اخبار العرب -كندا 24: الجمعة 17 أبريل 2026 12:15 صباحاً على الرغم مما قيل عن دروس الأزمات المتعاقبة، يرى ناصر زهير، رئيس وحدة الاقتصاد السياسي في المنطقة الأوروبية للسياسات، أن القارة العجوز "تعلّمت من أخطائها، لكن ليس لديها خيارات"، مختزلاً بهذه الجملة حجم الورطة الاستراتيجية التي تعيشها أوروبا اليوم.
فمنذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، باتت القارة تدفع ثمن قرارات اتخذتها تحت ضغط سياسي خارجي، لتجد نفسها أمام معادلة قاسية: أزمات طاقة مزمنة، واقتصادات تتآكل، وتحالفات تتصدع.
في حديثه لبرنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، يُشير زهير إلى أن "الخطأ القاتل" بالنسبة للأوروبيين كان "خلط السياسة مع الاقتصاد في المواجهات العسكرية". ويضرب مثلاً بالمقارنة بين المسارين الأميركي-الصيني والأوروبي-الروسي؛ فبينما تخوض الصين والولايات المتحدة نزاعاتهما السياسية مع الإبقاء على علاقاتهما الاقتصادية في نمو متواصل، أقدمت أوروبا - بضغط أميركي - على قطع كافة علاقاتها مع روسيا التي كانت "شريان الحياة" لها في مجال الغاز والطاقة، منذ الأيام الأولى لاندلاع الأزمة الأوكرانية.
تبعية جيوسياسية وفاتورة يدفعها الأوروبيون وحدهمفي قراءة معمقة لتداعيات إغلاق مضيق هرمز، يكشف ناصر زهير عن مفارقة صارخة: أوروبا "تحملت تكاليف ما قامت به إيران من عمليات تُصنف أساساً بـ"الإرهاب الاقتصادي والسياسي" جراء إغلاق المضيق، وذلك رغم أنها "لم تشترك في هذه الحرب ولم تتبع الولايات المتحدة".
ويُردف المحلل أن جذور المشكلة تمتد إلى تحالف الناتو الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، مشيراً إلى أن "الولايات المتحدة منذ 20 عاماً بدأت تقول: أمريكا أولاً"، بينما أخفق الأوروبيون في بناء "أوروبا منفصلة" نتيجة أزمات متلاحقة أعاقت خطواتهم..
ألمانيا: قاطرة أوروبا تتعثر لكنها لن تسقطيتوقف زهير عند الحالة الألمانية بتفصيل لافت. فعلى الرغم من حجم الأزمة الاقتصادية التي تشهدها برلين، يُؤكد أن ألمانيا "ستتجاوز هذه الأزمة لأن اقتصادها قوي جداً"، مستدركاً أن ذلك "لن يكون دون تكاليف كثيرة". ويُميّز بوضوح بين الوضع الألماني ونظيريه الإيطالي والإسباني، مشيراً إلى أن برلين لن تقع في أزمة بمستوى ما تعانيه روما أو مدريد.
غير أن التحدي الرئيسي يتمثل بحسب المحلل في حساسية الألمان والأوروبيين عموماً تجاه الدين السيادي، على النقيض من الولايات المتحدة التي تحمل أرقام دين ضخمة جداً ومع ذلك تمتلك من أقوى الاقتصادات العالمية. ويرى أن برلين ستُقدم منفردة على مسار الاقتراض الحكومي، بعد أن كانت تراهن على اقتراض جماعي أوروبي، على غرار ما جرى في ملف تمويل صناعة السلاح خلال العام الأخير.
إعادة رسم خارطة الاستثمار: من الميكانيك إلى الذكاء الاصطناعيعلى صعيد التحول الصناعي، يرى زهير أن ألمانيا ستنتقل من الصناعات التقليدية القائمة على الآلات والسيارات والصناعات الميكانيكية نحو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، يُنبّه إلى أن هذه ليست أزمة ألمانيا وحدها، بل أزمة أوروبا بأسرها، إذ إن الاقتصادات الثلاثة الأكبر - ألمانيا وفرنسا وإيطاليا - جميعها أمام هذا التحدي، في حين تتصدر دول كهولندا والسويد مشهد التحول التكنولوجي داخل الاتحاد الأوروبي.
ومع ذلك، يُلفت المحلل إلى أن أزمة الطاقة "ستكون حاضرة في كل الحالات" بصرف النظر عن طبيعة الصناعة، مؤكداً أن الخلل الجوهري يكمن في "عدم التحرك بشكل سريع كافٍ لإيجاد بدائل".
الطاقة النووية والفحم: العودة إلى المحظورفي معرض حديثه عن مآلات أزمة الطاقة، يُعرب زهير عن قناعة جازمة بأن أوروبا ستُعيد النظر في خياراتها السابقة. فألمانيا التي أقدمت على إغلاق عدد من مفاعلاتها النووية وسط أزمة طاقة خانقة وارتفاع حاد في فواتير الكهرباء للشركات والأفراد خلال الحرب الأوكرانية، ستعود - بحسب تقديره - إلى استئناف العمل بها، فضلاً عن العودة إلى الفحم الحجري، مثلما فعلت الصين.
