الأربعاء 21 يناير 2026 05:40 صباحاً صدر الصورة، Willa
-
- Author, بول غلين
- Role, مراسل الشؤون الثقافية
-
قبل 4 دقيقة
"إنهم يطلقون النار عليّ. أرجوكم أنقذوني. أنا خائفة".
عندما استمعت المخرجة كوثر بن هنية لأول مرة إلى تسجيل مكالمة الطوارئ لهند رجب، الطفلة الفلسطينية البالغة من العمر ست سنوات، وهي تستغيث طلباً للمساعدة أثناء حصارها في مدينة غزة عام 2024، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أدركت على الفور ما يجب عليها فعله.
فقد أوقفت المخرجة التونسية، التي رُشحت لنيل جائزة الأوسكار مرتين، تصوير فيلمها الذي كانت على وشك إنتاجه، واتصلت بمنتجها واتفقا على سرد قصة الفتاة التي قُتلت على الأرجح بنيران إسرائيلية، وفقاً لعدد من التحقيقات الإعلامية مع عمتها وعمها وأبناء عمومتها، بالإضافة إلى مسعفين اثنين أُرسلا لإنقاذها.
"ظلّ عالقاً في ذهني"، هكذا قالت بن هنية لبي بي سي نيوز عن التسجيل الصوتي، الذي يُشكّل محور فيلمها الوثائقي الدرامي المرشّح لجائزة الأوسكار، والذي عُرض في دور السينما البريطانية يوم الجمعة الماضي.
وأضافت: "كنت غاضبة للغاية، وحزينة، وشعرت بالعجز، وأكره هذا الشعور. وسألت نفسي ماذا يمكنني أن أفعل؟ أنا مخرجة، لذا يمكنني صناعة الأفلام".
وتقول: "بدأنا العمل على مشروع صوت هند رجب بهذه الطريقة لكي لا نشعر بالعجز، ولكي لا نقبل، ولكي نشهد على ما حدث. ولأن عدم القيام بذلك، بالنسبة لي، كان بمثابة تواطؤ".
تعرضت سيارة هند رجب لنيران يُشتبه في أنها إسرائيلية أثناء محاولتها الفرار مع عائلتها من القصف خلال الحرب الدائرة في غزة منذ عامين.
وقد قُتل عدد من أفراد عائلتها، لكن هند تمكنت من الرد على نداء استغاثة من متطوعي جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.
وتعرضت سيارة الإسعاف التي كانت تحاول الوصول إليها للقصف أيضاً، وقُتل طاقم الإسعاف، وهند وعائلتها كذلك.
وأعلن الجيش الإسرائيلي في البداية أن قواته لم تكن متواجدة في المنطقة التي قُتلت فيها هند ومن معها.
لكن هذا التصريح وُوجه بالتشكيك بعد تحقيقات مستقلة أجرتها وكالة أبحاث "الهندسة الجنائية"، بالتعاون مع منظمة "إيرشوت" غير الحكومية وصحفيين من قناة الجزيرة، والتي خلصت إلى أن الأضرار التي لحقت بالسيارة وسيارة الإسعاف تتوافق مع نيران الدبابات الإسرائيلية.
لاحقاً، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه "نفّذ غارات على أهداف إرهابية" بقوات تعمل في أحياء بمدينة غزة، بما فيها تل الهوى، حيث أجرت هند مكالمتها الطارئة.
واستشهدت الأمم المتحدة بقضية هند رجب في لجنة تحقيق تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب، وهو ما تنفيه الأخيرة.
وقال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي لبي بي سي، إن الأمر لا يزال قيد المراجعة من قبل آلية إسرائيل لتقصي الحقائق (FFAM).
"إثارة التعاطف"
ويسعى فيلم بن هنية إلى سرد قصة هند وعائلتها، باللغتين العربية والإنجليزية، من منظور متطوعي الهلال الأحمر في مركز الاتصال برام الله في الضفة الغربية المحتلة.
وتقول المخرجة: "الفيلم مبني على أحداث حقيقية و"مرتكز عليها".
وتضيف: "في مرحلة ما، ومع كل هذه الأدلة، ظننت أننا قد انتهينا من الشرح".
وتؤكد أنه "يمكن للسينما أن تقدم ما هو أفضل، وهو إثارة التعاطف".
يمزج الفيلم بين تسجيلات صوتية لمكالمات الفتاة الأخيرة المؤلمة مع الهلال الأحمر، ومشاهد تمثيلية بصرية باستخدام ممثلين لتمثيل المتطوعين.
يحاولون تهدئتها وإبقائها واعية بينما يتضح لهم أنها محاطة بجثث أقاربها.
وقد أشاد النقاد بالتأثير العاطفي للأداء، مع الإشارة إلى المشاكل الكامنة في مزج الفيلم الوثائقي بالدراما.
قال غاي لودج من مجلة فارايتي إنه "من المستحيل ألا يتأثر المرء" بالتسجيل الصوتي الذي يُشكّل جوهر هذا الفيلم، والذي يُسمع من "مسافة مؤلمة".
لكنه رأى أن "أخلاقيات الفكرة وطريقة تنفيذها محلّ تساؤل".
وفي مراجعة منحت الفيلم أربع نجوم، قال روبي كولين من صحيفة التلغراف البريطانية، إن الفيلم "يتجاوز مجرد الصدمة" ويطرح على المشاهدين "معضلةً أخلاقية".
وكتب: "كنت أخشى مشاهدة هذا الفيلم. لكن بعد مشاهدته الآن، أجد أن رأيي قد تغير، ويعود الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى الاجتهاد الفلسفي لنهج بن هنية".
صدر الصورة، Willa
وتقول المخرجة، التي نالت مباركة والدة هند، وسام، قبل إخراج الفيلم، إنها بذلت قصارى جهدها "لاحترام شهادة" المتطوعين وما رووه لها عن ذلك اليوم.
ولم تتواصل مع الطرف الآخر، وتقول بشأن ذلك: "فيلمي ليس تحقيقاً".
وأضافت: "لقد أُجري التحقيق بالفعل"، مشيرة إلى النتائج المذكورة سابقاً، إضافة إلى نتائج تقارير أخرى نشرتها كبرى وسائل الإعلام، بما فيها صحيفة واشنطن بوست وقناة سكاي نيوز.
وتتوالى مشاهد التوتر المتزايد في الفيلم بين عمر، عامل مركز الاتصال الذي يؤدي دوره معتز ملحيس، ومديره مهدي، الذي يؤدي دوره عامر حليحل.
ويسعى مهدي لإيجاد طريق آمن معتمد من الجيش الإسرائيلي، عبر وسطاء، ليتمكن المسعفون من القيام برحلة تستغرق ثماني دقائق لتنفيذ عملية الإنقاذ.
فيما يُصاب عمر بالإحباط من إصرار مديره على محاولة التفاوض مع إسرائيل.
الممثلتان سجى كيلاني وكلارا خوري، بدور زميلتيهما في مركز الاتصال رنا ونسرين على التوالي، تكمّلان طاقم الممثلين من أصول فلسطينية.
ونشاهدهما تسمعان صوت إطلاق نار أو انفجار في الخلفية قبل انقطاع الاتصال الهاتفي تماماً مع هند.
وتقول المخرجة: "حتى الممثلون، في مرحلة ما، يتوقفون عن التمثيل. لم يكونوا يمثلون".
هذا ما يؤكده ملحيس، الذي يخبرنا أنه عانى من نوبات هلع أثناء التصوير، وشعر أن قلبه "سينفجر" خلال أحد المشاهد، الذي كان بالنسبة له "كحديث حقيقي مع الطفلة".
ويضيف: "لقد كانت تجربة صعبة، لكنها تستحق كل ما بذلته من جهد".
صدر الصورة، Willa
وتؤكد مخرجة الفيلم أنها أرادت أن تشارك الجمهور مشاعرها في المرة الأولى التي سمعت فيها نداء الفتاة طلباً للمساعدة. "ظننتُ أنها تُخاطبني، لأُنقذها".
وقالت لنفسها: "أحتاج للعودة إلى تلك اللحظة التي كان من الممكن فيها إنقاذها". قبل أن "تخذلها الحرب، في المقام الأول".
وفي مراجعة أخرى منحت الفيلم أربع نجوم، قال بيتر برادشو من صحيفة الغارديان، إن هناك "براعة استفزازية جريئة وقاسية في ما تقدمه بن هنية".
وكتب: "هل هو فيلم سيء الذوق؟ هل هو إشكالي؟ حسناً، في عالم ينشغل فيه المخرجون بأنفسهم وويُشغلوننا بقصص مختلقة عن أشخاص مختلقين، فإن بن هنية على الأقل تمسك بواحدة من أهم قضايا عصرنا بكلتا يديها وتجد طريقة لفرضها علينا".
صدر الصورة، Willa
كان السؤال الرئيسي الذي شغل بن هنية أثناء صناعة الفيلم هو: "كيف نجعل صوت هذه الطفلة الصغيرة يتردد؟"، وفقاً لها.
وتضيف: "لأن العالم لا يريد سماعه. فالأمر ليس سهلاً أو مريحاً لمواجهته. لكن بالنسبة لي، كان من المهم تكريم صوتها وإيصاله إلى العالم أجمع".
وخشية أن يُنظر إلى الفيلم على أنه "مُخصّص لفئة مُحدّدة"، تواصل صُنّاع الفيلم مع بعض نجوم هوليوود المعروفين، بمن فيهم براد بيت، وجواكين فينيكس، وروني مارا، الذين انضموا كمنتجين تنفيذيين.
وحضر فينيكس ومارا العرض الأول للفيلم في مهرجان البندقية السينمائي، حيث حظي بتصفيق حارّ استمرّ 23 دقيقة، وهو رقم قياسي، وفاز أيضاً بجائزة لجنة التحكيم الكبرى.
وتتذكر بن هنية هذه اللحظة "المذهلة"، وتقول: "كنتُ أتساءل متى سيتوقفون؟".
وتكمل: "وفي الحقيقة، توقفوا لأن السينما طلبت منا المغادرة، لوجود عرض لفيلم آخر!".
بينما يقول ملحيس: "لقد كانت لحظة تضامن حقيقية. يمكنك أن تشعر بأن الناس موجودون معك. أنت لست وحدك في هذا العالم".
صدر الصورة، Ammar Abd Rabbo
رُشِّح فيلمان سابقان للمخرجة بن هنيا لجائزة الأوسكار، وهما فيلم "أربع بنات" (2024) الذي يتناول قصة شقيقتين مراهقتين انضمتا إلى تنظيم داعش، وفيلم "الرجل الذي باع جلده" (2021) الذي يروي قصة لاجئ سوري يتحول إلى عمل فني تجريدي.
من المتوقع أن يحصل أحدث أفلامها، المرشح لجائزة الغولدن غلوب، على ترشيح لجائزة الأوسكار يوم الخميس، لفئة أفضل فيلم دولي، وتأمل المخرجة أن يساعد ذلك العالم بأسره على تذكر اسم هند رجب، في ظل استمرار الجهود المبذولة لإيجاد بصمة خالدة في غزة.
وتقول بن هنية: "ليس لدينا نجوم، وهذا ليس فيلماً يُشعرك بالسعادة".
وتضيف: "أعتقد أنه من المهم ألا نصرف أنظارنا، لأن هذه ليست مجرد قصة: إنها صناعة للتاريخ".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :