اخبار العرب -كندا 24: الاثنين 4 مايو 2026 08:15 صباحاً يُشكّل المفكّر العسكري البروسي، كارل فون كلوزفيتز، نقطة تحوّل في الفكر العسكري التاريخيّ، حسبما يقول كثير من المؤرخين؛ فهو الذي ارتقى في وصف الحرب بأنها «السياسة، لكن بوسائل أخرى». الحرب، بالنسبة إليه، هي عملية «حرب إرادات». فهي عملية سياسيّة واجتماعيّة معقّدة جدّاً. إنها كالحرباء (Chameleon)، تُغيّر لونها حسب المحيط الذي توجد فيه. وفيها الاحتكاك (Friction)، أي البون الشاسع بين التخطيط على الورق وعمليّة التنفيذ، الأمر الذي حدا بالقائد العسكريّ الألماني، هلموت فون مولتكه الأكبر، للقول: «إن أفضل مخططات الحرب لا يصمد بعد الطلقة الأولى». وبالنسبة إلى كلوزفيتز، خوض الحرب هو كمن يحاول الركض في الوحل.
يؤكّد المفكّر الفرنسيّ الكبير الراحل، غاستون بوتول، ما خلص إليه كلوزفيتز، ويقول إن الحرب هي أروع الظاهرات الاجتماعيّة، فهي التي ولّدت التاريخ، والتاريخ هو تاريخ المعارك وسيبقى كذلك.
لكن الحرب ليست مستمرّة في الزمان والمكان، فعليها أن تتوقّف لقياس النجاح أو الفشل، وبناء عليهما سيتحتّم اتخاذ قرار بوقف الحرب، أو الاستمرار فيها، أو تغيير الاستراتيجيات، في حال كونها خاطئة ولا تؤدّي إلى تحقيق الأهداف السياسيّة. وفي هذا الإطار، يقول رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل عن الحرب إنها «عبارة عن سلسلة من الكوارث التي تؤدي إلى نتيجة غير متوقعة».
في «اللاتماثل» (Asymmetry)تقوم الحياة ككل على اللاتماثل، وهو لا يقتصر فقط على المفهوم الحربيّ أو الاستراتيجيّ. فبين الفقير والغني هناك لا تماثل، وبالاتجاهين. في العلاقة الجندرية هناك لا تماثل أيضاً. يميل الإنسان عادة في علاقاته مع الآخرين إلى التركيز على نقاط ضعف الآخر واستغلالها كي يفرض إرادته. وهذا في جوهره يُعدّ لا تماثلاً. يكثُر الحديث في مجالات التحليل العسكري عن النزال بين داوود وجالوت بوصفه حرباً لا تماثليّة بين قويّ وضعيف. لكن الارتقاء في تحليل هذه القصة إلى المستوى الفلسفيّ (وليس من منظور ديني) يدلّ على ثبات الطبيعة البشريّة في أنها دائماً تذهب إلى الأسهل والأقلّ كلفة. فالقصة هنا ليست قصة «صغير يهزم عملاقاً». القصة لها أبعاد عسكريّة وسياسيّة ونفسيّة في الوقت نفسه. فالمقلاع في ذلك الوقت كان من الأسلحة الأكثر استعمالاً وفاعليّة. لكن الأهمّ في تاريخ الحروب هو في كيفيّة استعمال ما نملك من وسائل -كل شيء في التكتيك- وليس فقط في: كم نملك وماذا نملك؟ فماذا لو فُسّرت المعركة بين داوود وجالوت على أنها بين الثابت-الثقيل (جالوت) والمناور المُتحرّك (داوود)، وماذا لو فُسّرت على أن داوود فرض طريقة قتاله على جالوت؟ وبالطبع، تنطلق هذه الأسئلة من منظور عسكري بحت، في حين في المفهوم الديني يرتبط انتصار داوود على جالوت بالصراع بين الإيمان والكفر.
وفي الإطار نفسه، يخطئ كثير من المُحلّلين في اعتبار أن اللاتماثل هو سلاح الأضعف. فهل امتلاك التكنولوجيا المتقدّمة يُعد مصدر قوة للضعيف أم أنه سيخلق بحدّ ذاته وضعاً لا تماثليّاً لصالح الأقوى؟ ألم تستعمل إسرائيل التكنولوجيا المتقدّمة، بالإضافة إلى الخداع الاستخباراتي (Deception)، لإعطاب أكثر من 3000 مقاتل من «حزب الله» دفعة واحدة عبر «عملية البيجر» (Pagers) عام 2024 في لبنان؟ ألم تخترق إسرائيل محيط المرشد الإيراني تكنولوجياً لجمع الاستعلام عنه، الأمر الذي ساعد في تدبير عملية اغتياله مع كبار المسؤولين في نظام الحكم في طهران؟
ألم تخلق الولايات المتحدة وضعاً لا تماثلياً مع إيران فيما يخصّ العقوبات؟ ألا يسيطر الدولار الأميركي على أكثر من 50 في المائة من احتياطات دول العالم من العملة الصعبة، وعلى أكثر من 50 في المائة من عملة التبادل التجاري، خصوصاً في مجال الطاقة؟
إذن، قد يمكن القول إن اللاتماثل يرتكز على المعادلة الآتية: أن يُرسم مسرح المعركة أو الصراع من قِبل الضعيف أو القويّ، وبشكل يستعمل فيه أفضل ما يملك، في مقابل منع الأقوى أو الأضعف من أن يستعمل أفضل ما يملك. إذا استطاع فريق ما التأقلم والخروج من اللاتماثل تسقط مباشرة هذه الحالة. وعليه، وجب البحث عن واقع جديد. فعلى سبيل المثال، لا يمكن لإسرائيل أن تعوّض خسارة العنصر البشري كونه محدوداً لديها؛ لذلك يبقى اللاتماثل لصالح أعداء إسرائيل مهما حاولت التأقلم مع مثل هذا الوضع. ومن هنا يمكن فهم تركيز أعداء إسرائيل على قتل جنودها، أو خطفهم، نظراً إلى أهمية العنصر البشري لديها.
حرب القرن الحادي والعشرين تُخاض في وسائط (Medium) متعدّدة وفي الوقت نفسه، وهي: البرّ، والبحر، والجو، والفضاء، والسايبر، وحتى الحرب الإعلاميّة والحرب الإدراكيّة (Cognitive). الأقوى هو الذي يسيطر على أغلب هذه الوسائط. ولذلك قد يمكن القول إن اللاتماثل في هذه الحالة هو لصالح الأقوى. من هنا اعتماد حركة «حماس» في حربها مع إسرائيل، بعد عملية 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، على الاتصالات التقليديّة تحت الأرض، وعلى استخدام العنصر البشري لنقل المعلومة.
في بعض أوجه اللاتماثل
تخلق الجغرافيا وضعاً لا تماثلياً وبامتياز حتى مع التطوّر التكنولوجي الذي يُعطي الأفضلية للأقوى. تمثّل الجغرافيا اللاتماثل في الحرب الدائرة اليوم بين كل من أميركا وإسرائيل من جهّة، وإيران من جهّة أخرى. تبلغ مساحة إيران أكثر من 80 مرّة مساحة إسرائيل، الأمر الذي يعطيها أفضلية نشر قواها ووسائلها على مساحة 1.6 مليون كيلومتر (لا تماثل إيجابي). لكن لا يمكن لإيران حماية هذه المساحة من الهجمات (لا تماثل سلبي). في المقابل، وبسبب صغر مساحة إسرائيل، فالأهداف ذات القيمة الاستراتيجية الكبرى توجد بكثافة في رقعة صغيرة (لا تماثل سلبي). لكن صغر المساحة يسمح لإسرائيل بتأمين حماية جويّة أفضل من إيران (لا تماثل إيجابيّ). وفي هذا الإطار، يقول كثير من المفكّرين العسكريين والمؤرّخين إن الثقافة الاستراتيجيّة العسكريّة الإيرانيّة تقوم على المرتكزات التالية: الجغرافيا، والتاريخ، والآيديولوجيا، وعدم التكافؤ. والهدف دائماً هو البقاء والاستمراريّة، وعدم الخسارة، مع إطالة عمر الصراع والحرب. ومن هذا المنطلق، واضح أن إيران لا يمكنها أن تنتصر في المواجهة مع أميركا وإسرائيل، لكنها تشكّل «عامل التعطيل» (Disruptor) المُستدام.
ولأن الجغرافيا مهمة، ولا يمكن الهروب منها حتى في القرن الحادي والعشرين، يذكر الكاتب والمفكّر الفرنسي جيرارد شاليان، في كتابه «إمبراطوريات البدو» (Nomadic Empires)، الواقعة التالية التي حصلت بين داريوش الأوّل ملك الفرس من جهّة، وزعيم قبائل السكيثيون من جهّة أخرى، وهي كالآتي: «في نهايات القرن السادس ق.م، قاد داريوش الأول (الإمبراطورية الأخمينيّة) حملة ضد قبائل السكيثيون (Scythians) بهدف إخضاعهم. وبسبب عدم توازن القوى، قرر هؤلاء عدم خوض حرب مباشرة مع داريوش، معتمدين سياسة الأرض المحروقة خلال تراجعهم. وبعد فترات طويلة من الملاحقة، قرّر داريوش التوقّف عن الملاحقة وبعث برسالة إلى قائد هذه القبائل التي تتجنّب المعركة قائلاً فيها: «بربّك، لماذا تتهرّب من المواجهة؟ أمامك خياران: إما أن تقاتل إذا اعتبرت نفسك قوياً كفاية، وإما إذا اعترفت أنك ضعيف فما عليك إلا أن تخضع لسيّدك، فتأتي إلى التفاوض». لكن ردّ زعيم القبائل على رسالة داريوش تلك، كانت معبّرة جدّاً، وتعكس الثقافة العسكريّة-القتالية لتلك القبائل. كان مضمون الرسالة الرد على داريوش على الشكل الآتي: «إنك لا تعرفني يا سيّد بلاد الفرس. فأنا لم أهرب من أحد من قبل، كما لا أفعل الآن. ما أفعله هو الأمر الطبيعي لي. هكذا هي حياتيّ، إن كان في الحرب أو السلم. وتسألني لماذا لا أقاتل؟ ففي بلدي لا توجد مُدن لأدافع عنها، كما لا توجد أرض زراعيّة أخاف من إحراقها. فنحن لا نملك شيئاً. لكننا نقاتل دفاعاً عن قبور الأجداد. فما عليك إلا أن تجد هذه القبور، عندها سترانا أمامك جاهزين للقتال. وحتى ذلك الوقت، سنستمر بتجنّب القتال».
وإذا كانت حياة هذه القبائل هي التنقّل المستمرّ، فكيف لداريوش أن يُحدّد مكان قبور الأجداد، فهي منتشرة حسب حركة هذه القبائل على أراضٍ شاسعة جداً.
في هذه الحادثة، يُعدّ التهرّب من المعركة واستغلال المساحة أو المسافة، واستخدام استراتيجيّة الأرض المحروقة، بمثابة «اللاتماثل» في تجلّياته الكبرى. فعدم القتال والحفاظ على الذات بسبب الخلل الكبير في موازين القوى، سيحرم حتماً داريوش من الشعور بملكيّة الأرض والشعب ضمن إمبراطوريته العظمى، كما سيمنعه من قياس النصر على شعب شبح، يسكن أرض الإمبراطوريّة الفارسية، لكنه لا يأتمر بأوامر سيّدها.
استعملت روسيا العمق الجغرافيّ مرتيّن بوصفه حالة لا تماثلية. في المرّة الأولى ضد نابليون خلال حملته ضدها، وفي المرّة الثانية ضد هتلر خلال الحرب العالمية الثانية. ولأن روسيا تُعد أكبر دولة في العالم من حيث المساحة (17.1 مليون كيلومتر)، ولأن كثافة السكان فيها قليلة جداً (9 نسمات/كيلومتر)، ولأن أغلب السكان فيها موجودون في القسم الغربي الأوروبي، فإن هذا الأمر يخلق لا تماثل سلبياً تجاه الجار الضخم الصين. تعوّض روسيا هذا اللاتماثل عبر الردع النووي الأكبر في العالم (6500 رأس نوويّ).
في خمسينات القرن الماضي، أطلق الرئيس الأميركي عقيدة الردّ النووي الشامل (Total Response) على أي اعتداء سوفياتيّ. رد الروس بسلوك طريق ملتوية لا تماثليّة عبر بناء قوات تقليدية والتعامل مع العالم عبر الوكلاء (Proxies). كانت فكرة الروس أنه لا يمكن لأيزنهاور أن يردّ نوويّاً على الوكلاء. وعليه، غيّر الرئيس جون كينيدي المعادلة إلى الردّ المرن (Flexible Response) معتمداً على بناء القوى العسكرية التقليديّة، بما في ذلك القوات الخاصة. تشرح هذه الحالة كيف تأقلم الأميركيون في عهد كينيدي مع اللاتماثلية التي خلقها السوفيات.
إذا كان يُقال في الأمثال العربيّة «لكلّ مقام مقال»، فقد يمكن القول في الحروب ومجال التسليح، إن مقابل كل سيف لا بد من وجود درع (Sword & Shield). فما المقصود بذلك؟ عندما يبتكر، أو يخترع، بلد ما سلاحاً جديداً يقلب المقاييس القائمة، فهذا يعني أن حالة اللاتماثل هي في أوجها (Sword). وعندما يبتكر أو يخترع الفريق المقابل سلاحاً مُضاداً لضرب اللاتماثل (Shield) وإعادة الأمور إلى نصابها، فقد يمكن تسمية هذه المرحلة مرحلة سباق التسلّح (Arms Race). تتميّز هذه المرحلة بصراع بين التماثل واللاتماثل، لكن ليس بالضرورة أن يُجرّب السيف أو الدرع.
ظهرت هذه المفاهيم أكثر ما ظهرت في الحرب الأوكرانيّة التي لا تزال مشتعلة لأكثر من 4 سنوات. في هذه الحرب، استطاعت أوكرانيا تدمير أغلب القطع البحرية الروسيّة في البحر الأسود، رغم أنها لا تمتلك أسطولاً بحرياً. شكّلت المسيّرات المائيّة الأوكرانيّة «السيف» في المعادلة، فردّت روسيا عبر تحييد ما تبقّى من أسطولها في مرافئ بعيدة عن متناول المسيّرات الأوكرانيّة.
اللاتماثل بين الدفاع والهجومشكّلت الحرب الروسيّة على أوكرانيا نقطة تحوّل في شكل وخصائص الحروب المستقبليّة. دخلت المسيّرة بكل أنواعها لتعطي سلاحاً جويّاً لمن لا يملك سلاحاً جويّاً. كما أعطت المسيّرة البحريّة سلاح البحريّة لمن ليس لديه سلاح بحري. غيّرت هذه الحرب التوصيف الوظيفيّ للمقاتل. قصّرت الوقت لعملية اتخاذ القرار إلى الحدّ الأدنى. كما مهّدت الطريق لدخول الذكاء الاصطناعي إلى الحرب وبقوّة. ولأنه يُقال إنه لا يمكن عكس (Irreversible) الوعي البشري، فقد يمكن القول إنه، في الحرب المقبلة، سيحتل الذكاء الاصطناعي مساحة أكبر، هذا إذا لم يسيطر بالكامل على الحرب، خصوصاً في عمليّة اتخاذ القرار. وفي مثل هذه الحالة، سيُشكّل الذكاء الاصطناعي لمن يملكه ويتحكّم به «السيف» القاطع لقلب موازين القوى، وذلك بانتظار من سيأتي بـ«الدرع». لكن وفي كل الحالات، سيبقى اللاتماثل وعكسه مُستداماً ما دامت الطبيعة البشرية مستمرة كما نعرفها.
يقول رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل إن الحرب تقوم على المثلث التالي: الإرادة، والصمود، والحسم. وفي كل من هذه الأسس، هناك اللاتماثل، خصوصاً الصمود الذي يتعلّق مباشرة بالوقت والقدرة على تأمين وسائل الحرب.
في الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، استهلكت القوات الأميركيّة، حسب جريدة «نيويورك تايمز»، الذخائر التالية (هذا عدا الكلفة غير المباشرة في العتاد والعديد): 1100 صاروخ «كروز» شبح بعيد المدى ضد الأهداف المُحصّنة، أي بمعدّل نصف الكميّة المتبقيّة. تتراوح كلفة كل صاروخ بين مليون و2.6 مليون دولار. كذلك الأمر، استُهلكت 1200 صاروخ من الدفاعات الجويّة من نوع «باتريوت»، بكلفة 4 ملايين دولار لكل صاروخ. أيضاً، استهلك ما يُقارب من 1000 صاروخ أرض-أرض بعيد المدى من نوع «ATACMS». تبلغ كلفة الصاروخ الواحد تقريباً نحو 1.5 مليون دولار. استهلكت «البحرية الأميركيّة» أيضاً 1000 صاروخ «كروز» من نوع «توماهوك»، بكلفة 3.6 مليون دولار للصاروخ الواحد. وما تبقّى من هذه الصواريخ في المخازن الأميركيّة يُقدّر بـ3000 صاروخ. قُدّرت الكلفة الإجمالية، حسب المصدر نفسه، بنحو 30 مليار دولار. في اليومين الأولين لبدء الحرب، صرفت أميركا نحو 5.6 مليار دولار. دمّرت أميركا خلال 38 يوماً من المعارك نحو 13000 هدف إيرانيّ. لكن تبقى الترجمة السياسيّة لهذا النجاح مُعلّقة حتى الآن. إذن، هناك استهلاك كبير من الجهّة الأميركيّة للذخائر المُكلفة جدّاً، مقابل ذخائر إيرانيّة وأسلحة بخسة الثمن يمكن تعويضها بسرعة، بعكس الحالة الأميركيّة.
ظهّرت الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، إلى جانب الحرب الأوكرانيّة-الروسية، المعادلة الآتية:
كلفة الدفاع مقابل الهجوم: قد يمكن الركون في هذه المقاربة إلى مبدأ «السيف والدرع» (المشار إليها أعلاه). يُشكّل السلاح الأقلّ كلفة مقابل السلاح المرتفع الكلفة معضلة استراتيجيّة كبيرة. فالسلاح الأقلّ كلفة يضع عدّة أعباء على الفريق الأقوى، التي يتمثّل أهمّها في: أوّلاً، تتحوّل الحرب العسكريّة إلى حرب استنزاف اقتصادي خطيرة جدّاً فيما لو طالت الحرب. ثانياً، وبسبب اعتماد مبدأ الإغراق (Overwhelming) للمنظومات الدفاعيّة، مثلاً بواسطة العديد من المسيّرات (Swarming)، يستنزف هذا التكتيك الكثير من الدفاعات الجويّة التي تستلزم الكثير من الوقت للتعويض والتصنيع. فعلى سبيل المثال، يستلزم تصنيع صاروخ «باتريوت» واحد مدة لا تقلّ عن 12 شهراً. في المقابل، وحسب بعض المصادر المفتوحة، لا يستلزم تصنيع مسيّرة «شاهد-136» أكثر من عدّة أيام أو أسابيع. لكن الخطير في هذه المعادلة هو أن الكثرة (Mass) في الاستعمال (الكثير من المسيّرات في الوقت نفسه - ما يُعرف بأسلوب الـ«Swarm»)، أصبحت هي بحدّ ذاتها معادلة ذكيّة. في هذا الإطار، قد يمكن العودة إلى الحرب الأوكرانيّة بوصفها مثالاً حيّاً لخصائص حروب القرن الـ21، التي أثبتت أن مبدأ «الحرب القصيرة، والنظيفة، والذكيّة، والسريعة» والتي استعد لها الغرب، كان فعلاً عبارة عن وهم. ففي الحرب الأوكرانيّة، ظهرت ثلاثة أنواع من الحروب هي: حرب الخنادق الدفاعيّة على غرار الحرب العالمية الأولى، وحرب المناورة على غرار الحرب العالمية الثانية، والحرب الحديثة التكنولوجية حيث استُعمل فيها الذكاء الاصطناعيّ. لكن الجدير ذكره في الحرب الأوكرانيّة هو كثافة استهلاك الذخيرة، خصوصاً قذائف المدفعيّة من عيار «155 ملم». في بدايات الحرب الأوكرانيّة، كان معدّل استهلاك المدفعيّة الأوكرانية من ذخيرة الـ«155 ملم» يتراوح بين 6000 و8000 قذيفة. في المقابل كان معدّل استهلاك القوات الروسية من الذخيرة نفسها يتراوح بين 20000 و60000 قذيفة يوميّاً. ولوضع الأمور في نطاقها بهدف المقارنة، كانت أميركا قبل الحرب تنتج شهرياً 14400 قذيفة مدفعيّة فقط. وأخيراً، أظهرت الحرب الأوكرانيّة، كما الحرب مع إيران، أن أميركا لا تملك القاعدة الصناعية العسكريّة القادرة على تأمين ذخائر الحرب، حتى ضد عدو يُصنّف على أنه قوّة كبرى إقليميّة، مثل إيران. فكيف لو قرّرت أميركا خوض حربين إقليميّتين، مع السعي إلى ردع الصين في الوقت نفسه؟ معضلة الدفاع تكمن في حتميّة نجاحه المُطلق وبنسبة 100 في المائة، وهذا أمر مستحيل. في المقابل، لا يستلزم الصاروخ الهجومي سوى إحداثيات الهدف. كذلك الأمر، منظومة الدفاع معقّدة جداً، تستلزم منظومة مُكلفة، من الإنذار المُبكر والرصد، إلى تفعيل الدفاعات الجويّة وعلى عدّة مستويات (Layers). لكن يكفي أن يكون هناك خطأ، بشري، أو تقني، أو خوارزماتي (Algorithm) كي تكون الخسارة كبيرة.
في الختام، قد يمكن القول إن الحرب مع إيران قد أظهرت محدوديّة القوّة العسكريّة الأميركيّة. فالولايات المتحدة استعملت كل، وأفضل، ما تملك من قوى عسكرية، وبحريّة، وجوّية، وفضائيّة وسيبرانيّة (دون الوصول إلى استعمال السلاح النوويّ). ولا شك أن المنافسين يراقبون كيف تقاتل أميركا وماذا تستعمل، وما الدروس المستقاة من حروبها، وكيف يمكن رسم الاستراتيجيات ضد قواتها، خصوصاً البحرية منها، لأن الخبراء العسكريين يعتقدون أن أيّ حرب أميركيّة-صينيّة ستكون بحريّة وبامتياز. وهنا قد يمكن طرح الأسئلة الآتية: كيف ستُصنّع أميركا الأسلحة دون استيراد مواد «المعادن النادرة» (Rare Earth) التي تسيطر الصين على 90 في المائة من احتياطيها العالمي؟ وكيف سيكون شكل الحرب البحرية الأميركية-الصينية، علماً أن الصين خاضت آخر حروبها عام 1979 عندما تواجهت مع فيتنام في قتال لم يدم سوى 3 أسابيع و6 أيّام؟
Your Premium trial has ended
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير







