اخبار العرب -كندا 24: الثلاثاء 10 مارس 2026 08:03 صباحاً دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى
كانت جائحة «كوفيد-19» لحظة استثنائية في التاريخ. ففي أواخر عام 2019، اجتاح فيروس جديد لم يعرفه العلماء، العالم، وأودى بحياة أكثر من 25 مليون شخص، وتسبب في خسائر اقتصادية تُقدر بتريليونات الدولارات.
لكن دراسة جديدة وجدت أن «كوفيد-19»، مقارنةً بالأوبئة الأخرى، كان عادياً إلى حد بعيد.
قارن العلماء 7 حالات من التفشيات الفيروسية حدثت في العقود الأخيرة، بما في ذلك أوبئة «كوفيد-19» وإيبولا والإنفلونزا. ووجدوا أن معظم هذه التفشيات لم تسبقها أي تغيرات جينية غير عادية في الفيروسات. ففي جميع الحالات باستثناء حالة واحدة عام 1977، انتشرت الفيروسات بين الحيوانات، واكتسبت القدرة على الانتشار إلى البشر وبينهم، بمحض الصدفة.
دراسة جينات الفيروساتيقول جويل ويرثيم، خبير الفيروسات في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، الذي نشر مع زملائه الدراسة يوم الجمعة في مجلة «سيل»: «نرى ذلك يحدث مراراً وتكراراً».
وقد أعاد ويرثيم وزملاؤه بناء التاريخ التطوري لهذه الفيروسات من خلال دراسة جيناتها. وتتبع الباحثون كيفية اكتساب الفيروسات أنواعاً مختلفة من الطفرات قبل التسبب في تفشي الأوبئة، ودرسوا هذا النمط بعد انتقال الفيروسات إلى البشر.
في أحد مسارات البحث، درس العلماء جائحة الإنفلونزا عام 2009. في ذلك العام، ظهرت سلالة جديدة من الإنفلونزا في أميركا الشمالية، وانتشرت لتصيب ربع سكان العالم، متسببة في وفاة 230 ألف شخص.
وكشفت دراسات أخرى للفيروس أنه انتقل من الخنازير؛ حيث تكتسب فيروسات الإنفلونزا طفرات بشكل منتظم. وقد صعَّبت بعض هذه الطفرات على الفيروسات الانتشار إلى خنازير أخرى، بينما منحتها طفرات أخرى ميزة تطورية، في حين لم يكن لبعضها الثالث أي تأثير.
تطور جيني عادي قبل الانتقال لإصابة الإنسانكانت السلالة الفيروسية التي انتقلت إلى البشر عام 2009 قد انفصلت كفرع تطوري مستقل قبل ذلك بعقد على الأقل. وحتى وصولها إلى البشر، بدا تطورها طبيعياً. كان نمط الطفرات التي اكتسبها الفيروس وفقدها مشابهاً لما يتوقعه العلماء في أي فيروس إنفلونزا ينتشر بين الخنازير.
الفيروسات تتغير عند انتقالها إلى البشرلم يتغير الوضع إلا بعد انتقال الفيروس إلى البشر، وبشكل جذري.
بعد إصابة البشر عام 2009، اكتسب فيروس الإنفلونزا كثيراً من الطفرات الجديدة. أما في الخنازير، فكان من المرجح أن تعيق هذه الطفرات قدرة الفيروس على التكاثر، وتؤدي إلى تفوق الفيروسات الأخرى التي تصيب الحيوانات، عليه.
لكن بمجرد استقرار الفيروس في مضيف جديد، زالت تلك القيود القديمة، وبدأ يتكيف لينتشر بنجاح أكبر بين البشر.
وباء الإيبولاأجرى ويرثيم وزملاؤه التحليل نفسه على تفشيات أخرى، بما في ذلك وباء الإيبولا الذي اجتاح غرب أفريقيا عام 2013، والذي يُعتقد أنه نشأ في خفاش. وتفشى مرض الجدري البقري عام 2022، وهو فيروس يسبب بثوراً مؤلمة، ويُعتقد أن السناجب الأفريقية تحمله. ولاحظ الباحثون مراراً وتكراراً النمط نفسه: الفيروسات التي انتقلت في نهاية المطاف إلى البشر لم تتطور بطريقة غير عادية قبل ذلك، ولكنها تغيرت بشكل جذري بعده.
قال ويرثيم: «بمجرد وصول الفيروس إلى البشر، يبدأ فصل جديد».
الإنفلونزا الروسية: لقاح تسرب من المختبرلكن دراسة جديدة كشفت أن أحد الفيروسات كان استثناءً بارزاً لهذه القاعدة. تشير طفراته الفريدة إلى أنه ربما يكون قد انتشر نتيجة خطأ علمي.
في عام 1977، اجتاحت العالم جائحة عُرفت باسم الإنفلونزا الروسية، نظراً لأن أولى الحالات سُجلت في الاتحاد السوفياتي السابق. وقد حير هذا الفيروس العلماء: إذ لم تكن أقرب الفيروسات إليه موجودة في الخنازير أو غيرها من الحيوانات؛ بل كانت تشبه إلى حد بعيد الفيروسات التي كانت منتشرة في أوائل الخمسينيات، أي قبل ربع قرن.
تكهَّن بعض العلماء بأن الإنفلونزا الروسية لم تكن منقولة من خنزير أو طائر؛ بل رجَّحوا أنها نشأت عن خطأ علمي، ربما نتيجة تجربة لقاح فاشلة في الاتحاد السوفياتي أو الصين.
ربما استخدم مصنِّعو اللقاح تقنية شائعة تتضمن إنتاج لقاح مصنوع من فيروسات مُضعفة. وتتراكم الطفرات في الفيروسات التي تُزرع في الأوعية المختبرية، ما قد يُلحق بها الضرر إذا ما أصابت إنساناً. وتكهّن العلماء بأن علماء سوفيات أو صينيين قاموا بإذابة فيروس إنفلونزا قديم لصنع لقاح مُضعف، ولكنهم استخدموا تقنيات خاطئة سمحت للفيروس بالانتشار من شخص لآخر.
منذ ذلك الحين، لم يعثر الباحثون على دليل مباشر لاختبار هذا السيناريو أو غيره من السيناريوهات المشابهة. ولكن الدراسة الجديدة التي أجراها ويرثيم وزملاؤه خلصت إلى أن فيروس عام 1977 قد مرّ بتطور غريب قبل الجائحة، وأن الطفرات التي اكتسبها تحمل أنماطاً مطابقة لتلك الموجودة في الفيروسات التي تُزرع في المختبرات.
وقالت جيجي غرونفال، خبيرة الأمن البيولوجي في جامعة «جونز هوبكنز»، إن الدراسة الجديدة تشير إلى أن جائحة عام 1977 بدأت كتجربة لقاح. وأضافت: «هذا دليل إضافي على أنهم كانوا يحاولون ابتكار لقاح مُضعف، ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً».
وقال سبيروس ليتراس، خبير الفيروسات في جامعة طوكيو الذي لم يشارك في الدراسة الجديدة، إن منهجية الدراسة تُقدم أداة جديدة لتتبع أصل تفشي الأمراض. وأوضح: «تحمل البيانات الجينية إشارة قوية تُمكِّن من التمييز بين التسرب المختبري والتعديلات المختبرية وبين انتقال العدوى الطبيعي».
وقال جيمس لويد سميث، عالم بيئة الأمراض في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، إن اكتشاف البصمة الجينية للتطور المختبري في الإنفلونزا الروسية «أمر رائع للغاية». ولكنه حذَّر من أن العلماء عادة لا يرصدون سوى جزء ضئيل من تطور الفيروسات في عيناتهم. وأضاف: «هذا النهج ليس عصا سحرية، ولا تزال الدراسة تواجه نفس تحديات محدودية البيانات التي لطالما أعاقت هذا المجال».
«كوفيد-19»: لا تحولات ملحوظة قبل إصابة البشرمن بين كثير من حالات تفشي الأمراض التي حللها ويرثيم وزملاؤه، كان فيروس الإنفلونزا الروسية الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة. أما الفيروس المسبب لمرض «كوفيد-19»، وهو فيروس «سارس-كوف-2»، فلم يكن كذلك.
لم يجد الباحثون أي تغيرات غير عادية في فيروس «سارس-كوف-2» قبل انتقاله إلى البشر. فقد اكتسب طفرات في أثناء انتشاره من خفاش إلى آخر، تماماً كما حدث مع فيروسات «كورونا» الأخرى التي تصيب الخفافيش؛ ولم يشهد الفيروس تحولاً ملحوظاً إلا بعد ظهوره لدى البشر. ففي غضون عام، ظهرت سلالات جديدة كلياً، تحمل طفرات جعلتها شديدة التكيف مع البشر.
أصل «كوفيد»: فيروس مختبري أم طبيعي؟وتُضيف هذه الدراسة الجديدة إلى النقاش الدائر حول أصول مرض «كوفيد-19». ففي مقابلة أجرتها صحيفة «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني)، أكد الدكتور جاي بهاتاشاريا، مدير المعاهد الوطنية للصحة، أن فيروس «سارس-كوف-2» قد نشأ في مختبر. وقال: «أعتقد أنه إذا ركزنا فقط على الأدلة العلمية، فسأقول إن الأمر مؤكد».
لكن في الشهر الماضي، خلصت مجموعة من الخبراء، كلفتهم منظمة الصحة العالمية بدراسة أصول «كوفيد-19»، إلى أن فيروس «سارس-كوف-2» نشأ في الخفافيش التي نقلته بدورها إلى الحيوانات التي تُباع في سوق بمدينة ووهان.
وأشار العلماء إلى أن «معظم الأدلة العلمية المُحكَّمة تدعم هذه الفرضية».
ساهم ويرثيم في جمع بعض الأدلة العلمية التي خضعت لمراجعة الأقران من العلماء. وأضاف أن الدراسة الجديدة تُضيف مزيداً من الأدلة التي تُرجِّح أصلاً حيوانياً للفيروس.
لو تمَّت زراعة فيروس «كوفيد-19» في المختبر، لكانت طفراته ستتطور بنمط مشابه لنمط الإنفلونزا الروسية. ولكن ويرثيم وزملاؤه وجدوا أن نمط طفراته يُطابق أنماط التفشيات الخمسة التي حدثت بشكل طبيعي، والتي درسوها.
بدلاً من ذلك، قال ويرثيم إن «كوفيد-19» يبدو أنه نشأ نتيجة سوء حظ كبير. فبينما كان الفيروس الأولي يتكيف لإصابة الخفافيش، أصبح جاهزاً لإحداث جائحة بين البشر. وأضاف ويرثيم: «من قبيل الصدفة، إنه بارع بشكل استثنائي في أن يكون فيروساً بشرياً».
رؤى جديدة حول منشأ الفيروسات الحيوانيةقال ديفيد روبرتسون، خبير الفيروسات في جامعة غلاسكو، والذي لم يشارك في البحث الجديد، إن الدراسة قدَّمت رؤى جديدة؛ ليس فقط حول «كوفيد-19»؛ بل حول أي فيروس حيواني المنشأ؛ أي فيروس ينتقل من الحيوانات إلى البشر. وأضاف: «إنها نقطة أساسية لفهم مخاطر الأمراض الحيوانية المنشأ. فالفيروسات قد تنتشر في الطبيعة دون الحاجة إلى تكيفات لتصيب البشر أو تنتقل إليهم بنجاح».
وأضاف ويرثيم أنه إذا كانت هذه هي الحال بالنسبة لمجموعة واسعة من الفيروسات الحيوانية المنشأ، فيمكننا توقع مزيد من الأوبئة في المستقبل. وتابع: «ما نجهله هو ما سيُصيبنا. إنها موجودة، وهي جاهزة للانتشار».
* خدمة «نيويورك تايمز».
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





