اخبار العرب -كندا 24: الأحد 5 أبريل 2026 03:15 مساءً في زمنٍ كان الطبيب فيه يقرأ ليعرف... إلا أنه أصبح اليوم يقرأ ليختار ما يتجاهل.
في كل شهر، يُنشر في المجلات العلمية حول العالم ما يقارب ربع مليون دراسة جديدة، وهو رقمٌ لا يعبّر فقط عن تسارع المعرفة، بل يكشف عن مفارقة مقلقة: كلما ازداد العلم اتساعاً... ضاق الزمن عن استيعابه.
لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومة؛ فالمعلومة أصبحت وفيرة إلى حد الإغراق. بل تحوّل التحدي سؤالاً أكثر عمقاً وخطورة: أيّ معرفة تستحق أن نثق بها؟ وأيّها يجب أن نتجاوزها؟ هنا يبدأ التحوّل الحقيقي في الطب؛ إذ لم يعد بإمكان أي طبيب، مهما بلغ من اجتهاد أو خبرة، أن يواكب هذا السيل المتدفق من الأبحاث. ومع هذا العجز الإنساني الطبيعي، يتغيّر جوهر السؤال الطبي ذاته: لم يعد «كيف نقرأ أكثر؟» بل أصبح «كيف نقرّر ماذا لا نقرأ؟».
التعليم الطبي أمام مفترق جديد
> تضخم المعرفة. اعتمد التعليم الطبي تقليدياً على التراكم المعرفي: قراءة مستمرة، مراجعة دورية، وتحديث دائم للمعلومات. وكان يُفترض أن الطبيب، من خلال هذا الجهد الفردي المنتظم، يستطيع أن يواكب التطورات العلمية في تخصصه.
إلا أن المشكلة لم تعد في نقص المعرفة، بل في تضخمها. كما لم تعد الفجوة بين من يعرف ومن لا يعرف، بل أصبحت بين سرعة إنتاج المعرفة وقدرة الإنسان على استيعابها وتحليلها. ومع هذا التحول، أصبح من الواضح أن الاعتماد الكامل على القراءة الفردية لم يعد كافياً لضمان مواكبة التطورات العلمية.
لم يعد التحدي في التعلم بحد ذاته، بل في إدارة هذا الكم الهائل من المعلومات بشكل فعّال. وهنا يبرز تساؤل أساسي: هل ما زال النموذج التقليدي للتعليم الطبي قادراً على الاستمرار في ظل هذا التسارع غير المسبوق؟
> دخول «الوكيل الذكي». في هذا السياق، بدأ دور ما يُعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي يتوسع بشكل واضح، فلم تعد هذه الأنظمة مجرد أدوات بحث تقليدية، بل أصبحت قادرة على متابعة آلاف الدراسات يومياً، تحليلها، واستخلاص أهم نتائجها خلال وقت قصير.
ولا يقدم الذكاء الاصطناعي نتائج عند الطلب فحسب، بل أصبح يعمل بشكل مستمر في الخلفية، يقرأ، يفرز، ويعيد ترتيب المعرفة قبل أن تصل إلى الطبيب. وتشير التقديرات إلى أن هذه الأنظمة قادرة على معالجة وتحليل قواعد بيانات تضم ملايين الأوراق العلمية خلال ثوانٍ إلى دقائق، وهو ما يتجاوز بكثير القدرة البشرية على القراءة أو حتى المتابعة.
وبهذا المعنى، يمكن عدّه «القارئ الأول» للأدبيات العلمية؛ إذ يمرّ على كمّ هائل من الأبحاث ويعيد تقديمها في صورة مختصرة ومركزة. ولا يقتصر هذا التحول على تسريع الوصول إلى المعلومات، بل يغيّر طريقة التعامل معها. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب بالبحث، أصبح يبدأ بما تم اختياره له مسبقاً.
وهنا يتجاوز التأثير الجانب التقني، ليصل إلى جوهر العملية التعليمية نفسها: كيف نتعلم، وعلى ماذا نعتمد في بناء معرفتنا، ومن الذي يحدد أولويات ما نقرأه.
تجربة شخصية: «ابن سينا»
> وكيل ذكاء اصطناعي مخصص. انطلاقاً من هذا التحدي؛ قمتُ بتصميم وتطوير وتدريب وكيل ذكاء اصطناعي ضمن أحد النماذج اللغوية الكبرى (Large Language Models - LLMs)، وأطلقتُ عليه اسم «ابن سينا». لم يكن اختيار الاسم رمزياً فقط، بل محاولة لربط عمق التراث الطبي العربي بأدوات التحليل المعرفي الحديثة.
لا يعمل هذا الوكيل كأداة بحث تقليدية، بل كنظام متابعة يومي، يقوم بتلخيص ما يُنشر في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، مع تركيز خاص على الجوانب الأخلاقية، إضافة إلى رصد أحدث ما يُكتب في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان.
ومع الوقت، لم يعد دوره مجرد تجميع للمعلومات، بل أصبح وسيلة لإعادة تنظيمها، بحيث تصل إلى الطبيب في صورة مركزة تساعد على الفهم واتخاذ القرار.
الفكرة لم تكن استبدال قراءة الطبيب، بل إعادة تعريفها: أن يصبح الطبيب قادراً على الوصول إلى جوهر المعرفة دون أن يغرق في تفاصيلها.
> من التراكم إلى هندسة المعرفة. في هذا النموذج الجديد، لم يعد متوقعاً من الطبيب أن يقرأ كل ما يُنشر، بل أن يركّز على ما هو الأكثر صلة بممارسته. لم يعد التعلّم سباقاً مع عدد المقالات، بل أصبح عملية اختيار واعٍ للمعلومة ذات القيمة.
وبدلاً من جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات، أصبح التحدي في تنظيمها، وتصنيفها، وربطها بطريقة تساعد على الفهم واتخاذ القرار. لم تعد القيمة في كمية ما يُقرأ، بل في جودة ما يُفهم وكيفية استخدامه في السياق السريري.
وفي هذا الإطار، يصبح دور الطبيب أقرب إلى «مهندس معرفة»، يحدد ما يحتاج إليه، ويقيّم ما يُعرض عليه، ويتخذ القرار بناءً على فهم مركّز ومدعوم، وليس على قراءة عشوائية أو مجهدة.
أخطار خفيّة
• من الفهم إلى الاعتماد. لكن هذا التحول لا يخلو من أخطار. فحين يبدأ الذكاء الاصطناعي في تلخيص المعرفة، يظهر سؤال جوهري: هل ما نقرأه مفهوم فعلاً، أم أننا نكتفي بالاعتماد عليه؟
في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، من جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة، أشار الفريق البحثي إلى أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية قد يغيّر أنماط التفكير السريري لدى الأطباء، خاصة عندما تُقدَّم النتائج بشكل جاهز ومختصر دون الحاجة إلى تحليل تفصيلي.
وأوضحت الدراسة أن هذا النمط من التفاعل مع المعرفة قد يؤدي تدريجياً إلى تراجع مهارات التقييم النقدي، حيث يميل المستخدم إلى قبول المخرجات المدعومة بالخوارزميات دون تمحيص كافٍ.
وهنا يظهر خطر جديد: أن تتحول المعرفة من عملية فهم إلى عملية اعتماد.
• الطبيب في عصر «المصفاة الذكي». في عالم يفيض بالمعلومات، أصبح الذكاء الاصطناعي أشبه بـ«مصفاة ذكية» تمرّ عبرها الأبحاث قبل أن تصل إلى الطبيب. لكن هذه المصفاة، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحكم البشر؛ فالذكاء الاصطناعي قد يختار، لكنه لا يتحمّل مسؤولية القرار. وقد يلخّص، لكنه لا يدرك السياق الإنساني الكامل الذي تُتخذ فيه القرارات الطبية.
وهنا تتضح معادلة المرحلة المقبلة: كلما زادت قدرة الأنظمة الذكية على تصفية المعرفة، ازدادت أهمية دور الطبيب في تفسيرها.
لم يعد الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي مجرد قارئ للمعلومة، بل أصبح مسؤولاً عن فهم ما وراءها، وتقدير حدودها، واتخاذ القرار النهائي بناءً على مزيج من المعرفة والخبرة والسياق الإنساني. وفي هذا التوازن تحديداً... يتحدد مستقبل الطب.
• ما الذي يبقى للطبيب؟ يبقى للطبيب ما لا تستطيع الخوارزميات أن تقوم به: الفهم، والحكم السريري، والقدرة على الربط بين ما تشير إليه البيانات وما يعيشه المريض في واقعه. فالأنظمة الذكية قادرة على تحليل الأنماط واستخلاص النتائج، لكنها لا تدرك السياق الكامل الذي تُتخذ فيه القرارات الطبية؛ لا ترى القلق في عينَي المريض، ولا توازن بين الخيارات ضمن ظروفه الإنسانية والاجتماعية.
وماذا عما بعد القراءة؟ في زمنٍ يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي قراءة وتحليل آلاف المقالات يومياً، قد لا تكون المهارة الأهم للطبيب هي أن يقرأ أكثر، بل أن يعرف متى يتوقف عن القراءة، ويبدأ في التفكير؛ فالمعرفة وحدها لا تكفي.
الطب، في جوهره، ليس تراكم معلومات، بل فهم لما تعنيه هذه المعلومات في حياة المريض، وكيف تُترجم إلى قرار مسؤول في لحظة محددة.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





