الدوحة - قنا
في انقلاب رسمي صارخ على الاتفاقيات المبرمة مع السلطة الوطنية الفلسطينية برعاية وإشراف دولي، ألغى الكيان الإسرائيلي اتفاقية الخليل المبرمة بين الطرفين عام 1997 والتي تخص الوضع في مدينة الخليل والحرم الإبراهيمي الشريف.
وقد أعلن القرار بتسلئيل سموتريتش وزير المالية الإسرائيلي المنتمي لليمين المتطرف، بشكل أحادي أمس، وقال إن إسرائيل انتزعت من السلطة الفلسطينية صلاحيات التخطيط والبناء في الخليل ومنطقة الحرم الإبراهيمي، مما أدى إلى إلغاء اتفاق بين الطرفين كان ساريا منذ التسعينيات، وزعم في خطاب له بمستوطنة جديدة بالخليل إلغاء ما أسماه "أحد أكثر بنود أوسلو عبثية" ونقل الصلاحيات رسمياً لإسرائيل.
وأضاف سموتريتش أن هذه الخطوة جاءت بعد قرار عرضه على المجلس الوزاري السياسي والأمني المصغر في فبراير 2026، قبل أن تُستكمل الإجراءات في مجلس التخطيط الأعلى، لافتا إلى أن هذه الخطوة تندرج ضمن سياسة حكومته الرامية إلى تعزيز الاستيطان وتوسيع صلاحيات الإدارة الإسرائيلية في الضفة الغربية، والتي يريدها الفلسطينيون لتكون قلب دولة مستقلة لهم في المستقبل.
ويُعرف الاسم الرسمي لاتفاق الخليل بالبروتوكول الخاص بإعادة الانتشار في الخليل، بينما يشار إليه إعلامياً باسم "بروتوكول الخليل" وقد تم توقيعه في 15 يناير 1997 بين رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ولايته الأولى، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية الراحل ياسر عرفات، كمستند تكميلي لاتفاقية أوسلو 2 لعام 1995. وهدف الاتفاق إلى تنظيم الوضع الأمني والمدني في الخليل نظراً لخصوصيتها المعقدة، حيث يعيش مئات المستوطنين الإسرائيليين في قلب المدينة التي يقطنها مئات الآلاف من الفلسطينيين.
وقد قسّم الاتفاق المدينة إلى منطقتين رئيسيتين: منطقة H1: وتُشكل حوالي 80% من مساحة المدينة، وتم نقل السيطرة الأمنية والمدنية الكاملة فيها للسلطة الفلسطينية، ومنطقة H2: وتُشكل حوالي 20% من المدينة ،وتضم البلدة القديمة، والحرم الإبراهيمي، والبؤر الاستيطانية، وقد احتفظت إسرائيل في هذه المنطقة، بالمسؤولية الأمنية لحماية المستوطنين، بينما بقيت الصلاحيات المدنية، بما فيها التخطيط، والبناء، والتنظيم، ومنح التراخيص، بيد بلدية الخليل الفلسطينية.
ويمثل هذا الإلغاء العملي لأجزاء من اتفاق الخليل ضربة إضافية لما تبقى من الهيكل القانوني لاتفاقيات أوسلو، ما يفتح الباب لتصعيد ميداني واشتباكات قانونية وسياسية واسعة حول هوية البلدة القديمة في الخليل وإدارتها، كما يندرج الإجراء الإسرائيلي، ضمن خطة أوسع يقودها اليمين الإسرائيلي المتطرف تهدف إلى شرعنة البؤر الاستيطانية العشوائية، وبسط السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، وتقويض خيار "حل الدولتين" وينهي دور بلدية الخليل التاريخي والقانوني في إدارة شؤون البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي، المسجلين على قائمة التراث العالمي لليونسكو كموقع فلسطيني، مما يطلق يد المستوطنين في البناء والتوسع دون قيود فلسطينية.
ووفق محللين فلسطينيين فإن القرار الإسرائيلي، يتزامن مع استمرار الاحتلال في عدوانه وحصاره المحكم على قطاع غزة، وكذلك انتهاكاته وسياساته الاستيطانية في القدس ومختلف مناطق الضفة الغربية، وقالوا إن إلغاء اتفاق الخليل، يمنح جيش الاحتلال صلاحيات الهدم وتخطيط مدينة الخليل، ويحرم الفلسطينيين من أي إمكانية لتنفيذ عمليات بنى تحتية في تلك المنطقة، وأضافوا أن القرار الإسرائيلي، خطوة جديدة تضاف إلى سلسلة خطوات اتخذتها حكومة الاحتلال من أجل تقويض الكيان السياسي الفلسطيني، خاصة وأن هذه الحكومة جاءت بعنوان واحد كبير وهو إلغاء أي أفق لحل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية.
ويؤكد المحللون أن سلطات الاحتلال تستهدف الخليل منذ العام 1967، لكن القرار الجديد يشكل ذروة الهجمة الإسرائيلية لتهويد المدينة، وأشاروا إلى أن إلغاء اتفاق الخليل يتجاوز حدود الاعتداء على المقدرات الوطنية الفلسطينية، ويضع حكومة نتنياهو في مواجهة مع العالم والرعاة الرئيسيين لاتفاقيات السلام والاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة الاحتلال.
وعلى الفور أدانت الرئاسة الفلسطينية الخطوة الإسرائيلية واعتبرتها "إجراءً أحادياً خطيراً يمس بالوضع القانوني والسياسي للمدينة ومخالفة صريحة للشرعية الدولية"، وطالبت الإدارة الأمريكية بالتدخل، كما أدانت الخارجية الفلسطينية المساس بالوضع القانوني والتاريخي لمدينة الخليل والحرم الإبراهيمي، مؤكدة أن ما يجري "تصعيد خطير يستوجب المساءلة".
وأكدت الوزارة أنه لا سيادة لإسرائيل على أي جزء من مدينة الخليل، وأضافت أن الحقوق الفلسطينية في المدينة تستند إلى قرارات دولية ووجود تاريخي ممتد، داعية المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة، إلى التدخل العاجل لوقف هذه الإجراءات.
كما رفضت بلدية الخليل، ولجنة إعمار البلدة القديمة، إعلان الحكومة الإسرائيلية، نقل صلاحيات البلدة القديمة والحرم الشريف للإدارة الإسرائيلية، وأكد رئيس البلدية يوسف الجعبري، أن القرار الإسرائيلي يمثل اعتداءً خطيراً على حقوق الشعب الفلسطيني ومؤسساته الوطنية، ومحاولة جديدة لفرض السيطرة على قلب مدينة الخليل التاريخي.
وقال إن بروتوكول الخليل، الموقع برعاية دولية وبمشاركة أمريكية، يمثل إطاراً لتنظيم الحياة الإدارية في المدينة، وشدد على أن أي مساس بهذه التفاهمات يشكل "تجاوزاً خطيراً" ستكون له تداعيات واسعة، داعياً إلى تدخل دولي عاجل. وأكد أن بلدية الخليل ستواصل تقديم خدماتها في جميع مناطق المدينة، بما فيها الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة ومنطقتا H1 وH2.
وتأتي القرارات الإسرائيلية الخاصة بإلغاء اتفاق الخليل في سياق هجمة إسرائيلية واسعة تهدف لتهويد الضفة الغربية وخلق واقع جديد على الأرض يحول دون تطبيق حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية.
فقد نقلت سلطات الاحتلال قبل عدة أشهر صلاحية إدارة الحرم الإبراهيمي من بلدية الخليل إلى الجانب الإسرائيلي، بينما ناقشت اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون التشريع في مايو الماضي مشروع قانون قدمه نواب من حزب عوتسما يهوديت، يقضي بإلغاء اتفاقيات أوسلو والخليل وواي ريفر، الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية، وفي فبراير الماضي، أقر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر، سلسلة قرارات تهدف إلى إحداث تغيير جذري في الواقع القانوني والمدني بالضفة الغربية المحتلة، بغية تعزيز احتلال إسرائيل لها. وتضمنت تلك القرارات إلغاء القانون الأردني الذي يمنع بيع أراضي الفلسطينيين لليهود في الضفة الغربية، فيما تستعد حكومة الاحتلال الإسرائيلية لاتخاذ واحدة من أكبر خطوات التغول الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة منذ عقود، تشمل المصادقة على خطة لتمويل إنشاء 61 مستوطنة جديدة، وإنشاء مجمعات سكنية مؤقتة ومبانٍ عامة وبنية تحتية وشبكات طرق وخدمات أساسية للمخططات الاستيطانية في الضفة الغربية تمهيدا لضمها رسميا للكيان المحتل، ما يعني القضاء على إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية المنصوص عليها في قرارات أممية.
وفي محاولة لتهدئة الانتقادات الدولية، سارعت وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى إصدار بيان ينفي "إلغاء اتفاق الخليل كاملاً"، وزعمت أن التغيير اقتصر على سحب صلاحيات التخطيط والبناء في مواقع التراث والوجود اليهودي فقط بدعوى عدم تعاون بلدية الخليل الفلسطينية.
اقرأ المزيد
مساحة إعلانية
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير




