اخبار العرب -كندا 24: الخميس 14 مايو 2026 04:51 مساءً في قلب العاصمة السويسرية بيرن، حيث تلتقي الحداثة الأوروبية بصرامة القوانين الفيدرالية، ينسج شاب ثلاثيني من أصول مغربية خيوط حكاية تبدو أقرب إلى الفانتازيا السياسية منها إلى الواقع المعيش. بين جدران مكتبه، يبدأ يونس لاوِينر يومه كمتخصص عادي في تكنولوجيا المعلومات، لكنه بمجرد أن يغلق شاشة حاسوبه، ينفض عنه غبار الوظيفة التقليدية ليرتدي عباءة «الملك جوناس الأول»، الإمبراطور المحاط بالحراس، والمسلّح بمدفع عتيق ودبابة ألمانية، والمهيمن على «دولة» تتمدد بصمت عبر ثغرات السجلات العقارية السويسرية. هذه المفارقة الصادمة بين حياة الموظف وهيبة العرش المزعوم، لم تعد مجرد هواية عابرة أو صرعة من صرعات العالم الافتراضي، بل تحولت إلى مشروع سياسي يطرق اليوم أبواب مؤسسات الحكم الحقيقية في كانتون بيرن، ليعيد تعريف الحدود الفاصلة بين الطموح الجامح، والهوس الفردي، والسيادة القانونية.
بدأت ملامح هذا المشروع الشخصي الغريب، الذي يطلق عليه اسم «مملكته»، تتشكل يوم ميلاده العشرين. يونس، المولود لأب سويسري وأم مغربية، تلقى حينها قطعة أرض كهدية من والده. من تلك النقطة، لمعت في ذهنه فكرة تأسيس «إمبراطورية لاوِينر»، ونصب نفسه ملكاً وإمبراطوراً عليها تحت اسم «جوناس الأول»، ليبدأ بعدها رحلة التوسع العقاري.
ولأجل السيطرة على مساحات جديدة، ابتكر يونس أسلوباً قانونياً مثيراً للجدل، إذ يبحث عن الأراضي المهملة التي لا يملكها أحد في السجل العقاري الرسمي، ثم يقوم بتسجيلها باسمه في مصلحة الشهر العقاري بشكل قانوني تماماً. ويشرح في حديث لوسائل الإعلام السويسرية طريقته، قائلاً: «أنا لا أشتري الأراضي ولا أنتزعها من أحد، بل ما أفعله هو تقييد مطالبتي بها في السجل العقاري».
يونس، الذي يشتغل في الحياة اليومية متخصصاً في تكنولوجيا المعلومات، يدير اليوم بمساعدة فريق من 10 أشخاص نحو 145 قطعة أرض موزعة على 9 كانتونات سويسرية (Canton)، بمساحة إجمالية تقارب 65 ألف متر مربع. وكانت آخر «فتوحاته العقارية» موقعاً صناعياً بمساحة 5800 متر مربع في منطقة بيرثود بكانتون بيرن.
بين الخيال والواقع... تاج ودبابة وعملة
يمتلك «جوناس الأول» ترسانة من المظاهر الملكية تشمل تاجاً فخماً، وسيفاً لامعاً، ومدفعاً قديماً، وزياً مستوحى من قادة أميركا الجنوبية. وفي عام 2019، أقام حفل تتويج لنفسه في كنيسة «نيديج» التاريخية في بيرن بعد استئجارها، وسط حضور من أصدقائه وممثلين محترفين جرى استئجارهم لأداء أدوار الحاشية. وعن ذلك يقول: «لا أريد أن يتذكرني الناس كرجل أعمال، أريد أن يخلد اسمي كملك».
ورغم الطابع الاستعراضي للحفل، يصرّ يونس على توازنه بين الخيال والواقع: «أنا ملك على أراضٍ، لكني أيضاً مواطن سويسري فخور، أحترم القوانين كافة وأدفع ضرائبي بانتظام».
ولا تقتصر الإمبراطورية على الأراضي، بل تمتد إلى «جيش» مصغر من الحراس والمقربين يجري تدريبات أمنية، مستعيناً أحياناً بعربة مدرعة (دبابة ألمانية قديمة). وفي أبريل (نيسان) 2024، حاول قيادة هذه المدرعة إلى الساحة الفيدرالية في بيرن، إلا أن سلطات النقل رفضت منحه التصريح اللازم، ما أجبره على إبقائها في المرآب.
وعبر موقع إلكتروني مخصص لـ«المملكة»، يعرض يونس حدود «دولته»، وعلم الإمبراطورية، ونشيدها الوطني، وصكوك عملة خاصة بها تحمل وجهه تسمى «الفيلار الإمبراطوري» وتساوي نحو 23 فرنكاً سويسرياً، بالإضافة إلى شجرة عائلة يزعم أنها تعود للقرن السابع عشر. ويفتح الموقع الباب لأي شخص للتقدم بطلب للحصول على «الجنسية الإمبراطورية».
ظاهرة «الدول المجهرية» والسياسة المحلية
تندرج خطوة لاوِينر ضمن ظاهرة عالمية تُعرف بـ«الدول المجهرية» (Micronations)
، حيث يقوم أفراد بإعلان دولهم المستقلة من طرف واحد على أراضٍ واقعية أو افتراضية دون اعتراف دولي. لكن ما يميز حالة يونس هو محاولته دمج هذا الخيال الجامح بالعمل السياسي الحقيقي
داخل النظام الفيدرالي السويسري عبر الترشح للحكومة المحلية.
ويعترف يونس بأنه لا يحظى بأي اعتراف رسمي ولا يمارس أي سلطة سياسية فعلية في سويسرا مرتبطة بلقبه، لكنه يصرّ بذكاء: «لا يمكنكم نفي أنني ملك سويسرا، فمن غيري طالب بهذا اللقب؟ لا أحد». ورداً على الانتقادات واتهامه باليمين المتطرف بسبب المدفع الرابض أمام بيته، يجيب بحسم: «المدفع غير صالح للاستخدام. أنا سويسري أحب النظام والانضباط العسكري، لكني لا أريد إيذاء أحد».
من وهم العرش إلى بيزنس الواقعيتكشف وراء بريق التاج المستأجر وهيبة الجيش الافتراضي مشروع استثماري ذكي؛ فالملك «جوناس الأول» لم يعد يكتفي بالوجاهة السياسية التي منحه إياها مقعده في المجلس التشريعي بمدينة بيرثود، بل نجح في تحويل «إمبراطوريته العقارية» المترامية عبر الكانتونات إلى دجاجة تبيض ذهباً من خلال فرض رسوم صيانة على الطرق الواقعة ضمن أراضيه المبتكرة. هذا المشروع غير التقليدي بات يدر عليه أرباحاً طائلة قد تدفعه قريباً لمغادرة وظيفته في قطاع تكنولوجيا المعلومات، ليثبت الشاب الثلاثيني أنه رغم تمسكه الحرفي بالدستور الفيدرالي السويسري، استطاع بذكاء شديد أن يمزج بين الخيال والواقع، محولاً ثغرات قانون السجلات العقارية إلى عرش سياسي، واستثمار مالي حقيقي عابر للحدود.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