ويُجزم بأن هذا سيحدث "بشكل قاطع لأنه لا يوجد خيارات"، موضحاً أنه "لم يعد هناك رفاهية الاستماع إلى حزب الخضر في البوندستاغ"، إذ يتحول الأمر من مسألة تحمّل تكاليف أعلى إلى "أزمة إنقاذ اقتصادي".
وعلى المستوى السياسي الانتخابي، يُرجع زهير صعود تيارات اليمين المتطرف في أوروبا إلى ثلاثة عوامل محورية لدى الناخب الأوروبي: الاقتصاد، والفواتير، والضرائب، مشيراً إلى أن قضايا المناخ "لم يعد المواطن الأوروبي يهتم بها".
مضيق هرمز: صمام ضغط الاقتصاد العالمييُخصص زهير مساحة واسعة لملف مضيق هرمز ودلالاته الاستراتيجية. إذ يُشير إلى أن إيران تجني عوائد اقتصادية تُقدَّر بنحو 400 مليون دولار يومياً، وأنه "لا يمكن أن تُعيق الحركة في مضيق هرمز ثم تُصدّر نفطها وبتروكيماوياتها بكامل حريتها". وهنا تقع فاعلية ورقة الحصار التي سيطال أثرها الصينيين أكثر من الأوروبيين الذين لا يستوردون من إيران أساساً، مما يشكّل "عاملاً للضغط على إيران للوصول إلى اتفاق".
ويُعدّ هذا المضيق، وفق ما يؤكده المحلل، "صمام ضغط للاقتصاد العالمي"، إذ إن 20 بالمئة من الواردات العالمية تمر عبر هذه المنطقة، يُضاف إليها أن 40 بالمئة من اليوريا تأتي من المنطقة، مما يجعل الزراعة الأوروبية أيضاً في مواجهة تداعيات مباشرة.
التدخل العسكري الأوروبي: الطريق الثالث بين الحرب والتقاعسيذهب زهير إلى أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيدفع أوروبا نحو تدخل عسكري، لكن بصيغة مستقلة وليس في إطار الحلف الأميركي مباشرةً، مستحضراً ما أطلق عليه ماكرون "الطريق الثالث". غير أنه يُذكّر بأن الأوروبيين أخفقوا في حماية مضيق باب المندب، مستدلاً بأن عملية "أسبيدس" "كانت خجولة نوعاً ما ولم تكن بكامل قوتها العسكرية".
ويرى أن الأوروبيين يسعون إلى بناء تحالف دولي لتأمين المضايق البحرية - هرمز وباب المندب معاً - وهو ما تقوده فرنسا وبريطانيا في مؤتمراتهما الأخيرة، مؤكداً أنه "لا يمكن السماح بأن تنشأ كل ثلاث أو أربع سنوات أزمة في هذه المضايق بسبب سياسات منظمات يُصنّفها الاتحاد الأوروبي إرهابية".
شرخ في الحلف الغربي: بريطانيا تقترب من أوروبايتوقف زهير أمام ما يصفه بـ"المرة الأولى" التي يظهر فيها شرخ عميق بين حليفين "أنشآ تحالفاً أنجلو ساكسونياً خاض كل حروبه بشكل مشترك"، مشيراً إلى أن تصريحات ترامب تجاه بريطانيا والناتو "تؤكد أن هذا الحلف لم يعد متماسكاً". ويرى أن هذا الشرخ سيُعيد بريطانيا للاقتراب من أوروبا، بديلاً عن تحالف "أوكوس" (AUKUS) الذي "سحبتها إليه الولايات المتحدة مع أستراليا".
وفي رأيه، لا يمكن لهذا الحلف الغربي أن "ينكسر بسهولة"، إذ إن ترامب "يحتاج أوروبا في مواجهته القادمة مع الصين"، وهو ما دفعه إلى التراجع عن جزء من الرسوم الجمركية التي فرضها - إذ خفّضها من نحو 30 بالمئة إلى 10 بالمئة.
الطاقة محور التحالفات الجديدة.. وروسيا على الطاولة مجدداًيختتم زهير تحليله بقناعة راسخة: "هذه الحرب ستدفع أوروبا لإعادة حساباتها مع روسيا"، ملمّحاً إلى أن إنقاذ الاقتصاد الأوروبي "يتطلب براغماتية في عودة مسارات طاقة روسيا، وقد يكون قراراً صعباً وسيئاً، لكنه جرعة لا بد من تحملها". ويُشير إلى أن موسكو أبدت في وقت سابق استعداداً لإعادة إمدادات الغاز لجزء من الدول الأوروبية وفق "رؤية استراتيجية كاملة".
وفي المشهد الأوسع، يُجزم المحلل بأن الحرب الراهنة هي "أداة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي بين القوى الكبرى"، وأن التحالفات السياسية والعسكرية والاقتصادية "ستذهب مع بعضها البعض"، مع الإشارة إلى أن لا رابح في هذه الحرب، بل "جميعهم خاسرون لكن بدرجات متفاوتة".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير







