أخبار عاجلة

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية
«طواحين
      الهوى»...
      سردية
      الهامش
      والسخرية

اخبار العرب -كندا 24: السبت 7 مارس 2026 01:51 مساءً في رواية «طواحين الهوى» يجعل الكاتب والروائي المصري السيد العديسي مسرح صعيد مصر بؤرة لطرح تأملاته في ذلك الهامش المكاني، الذي يبدو فضاءً زاخراً بالمهمشين الذين يلتحفون الكفاف، وهم «يكافحون الانصهار»، ليتجاوز المكان كونه مجرد خلفية جغرافية؛ بل بنية ضاغطة تُعيد إنتاج الفقر والقهر، كما تُعيد الطاحونة دورانها الأبدي.

في الرواية -الصادرة عن دار «تشكيل» للنشر والتوزيع بالقاهرة- يمهِّد الكاتب أرضيته السردية بنسج عالم يلوذ بالحكايات و«النميمة»، بوصفهما تسرية عن قسوة اليوم ووحشة الليل، لتصبح الحكايا هنا آلية بقاء، وطريقة جماعية لتخفيف ثقل الحياة، ومتعة ليلية بعد «قهر النهار»، يلتف حولها الناس بجوار «كانون» الشاي الثقيل، وقد اختار الكاتب تلك التهيئة الجمعية تمهيداً لتفاعل الأهالي مع لغز اختفاء أبناء النجع «حامد» و«صباح»، لتشتعل حولهما الشائعات.

سيزيف مُعاصر

يستدعي الراوي الذي تربطه بـ«حامد» علاقة ممتدة، حكاية هذا الفتى قليل الكلام، قوي البنيان، المُحب للغناء الصعيدي، والذي يقضي يومه عاملاً باليومية مستنداً إلى قوته الجسدية وحدها، يتندر به أهل القرية ويصفونه بالأبله، غير أن السارِد يبدو حريصاً على إنصافه سردياً، بعد أن حُكم عليه اجتماعياً.

يبدو اختيار مهنة «الفاعِل» اختياراً دالاً؛ فـ«حامد» أقرب إلى «سيزيف» معاصر، مربوط في طاحونة اليوم، يحمل ثقله كل صباح من أجل يومية زهيدة لا يرجو منها سوى «دُخان المعسل» الذي يكون عزاءه الوحيد في اليوم، ليُنذر ما تبقى من يوميته لأمه؛ حيث لا تبدو «اليومية» قيمة في ذاتها بالنسبة له، بقدر ما يعيد كل يوم الفعل نفسه، بما يُحيل إلى استعارة الطاحونة، في دينامية لا تتغيَّر ولا تفضي إلى تحول يُذكر.

يتروى العديسي في رسم سياقات القرية مشهدياً، ما بين قيظ يشتد، وعلامات طبيعية من حقول قصب وذرة، وأسطح بيوت فقيرة، محرراً الطقس من كونه مجرد خلفية ليصبح سلطة رمزية تُهيمن على المشهد: «كان صيف هذا العام ساخناً. والقيظ على أشده يتبختر بخيلاء بين الجميع وهو يعلن سلطانه على الملأ. تارة يتمشى بين حقول القصب، وتارة أخرى يقطع الطريق على الناس»، ليبدو القيظ هنا متصرفاً ومهيمناً، يفرض حضوره كما تفرض البنية الاجتماعية سلطانها. وكذلك الهواء المحمَّل بالسخونة يبدو متواطئاً على نشر الشائعات في البلدة الصغيرة التي «تأكل الحكايات وتقتات من فضلات الأخبار». هكذا يتقدم السرد على وقع اقتيات أهل النجع لخبر هروب «حامد» و«صباح»، بوصفهما «عاشقين» خرجا عن تقاليد القرية. وعلى إيقاع تلك الحكايا تُرسم صورة «حامد» (الأبله) الذي وُضع على هامش العقل، و«صباح» التي وُضعت على هامش الجمال، كثنائي اختارته القرية مسبقاً ليكون خارج مركزها، لذلك لم يكن هروبهما مجرد فضيحة؛ بل مناسبة لا تخلو من التندر والسخرية.

نباهة شعبية

يتجلى تعلُّق «حامد» بالراديو، وبغناء المداحين، وأغاني «الكف»، كنافذة لفهم تركيبته الإنسانية، فالراوي يتوقف عند مفارقة لافتة في قوله: «من الأشياء التي استوقفتني في أهل قريتي عموماً، أن بعضهم لم يتعلم القراءة والكتابة، ورغم ذلك يستمعون بشغف إلى غناء المداحين، وأحياناً يستوقفهم المعنى الجميل رغم صعوبة فهمه. كيف لهؤلاء إدراك المعنى الصعب في قصائد ابن الفارض وابن عربي؟ لم أصل إلى إجابة محددة، فتركت التفكير في هذا الأمر مثل أمور أخرى عجزت عن فهمها». هذا الاعتراف بالعجز يكشف عن وعي نقدي يتسرَّب داخل طبقات السرد، عبر لسان الراوي الذي ينظر إلى القرية من داخلها مع احتفاظه بمسافة تحليلية، فهو لا يدَّعي الفهم الكامل؛ بل يعترف بغموض الحس الشعبي، ونباهة ذلك الإدراك الحدسي الذي يتجاوز حدود التعليم النظامي.

عندليب أسود

يستدعي السارد ذكرياته مع «حامد» (الهارِب)، كمقوم سردي يظل يضيء تلك المنطقة الإنسانية الملتبسة لدى «حامد» الذي يسخر منه أهل النجع، ويُنابذونه بلقب «العندليب الأسود» وهو يغني بصوته الغليظ، في مقابل سعيه الدؤوب لحضور تجمعات المداحين والموالد والعزاءات والأفراح، بما يكشف عن توقه إلى الانتماء الجمعي، وإلى مساحة بديلة يجد فيها اعترافاً لا توفره له بنية القرية اليومية، بينما تبدو علاقته بوالدته «شفا» التي تحتل مكانة طيبة في النجع، علاقة رعاية ممتدة؛ فهي تظل حتى وفاتها ترعاه بحنو بالغ، لا يخلو من وعي باستعصاء حال ابنها اجتماعياً، وبالهامش الذي كُتب عليه أن يقيم فيه.

يبدو صوت الراوي المتداخل مع استدعاء ملامح «حامد»، قائماً على طبقتين ينهض عليهما السرد في تداخلٍ واضح، فمن جهة يستعيد طفولته التي جمعته بـ«حامد»، ومن جهة أخرى يكشف عن إحساسٍ غامضٍ يلازمه تجاهه، فيقول: «منذ أن كان طفلاً، كان دائماً يلازمني شعور ما بأن (حامد) ليس طفلاً عادياً؛ القوة البدنية التي يمتلكها، شروده الدائم وعدم إلمامه بما يدور حوله، تلكؤه الغريب وصمته اللامتناهي، نظراته الزائغة دوماً، حتى ردود أفعاله البطيئة، كانت تعبر دوماً عن شيء مغاير يمتلكه هذا (الحامد) دوناً عن الآخرين؛ شيء ليس بالذميم أو الحميد، ولكنْ هناك اختلاف ما يسترعي انتباه من يتعامل معه».

لا يحسم السارِد طبيعة هذا «الاختلاف»؛ بل يتركه موارباً، وهذا الإرجاء يمنح الشخصية عمقاً سردياً؛ إذ لا يُختزل «حامد» في توصيف جاهز؛ بل يظل في منطقة رمادية بين البراءة والغموض، بوصفه «شيئاً مغايراً»، وفي هذه المسافة يتجلى موقف السارِد بوضوح؛ فهو لا يتبنى حُكم الجماعة؛ بل يعيد مساءلته.

مع عودة «حامد» و«صباح» يدخل السرد إلى مساحة اشتباك أوسع، تكشف عن تبادل مواقع الهامش والسخرية، وكأن القرية باتت في حاجة إلى إعادة تعريف مركزها؛ حيث تتقاطع موازين القوة بين التمرُّد والسلطة الاجتماعية، وقوانين الثأر، غير أن رهان «حامد» في النهاية لا يتجاوز الوقوع في الحب، والتعلُّق بأغاني الصعيد الشجيَّة التي يتلقاها بحساسيته المرهفة، فتبادله الهوى بالحساسية نفسها.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

السابق لبنان يبذل مزيداً من الجهود لوقف الحرب وحظر نشاط «حزب الله»
التالى فيصل بن فرحان وروبيو يبحثان الاعتداءات الإيرانية

 
c 1976-2025 Arab News 24 Int'l - Canada: كافة حقوق الموقع والتصميم محفوظة لـ أخبار العرب-كندا
الآراء المنشورة في هذا الموقع، لا تعبر بالضرورة علي آراء الناشرأو محرري الموقع ولكن تعبر عن رأي كاتبيها
Opinion in this site does not reflect the opinion of the Publisher/ or the Editors, but reflects the opinion of its authors.
This website is Educational and Not for Profit to inform & educate the Arab Community in Canada & USA
This Website conforms to all Canadian Laws
Copyrights infringements: The news published here are feeds from different media, if there is any concern,
please contact us: arabnews AT yahoo.com and we will remove, rectify or address the matter.