اخبار العرب -كندا 24: السبت 9 مايو 2026 12:15 مساءً تعاملت السلطات الجزائرية ببرودة تجاه خطوة باريس اللافتة نحو تطبيع العلاقات بين البلدين، والمتمثلة في إرسال الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو؛ للمشارَكة في مراسم إحياء ذكرى «مجازر 8 مايو (أيار) 1945» في شرق الجزائر، حيث قتل الجيش الفرنسي في أثناء الحقبة الاستعمارية آلاف الجزائريين خلال مظاهرات مطالِبة بالاستقلال.
وفي حين غاب ذكر الزيارة، التي بدأت الجمعة، عن غالبية وسائل الإعلام الرسمية، استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الوزيرة الفرنسية، السبت، حاملةً إليه رسالةً من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفق ما جاء في بيان مقتضب للرئاسة الجزائرية.
وأرجعت مصادر مطلعة تجاهل الإعلام إلى «عدم صدور إدانة صريحة أو اعتذار رسمي من الوزيرة عن الجرائم الاستعمارية»، وهو ما يظلُّ «خطاً أحمر» في ملف الذاكرة المُعقَّد بين البلدين، وقضية فارقة تُحدِّد شكل العلاقات الثنائية.
وغاب أي ذكر لمشارَكة أليس روفو، وزير المجاهدين الجزائري عبد المالك تشريفت، الاحتفالات بمرور 81 سنة على «مذابح سطيف وقالمة وخراطة»، التي جرت بمدينة سطيف (300 كيلومتر شرق العاصمة)، في القنوات التلفزيونية العمومية والصحف الحكومية المعرَّبة والفرنكفونية، بينما خصَّصت الصحف الخاصة حيزاً بسيطاً لوجود عضوة الحكومة الفرنسية، التي حلَّت بالجزائر ومعها سفير فرنسا لدى الجزائر ستيفان روماتيه، الذي كانت باريس قد سحبته قبل سنة في سياق تصاعد التوترات التي نشأت إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء بنهاية يوليو (تموز) 2024.
لا مستقبل قبل الاعتذاروخصَّصت «وكالة الأنباء الجزائرية» 60 كلمة فقط عن حضور روفو الاحتفالات، ونقلت عنها تصريحها بأنَّه «يجب التحلي بالشجاعة للنظر إلى التاريخ كما حدث في حقيقته، مع احترام ذاكرة الجزائر». كما أشارت إلى أنها «وضعت إكليلاً من الزهور أمام النصب التذكاري المخلد للمجازر».
ونشر حساب وزارة المجاهدين بالإعلام الاجتماعي صورة للوزير تشريفت مع الوزيرة الفرنسية روفو، مرفقة ببيان مقتضب يشير إلى «حضور» موفدة الرئاسة الفرنسية إلى سطيف.
وفي تقدير مصادر مقربة من الحكومة، فإنَّ عدم وجود مؤشرات استبقت الزيارة توحي باعتراف فرنسي رسمي بأنَّ «مجازر الثامن من مايو» ترقى لكونها «جريمة ضد الإنسانية»، يفسِّر إلى حدٍّ ما عدم تحمُّس السلطات لاستقبال الوزيرة الفرنسية.
وبهذا الخصوص، كتبت صحيفة «الوطن» الفرنكفونية، وهي أكبر الصحف الخاصة في الجزائر: «رغم موافقة الجزائر على استقبال وزيرة فرنسية في سطيف يوم 8 مايو، فإنَّها فرضت سُلَّم أولويات واضحاً: لا حديث عن المستقبل قبل مواجهة الماضي. ففي الوقت الذي كانت فيه فرنسا تحتفل بتحرُّرها من النير النازي، كانت مجازر سطيف وقالمة وخراطة تحصد أرواح عشرات الآلاف، (45 ألف قتيل بحسب الأرقام الجزائرية الرسمية)؛ وهذا التناقض الصارخ هو ما طالبت الجزائر باريس دوماً بالاعتراف به صراحة».
ذوبان الجليد لا يعني المصالحةوعادت الصحيفة إلى خطوات تمَّت في المدة الأخيرة لإزالة التوترات، فقالت: «لقد انتظرت الجزائر تذليل العقبات (في علاقتها مع فرنسا) واحدة تلو الأخرى قبل أن تفتح الأبواب: بدءاً من عفو الرئيس تبون عن بوعلام صنصال، ورحيل وزير الداخلية برونو ريتايو (تصدر الأزمة في بدايتها)، وصولاً إلى زيارة وزير الداخلية الجديد لوران نونيز في فبراير (شباط) الماضي، واستئناف ترحيل الجزائريين المقيمين بطريقة غير قانونية في فرنسا؛ وهي الخطوة الملموسة التي كانت باريس تلحُّ عليها. إنَّ هذا التسلسل للأحداث يظهر جزائر تتفاوض من موقع قوة، مدركةً تماماً أنَّ باريس هي مَن تحتاج إلى هذا المسار من التطبيع أكثر منها».
وأضافت: «أما قضية الصحراء الغربية، فلا تزال قائمةً بكل تعقيداتها. وفي حين يحرز ملف مصالحة الذاكرتين تقدماً، فإنَّه لا يزال يصطدم بغياب اعتذارات رسمية فرنسية تطالب بها فئات من المجتمع المدني والطبقة السياسية في الجزائر». ووفق «الوطن» فإنَّ «مساعي إذابة الجليد هي حقيقة واقعة، لكن في الجزائر، يدرك الجميع أنَّ ذوبان الجليد لا يعني بالضرورة المصالحة».
خطوات رمزيةمن جهتها، كتبت صحيفة «الشروق»، المعروفة بخطها المعادي لفرنسا: «بينما تطالب الجزائر فرنسا باعتراف رسمي وصريح بجرائم الاستعمار كافة (1830 - 1962)، تكتفي باريس باعترافات في بعض الوقائع التاريخية بشكل جزئي»، مشيرة إلى أنَّ «تعاطي فرنسا والرئيس إيمانويل ماكرون مع مجاز 8 مايو لم يتجاوز الخطوات الرمزية».
وعلَّق الباحث الجزائري في تاريخ الاستعمار الفرنسي بالجزائر، حسني قيتوني، على بيان «الإليزيه» الذي يعلن فيه زيارة الوزيرة روفو، قائلاً: «إنه لا يتضمَّن أي كلمة تصف ما وقع. هناك حديث عن الحقيقة دون أي تعريف قانوني للأحداث. وبالتالي، لا يوجد اعتراف رسمي بـ(الجرائم ضد الإنسانية)»، وهو مصطلح شائع الاستخدام بين المؤرخين والجانب الجزائري.
وفي قراءته للبيان ذاته، لفت قيتوني إلى «خلوّه من أي تعبير عن الندم أو اعتذار صريح»، عادّاً أنه «مجرد سردٍ للذاكرة التاريخية، يفتقر لطلب المغفرة». كما انتقد «غياب أي إشارة لمسؤوليات فرنسية محددة عن الجرائم التي اقترفها الجيش الاستعماري والمستوطنون وأجهزة القمع، أو حتى تسمية الشخصيات المتورطة فيها، رغم أنَّها موثَّقة بشكل واسع، بما في ذلك في الأرشيف الفرنسي نفسه».
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير






