
صندوق النقد الدولي
الدوحة - قنا
في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم جراء الصراعات الجيوسياسية الدائرة، بالإضافة لتأثير الكوارث الطبيعية والظواهر الجوية المتطرفة، وعلى الرغم مما تبشر به التحولات التكنولوجية وثورة الذكاء الاصطناعي من تغيرات كبيرة وفرص جديدة، فإن حالة من عدم اليقين الناجمة عن هذه التفاعلات تترك تأثيرها على البيئة الاقتصادية العالمية لتجعلها أكثر صعوبة وغير محددة المسار، مما جعل التواتر مستمرا في فرض تكاليف ضخمة على الاقتصاد الكلي في كثير من البلدان.
وفي أحدث تقاريره رفع صندوق النقد الدولي مجددا توقعاته للنمو العالمي في عام 2026، وذلك في ظل تكيف الشركات والاقتصادات مع خفض الرسوم الجمركية خلال الأشهر الماضية، واستمرار طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي التي عززت ثروات الأصول وآفاق زيادة الإنتاجية، حيث توقع الصندوق في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، نموا للناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 3.3 بالمئة في عام 2026، بزيادة 0.2 نقطة مئوية عن تقديرات سابقة له في شهر أكتوبر الماضي، وهو المستوى نفسه المتوقع لعام 2025، بينما أبقى توقعاته لنمو عام 2027 دون تغيير عند 3.2 بالمئة، وأرجع الصندوق التحسن في آفاق النمو إلى الاتفاقيات التجارية التي خفضت الرسوم الجمركية، إضافة إلى قدرة الشركات على إعادة توجيه سلاسل التوريد، واستمرار الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وفي السياق، وفيما يتعلق بتوقعات التقرير للاقتصادات الكبرى، قال صندوق النقد الدولي في تقريره السنوي للنمو العالمي، إن نمو الصين في عام 2026 سيبلغ 4.5 بالمئة، بانخفاض عن الأداء الذي فاق التوقعات في 2025 وبلغ خمسة بالمئة، ولكنه أعلى بنسبة 0.3 نقطة مئوية من تقديرات أكتوبر.
بينما قدر الصندوق نمو الاقتصاد الأمريكي في 2026 بنسبة 2.4 بالمئة، بزيادة قدرها 0.3 نقطة مئوية عن توقعات أكتوبر الماضي مدعوما بالاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، في حين خفض الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد الأمريكي لعام 2027 بمقدار 0.1 نقطة مئوية إلى اثنين بالمئة، وأرجع الصندوق انتعاش الاقتصاد الإسباني للاستثمار في التكنولوجيا ليرفع توقعه لنمو ناتجها المحلي الإجمالي في عام 2026 بمقدار 0.3 نقطة مئوية إلى 2.3 بالمئة، أما في بريطانيا، فأبقى صندوق النقد توقعاته دون تغيير عند 1.3 بالمئة لعام 2026.
وفي الاتجاه ذاته أوضح الصندوق في تقريره، أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة للنمو الاقتصادي العالمي، إذا ما أدت زيادة الاستثمارات إلى التبني السريع لهذه التكنولوجيا، والتي تحقق زيادة في الإنتاجية وتعزيز آليات الأعمال والابتكار.
وحول توقعات تقرير صندوق النقد الدولي بارتفاع معدلات النمو العالمي، قال الدكتور رجب الإسماعيل الأستاذ في كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة قطر في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إن قراءة مؤشرات التقرير تعكس استقرارا نسبيا لا انتعاشا قويا، فرفع التوقعات بـ0.2 نقطة مئوية يشير إلى تحسن محدود في المعنويات والظروف التجارية، لكنه يظل دون متوسطات ما قبل الجائحة وتثبيت نمو 2025 عند المستوى نفسه، مع خفض طفيف إلى 3.2 بالمئة في عام 2027، وذلك يعني أن صندوق النقد، يرى أن الاقتصاد العالمي عالق في مسار نمو متوسط ومنخفض الزخم بسبب القيود الهيكلية والديون والتوترات الجيوسياسية.
وأوضح الإسماعيل أن الصندوق يشير إلى تحسن نوعي في آليات التكيف أكثر من تحسن كمي في الطلب، كما أن خفض الرسوم عبر اتفاقيات تجارية خفف من تكاليف التجارة، بينما أظهرت الشركات قدرة أكبر على إعادة توجيه سلاسل التوريد وتقليل المخاطر، وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يدعم الاستثمار والإنتاجية في الاقتصادات المتقدمة، لكنه لم يتحول بعد إلى محرك شامل للنمو العالمي، بل ما زال أثره قطاعيا وانتقائيا.
ورأى الدكتور رجب الإسماعيل، أن توقع التقرير انخفاض الرسوم الجمركية الأمريكية إلى 18.5 بالمئة، يعد تراجعا يعكس تحولا براغماتيا في السياسة التجارية الأمريكية تحت ضغط التضخم وتكاليف الحماية، معتبرا أن الانخفاض سيخفف جزئيا من تشوهات التجارة العالمية ويدعم النمو، لكنه لا يعني نهاية الحمائية، بل تخفيفها، لذلك سيكون الأثر إيجابيا لكنه محدود زمنيا ومرهون بالاستقرار السياسي الداخلي.
وأشار إلى أن هناك تأثيرا كبيرا للسياسات التجارية للإدارة الأمريكية على الاقتصاد العالمي جراء ما يتخذ من قرارات اقتصادية تركت تقلبات وتأثيرات كبيرة خاصة على أسواق رأس المال والأسهم والسندات، ولذا من الصعب التنبؤ بما سيحدث على معدلات النمو العالمي في السنوات المقبلة أو على الأقل في العام الحالي والعام القادم، وخاصة في أسعار النفط والأسهم والسندات، وهو ما يترك تأثيره على العالم أجمع، فكثير من الميزانيات تعتمد على القطاع النفطي وأسعار الطاقة، كما أن التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وكذلك التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وأوروبا ربما يكون لها تأثير على النمو الاقتصادي العالمي.
ورأى أن إمكانية استمرار تراجع التضخم العالمي، هو سيناريو ممكن لكنه مشروط، فالصندوق بنى توقعاته على: استمرار تشدد نقدي محسوب دون ركود، وتراجع صدمات العرض في الطاقة والغذاء، وتحسن سلاسل التوريد، لكن أي تصعيد جيوسياسي أو عودة للحمائية قد يعطل هذا المسار، لذا فتراجع معدلات التضخم العالمي مرجح إحصائيا لكنه هش من الناحية السياسية.
وبين الدكتور رجب الإسماعيل الأستاذ في كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة قطر أثناء حديثه لـ/قنا/، أن تباطؤ الصين إلى 4.5 بالمئة يعكس انتقالها إلى نمو أكثر توازنا وأقل اعتمادا على العقارات، بينما يرشح الاقتصاد الأمريكي لنمو معتدل مدفوعا بالاستهلاك والابتكار، مع مخاطر الدين والعجز، أما بريطانيا وألمانيا، فتواجهان ضعفا هيكليا في الصناعة والطاقة والطلب، ما يجعل مساهمتهما في النمو العالمي أقل مقارنة بالولايات المتحدة وآسيا.
وفي سياق استقرار معدلات النمو للاقتصاد العالمي، أشار الدكتور رجب الإسماعيل، إلى أن الاقتصاد القطري يعد من أكثر الاقتصاديات استقرارا على مستوى المنطقة، ومن المتوقع أن يشهد منتصف العام الحالي بداية الإنتاج من عمليات التوسعة في حقول الغاز، مما يبشر بأن مستويات الإنتاج ستكون أعلى، وهو ما سيحدث تأثيرا إيجابيا من ناحية الإيرادات المتوقعة للاقتصاد القطري لزيادة الغاز المسال.
واختتم الدكتور رجب الإسماعيل حديثه لـ/قنا/، بالقول إن المشكلة التي تواجه الاقتصاد العالمي اليوم ليست نقص السيولة، بل نقص التنسيق والثقة والإصلاحات الهيكلية طويلة الأجل، فالمطلوب للارتقاء بمعدلات النمو العالمي، إصلاح النظام التجاري وتقليص الحمائية، وتوجيه الاستثمار نحو رفع الإنتاجية لا التحفيز المؤقت، وتعميم فوائد التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي على الاقتصادات النامية، ومعالجة أزمات الديون، فضلا عن تعزيز الاستقرار الجيوسياسي.
ويجمع خبراء اقتصاديون على أن ارتفاع معدلات النمو العالمي للمعدلات المطلوبة لن يتحقق، إلا ببذل المزيد من الجهود العملية، فلا يكفي ما تبذله الحكومات من جهد على الصعيد الداخلي، إذا لم يكن ذلك متسقا مع ما يبذل على المستوى الدولي لتشجيع قيام بيئة تجارية مستقرة وواضحة المسار، وتيسير إعادة هيكلة الديون، والتصدي للتحديات المشتركة، ويرى هؤلاء الاقتصاديون، أنه لا بد لكل بلد من إصلاحات تحويلية بهدف زيادة الإنتاج وتعزيز النمو كضرورة حتمية، بما في ذلك الحد من الإجراءات البيروقراطية، وزيادة التنافس، وتعزيز ريادة الأعمال، وتعميق أسواق رأس المال، واعتماد نظام ضريبي أبسط وأكثر اتساقا، وتحسين الهياكل التنظيمية الرقمية، وزيادة مستويات المشاركة الاقتصادية.
أخبار ذات صلة
مساحة إعلانية
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير





