
الدوحة - قنا
استعرضت الجلسة الثانية من النسخة الثانية عشرة من البرنامج الرمضاني الحواري "وآمنهم من خوف" لعام 1447 هـ/ 2026 م، التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في رحاب جامع الإمام محمد بن عبدالوهاب، مفهوم السيرة النبوية كنموذج: وحدة الأمة وبناء التماسك المجتمعي، وذلك بمشاركة نخبة من العلماء والمفكرين من داخل دولة قطر وخارجها.
وناقشت الجلسة عددا من الموضوعات من بينها وثيقة المدينة المنورة التي شكلت نموذجاً لتنظيم العلاقات الاجتماعية وأسهمت ببناء مجتمع متماسك، مستعرضة مفهوم السيرة النبوية التي تبرز منهجاً متكاملاً في بناء المجتمع، قائماً على أسس واضحة.
وأكد الدكتور عزيز البطيوي رئيس وحدة البحوث والدراسات بكلية الشريعة في جامعة قطر، أن وثيقة المدينة تمثل نموذجاً تأسيسياً رائداً في ترسيخ الوحدة المجتمعية والتعايش وإدارة التنوع، منوهاً بأهمية إعادة قراءتها في الواقع المعاصر.
وقال "إن اختيار هذا المحور يجدد قراءة السيرة النبوية بوصفها عطاءً غير محدود في الزمان والمكان"، مبيناً أن وثيقة المدينة فتحت آفاقًا واسعة لفهم كيفية بناء مجتمع متماسك في المدينة المنورة عقب الهجرة النبوية.
وأوضح أن الوثيقة مثلت انتقالاً نوعياً من التفكك إلى الوحدة، ومن الفوضى إلى النظام، ومن الإقصاء إلى الاعتراف بالآخر، ومن الانتماء القبلي إلى الانتماء للأمة، مبيناً أنها عكست بوضوح الواقع الاجتماعي الجديد للمدينة.
كما أشار إلى أن الوثيقة كتبت في مراحلها الأولى لتنظيم العلاقة بين المهاجرين والأنصار ثم بين المسلمين واليهود قبل أن تجمع في وثيقة واحدة ضمت نحو سبعة وأربعين بنداً، مؤكداً أنها أرست أسساً واضحة للوحدة المجتمعية.
وبين أن النص الافتتاحي للوثيقة، الذي نص على أن المسلمين "أمة واحدة من دون الناس"، أسس لثلاث ركائز رئيسية، هي: وحدة المرجعية النبوية، وتوسيع إطار الانتماء بعيدًا عن العصبية القبلية، وترسيخ مفهوم الأمة الجامعة، منوها إلى تقديم الوثيقة مستويين لمفهوم الأمة، هما الأمة العقدية التي تنظّم العلاقة داخل المجتمع المسلم، والأمة السياسية التي تشمل جميع مكونات مجتمع المدينة، بما يرسخ مبدأ المواطنة القائم على الحقوق والواجبات للجميع.
ولفت الدكتور البطيوي إلى أن من أبرز مظاهر الوحدة المجتمعية في الوثيقة إقرار مبدأ التكافل بين المسلمين في الديات وفك الأسرى ورعاية المحتاجين، إلى جانب التأكيد على وحدة القرار في السلم والحرب، بما يحفظ تماسك الدولة وأمنها الداخلي، منوها إلى ترسيخ الوثيقة مبدأ التعايش السلمي مع اليهود من خلال النص على أنهم "أمة مع المؤمنين" مع احتفاظ كل طرف بدينه، إضافة إلى إقرار مبدأ الدفاع المشترك عند التعرض للعدوان.
واعتبر وثيقة المدينة أول دستور وعقد اجتماعي وسياسي في الدولة الإسلامية، مشدداً على أن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استلهام مضامينها في إدارة التنوع وتعزيز الوحدة المجتمعية.
من جهته، أبرز الدكتور نواف فهد العتيبي الأكاديمي والداعية الإسلامي، إمام وخطيب بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن الهوية الجامعة يقابلها الهوية المفرقة، وأن الهويات المفرقة هي الأصل في الجنس البشري، فهو ينزع إلى التفرد والتميز بنفسه، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات، ثم بعد ذلك يكون تنافس بين أصحاب الهويات، مبينا أن هذا التنافس يأتي بسبب طبيعة النقص البشري، ووجود العدو الأزلي وهو إبليس، ما يورث التصادم والصراع.
وأضاف أن مطلب العقلاء منذ الأزل هو أن تكون هناك هوية جامعة لهذه الهويات في مصلحة الأمة المشتركة، فهناك هويات وهناك من يديرون هذه الهويات، فدائماً ما يبحثون عن الهوية الجامعة التي تحقق المصلحة للأمة بشكل عام لأن هذه الهويات إن تركت بدون توجيه ستُفسد فيكون مقابل المصلحة مفسدة، ولذلك لابد أن يكون هناك خطاب عام لتوحيد هذه الهويات في مصلحة الأمة.
إلى ذلك، أكد الدكتور محمد عبدالكريم الأكاديمي بكلية الشريعة في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الكويت، أن السيرة النبوية تبرز منهجا متكاملا في بناء المجتمع، قائما على أسس واضحة ومرجعية عليا ضابطة، أسهمت في إرساء دعائم التماسك والاستقرار في الدولة الناشئة.
وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم حرص، لا سيما في المرحلة المكية، على ترسيخ العقيدة وتوحيد المرجعية قبل الشروع في أي بناء سياسي أو تنظيمي، مؤكدا أن بناء الإنسان يسبق بناء الكيان، وأن تأسيس الوعي الإيماني هو الأساس لأي مشروع حضاري ناجح.
وبين أن المشروع النبوي انطلق من إقامة مرجعية عليا يحتكم إليها عند النزاع، بحيث ترد الخلافات إلى أصل جامع بعيدا عن الأهواء المتباينة، بينما يحقق الاحتكام إلى مرجعية عليا حالة من الانضباط والتوازن تكبح جماح الأهواء وتضمن وحدة الصف، لافتا إلى أن من أبرز معالم المنهج النبوي إعادة صياغة الهوية على أساس العقيدة بدل الروابط القبلية والعرقية، حيث آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، مؤسسا لرابطة إيمانية تتجاوز الانتماءات الضيقة، من دون إلغاء الخصوصيات الثقافية والاجتماعية.
كما استشهد بحادثة التنازع بين أحد المهاجرين وأحد الأنصار، حين تعالت دعوات العصبية، فحسم النبي صلى الله عليه وسلم الموقف بقوله: "دعوها فإنها منتنة"، في إشارة واضحة إلى رفض كل أشكال التخندق التي تهدد وحدة المجتمع، مؤكدا أن الاختلاف والتنوع لا يرفضان في ذاتهما، وإنما يوجهان لخدمة وحدة الصف لا لتمزيقه.
وقال الدكتور عبدالكريم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بالتوجيهات العامة، بل نظم العلاقات داخل المجتمع المدني عبر وثيقة مكتوبة عرفت بـ"صحيفة المدينة"، التي نظمت العلاقة بين مكونات المجتمع من مسلمين ويهود، وأقرت بمرجعية القيادة النبوية العليا.
وبين أن الصحيفة شكلت إطارا تعاقديا ضامنا للحقوق والواجبات، ومثالا مبكرا على التنظيم السياسي القائم على التعددية المنضبطة بمرجعية جامعة، مع التأكيد على أن نقض العهود يعد خرقا للنظام العام، مشيرا إلأى تميز السيرة النبوية بمنهج راق في إدارة الخلاف، قوامه الشورى والاحتواء، حيث رسخ النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، وأن المخالف لا يعادى ولا يقصى لمجرد مخالفته.
وأوضح أن ذلك تجلى في مواقف عدة، منها استشارة النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة في غزوة أحد، حيث أخذ برأي الأغلبية رغم مخالفته لرأيه الشخصي، وكذلك في غزوة الخندق حين قبل مشورة سلمان الفارسي بحفر الخندق، في سابقة تؤكد الانفتاح على الرأي الصائب مهما كان مصدره، متابعا قوله "إن السيرة النبوية أبرزت كذلك وعيا عميقا بفقه المآلات، أي النظر في نتائج القرارات وآثارها المستقبلية"، ومستشهدا بصلح الحديبية الذي بدا لبعض الصحابة مجحفا في ظاهره، لكنه أثبت لاحقا أنه كان فتحا مبينا ومقدمة لانتشار الدعوة وترسيخ الاستقرار.
وفي سياق ذي صلة، أكد الدكتور رمضان خميس الأستاذ بكلية الشريعة جامعة قطر، أن السيرة النبوية الشريفة كانت النموذج التطبيقي العملي للقرآن الكريم الأمر الذي مكنها من إيجاد الحلول لجميع المشكلات الاجتماعية في ذلك وقت وستبقى هذه الحلول صالحة لما نستقبل من مشكلات متجددة زمانا ومكانا، مستعرضا الجهود النبوية في التوحيد بين أفراد المجتمع على اختلاف سحناتهم مما مكنه من خلق تآلف وتواد بين أساطين قريش الألداء المتناحرين المختلفين في الرؤى والأفكار وموقفهم من الدعوة الإسلامية في مطلعها.
وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم حول هذا الشتات إلى منظومة متراصة ومتشابكة مجتمعة وكان يأخذ بالشورى ويجعلها أسلوب حياة بين أصحابه فتحول الاختلاف إلى نقطة قوة وأعطى أصحابه فرصة القيادة حتى تستفيد منهم الدعوة الإسلامية في صدر الإسلام، متطرقا لأسلوب النبوة في اختيار الأشخاص للقيادة، ومبينا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحسن الاختيار ويضع الشخص المناسب في المكان المناسب مما مكنه من إدارة التنوع وسيادة العدالة في المجتمع آنذاك.
ولفت الدكتور خميس إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل من التفرق لبنات لبناء حضارة عرفت السلام.. وربى جيلا قرآنيا من أصحابه عرفتهم البشرية واعترفت بفضلهم، داعيا إلى اعتبار الأسس التي قام عليها المجتمع النبوي هاديا في حياتنا.
أخبار ذات صلة
مساحة إعلانية
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير







