
الأمم المتحدة
الدوحة - قنا
مع اقتراب انتهاء الولاية الثانية للأمين العام الحالي للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش في 31 ديسمبر 2026، بدأت رسمياً عملية اختيار وتعيين خلفه، الذي سيصبح الأمين العام العاشر للمنظمة الدولية، على أن يبدأ مهامه في الأول من يناير المقبل ولمدة خمس سنوات قابلة للتجديد.
بدأت العملية رسمياً في 25 نوفمبر الماضي، برسالة مشتركة من رئيس الجمعية العامة ورئيس مجلس الأمن، دعت الدول الأعضاء إلى تقديم ترشيحات لمرشحين يتمتعون بخبرة واسعة في العلاقات الدولية، ومهارات دبلوماسية وتواصلية قوية، ولفتت الرسالة الأنظار إلى عدم تولي أي امرأة لمنصب الأمين العام منذ تأسيس المنظمة عام 1945، وهو مايفتح الباب أمام إمكانية تولي امرأة لهذا المنصب لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة.
ويخوض السباق أربعة مرشحين بينهم سيدتان، كما أن ثلاثة منهم هم من أمريكا اللاتينية، مما يرجح إمكانية اختيار الأمين العام الجديد من هذه القارة، بعد غياب تمثيلها البارز في المنصب منذ أن تولاه خافيير بيريز دي كويلار من بيرو، بين عامي 1982-1991.
والمرشحون الأربعة هم أولا، رافائيل غروسي من الأرجنتين، وهو المدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويتمتع بخبرة واسعة في الدبلوماسية النووية، لكن مواقفه الصارمة في قضايا مثل محطة زاباروجيا للطاقة النووية في أوكرانيا أثارت انتقادات من روسيا، ما قد يؤثر على فرصه في مجلس الأمن، ثانيا، ميشيل باشيليت من تشيلي، وهي رئيسة تشيلي السابقة والمفوضة السامية السابقة لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وتحظى بدعم من دول أمريكا اللاتينية، وتدعو إلى تعزيز حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين، لكنها قد تواجه تحفظات من دول مثل الصين وروسيا بسبب مواقفها تجاه قضايا حقوق الإنسان، وثالثا، ماكي سال وهو الرئيس السنغالي السابق ورئيس الاتحاد الأفريقي سابقاً، ويمثل الصوت الأفريقي ويتمتع بخبرة قيادية واسعة، ومع ذلك، فإن المطالبات بالمداورة الإقليمية لصالح أمريكا اللاتينية قد لا تكون في صالحه، ورابعا وأخيرا، ريبيكا غرينسبان من كوستاريكا، وهي الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد"، وتُعتبر مرشحة توافقية بخلفية اقتصادية قوية، وقد تكون خياراً مقبولاً للعديد من الدول.
وسينظم رئيس الجمعية العامة خلال اليومين المقبلين، جلسات استماع علنية مع المرشحين الأربعة لمناقشة رؤاهم وأفكارهم أمام الدول الأعضاء، وفي أواخر يوليو المقبل يعقد مجلس الأمن، جلسات مغلقة لمناقشة المرشحين وتقييمهم تمهيدا لاختيار أحدهم، ثم تضفي الجمعية العامة الطابع الرسمي على قرار التعيين أواخر العام الجاري.
تقوم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بترشيح من تراه مؤهلا لمنصب الأمين العام، ويحق لكل دولة ترشيح مرشح واحد سواء بشكل منفرد أو مشترك مع دول أخرى، ولا يُسمح بالترشح الذاتي، ويمكن ترشيح مرشحين إضافيين حتى بعد انقضاء الموعد النهائي المحدد في الأول من أبريل الجاري، ولا يتم طرح أسماء مواطني الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن لشغل المنصب.
ولا توجد سياسة رسمية للتناوب الإقليمي فيما يتعلق بالمنطقة الجغرافية التي ينبغي أن ينحدر منها الأمين العام. ومع ذلك، يرى البعض أن الدور قد حان الآن لمنطقة أمريكا اللاتينية، وهو ما قد يفسر سبب انحدار ثلاثة من المرشحين الذين أُعلن عنهم حتى الآن من تلك المنطقة.
وعلى المرشحين تقديم بيان يحدد رؤيتهم ويكشف مصادر التمويل في وقت الترشح، وإذا كان المرشح موظفا في الأمم المتحدة، سيكون عليه النظر في تعليق عمله في المنظومة الأممية أثناء العملية الانتخابية لتجنب أي تضارب في المصالح، ولكي يصبح المرشح أمينا عاما، ينبغي عليه الحصول على تأييد الأغلبية داخل مجلس الأمن، وتجنب استخدام حق النقض (الفيتو) ضده من قِبل أي من الدول الخمس الدائمة العضوية.
وقد تعاقب على قيادة الأمم المتحدة خلال السنوات الثمانين الماضية تسعة أمناء هم: أنطونيو غوتيريش من البرتغال، الذي تولى منصبه في يناير 2017 وسيبقى فيه حتى نهاية عام 2026، وبان كي مون من جمهورية كوريا، من 2007 إلى 2016، وكوفي عنان من غانا، من 1997 إلى 2006، وبطرس بطرس غالي من مصر، من 1992 إلى 1996، وخافيير بيريز دي كويلار من بيرو، من 1982 إلى 1991، وكورت فالدهايم من النمسا، من 1972 إلى 1981، ويو ثانت من بورما، التي تُعرف الآن بميانمار، من 1961 إلى 1971، وداغ همرشولد من السويد، من 1953 إلى 1961، وتريغف هالفدان لي من النرويج، من 1946 إلى 1952.
والأمين العام هو كبير الموظفين الإداريين وكبير الدبلوماسيين في المنظمة، ويتضمن دوره مهام متعددة تشمل الدبلوماسية ومناصرة القضايا المهمة ورئاسة المنظومة ككل، وهو رمز لقيم الأمم المتحدة ومتحدث نيابة عن مصالح شعوب العالم وخاصة الفقيرة والمعرضة لعوامل الضعف، ويقوم بالمهام التي تُوكل إليه من مجلس الأمن والجمعية العامة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي وغيرهم من أجهزة الأمم المتحدة، ويمنح ميثاق الأمم المتحدة للأمين العام القدرة على لفت انتباه مجلس الأمن إلى القضايا التي يرى أنها تهدد الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، كما يبذل الأمين العام مساعيه الحميدة سرا أو علانية استنادا إلى استقلاله وحياده ونزاهته، لمنع تصاعد الخلافات أو انتشارها.
ولا تقتصر عملية اختيار أمين عام جديد للأمم المتحدة على اختيار قائد إداري فحسب، بل هي صراع جيوسياسي معقد يعكس التوازنات الدولية والتحديات الراهنة التي تواجه العالم، لكن انطلاق السباق يمثل خطوة مهمة نحو تجديد قيادة الأمم المتحدة في وقت حرج، وسيعتمد الاختيار النهائي على توازن بين الكفاءة المهنية، والتوافق السياسي، والقدرة على استعادة مصداقية المنظمة كرمز للسلام والتعاون الدولي، ومن شأن اختيار الأمين العام الجديد، أن يُعيد تشكيل ملامح الدبلوماسية العالمية، ويؤثر في سبل الاستجابة للأزمات في شتى أنحاء العالم، ويحدد مسار النظام متعدد الأطراف على مدار العقد المقبل.
تأسست الأمم المتحدة قبل نحو ثمانين عاما مع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، وشكل ظهورها لحظة تاريخية غيرت وجه العالم، وفتحت أبواب الأمل إلى عالم من الطمأنينة والاستقرار والأمان أمام مختلف شعوب الأرض، وكان ميثاق الأمم المتحدة جسرا للعبور فوق هاوية الصراعات، موحدا الأمم في سعيها لتحقيق الاستقرار والتنمية، فمن قاعات المناقشات إلى ميادين العمل الإنساني، تحولت الكلمات المكتوبة إلى أفعال وأنقذت أرواحا وأعادت بناء المجتمعات شعوبا وقبائل، مسهلة أمامها مختلف السبل والدروب لتتطلع للمستقبل بتفاؤل، من أجل بناء عالم يتسع للجميع، وتحترم الكرامة الإنسانية في كل ركن من أركانه.
اقرأ المزيد
مساحة إعلانية
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





