثمارية نحو هذا الشريان البري الصاعد على حساب المسارات التقليدية والبدائل المعلقة.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير







