اخبار العرب -كندا 24: الجمعة 30 يناير 2026 08:27 صباحاً دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- الأزياء ليست صناعة محافظة بالضرورة؛ فهي فوضوية، متغيّرة باستمرار، وسريعة التخلّي عن الأفكار والصيحات، وحتى عن الأشخاص.
لذلك كان من المطمئن أن نرى دار أزياء تحتفل، بكل أناقة ووقار، بوداع أحد مصمميها المخضرمين خلال أسبوع باريس لأزياء الرجال. فقد اختتمت المصمّمة الفرنسيّة فيرونيك نيشانيان، التي أشرفت على قسم الملابس الرجالية لدى دار "هيرميس" قرابة أربعة عقود، مسيرتها بعرض قدّم لحظة نادرة من الرصانة في عالم أزياء مضطرب، ومجموعة أكّدت كيف أنّ هذه المصمّمة، رغم أسلوبها الهادئ والمتواضع، استطاعت أن تبتكر فخامة عملية حاول كثير من معاصريها تقليدها بلا جدوى.
كشفت نيشانيان في أكتوبر/تشرين الأول عن قرارها مغادرة الدار الفرنسية الفاخرة بعد 38 عامًا من العمل، وبعد أيام قليلة أعلنت "هيرميس" عن خليفتها، غريس ويلز بونر، المصمّمة البريطانية الشابة التي اشتهرت بذكائها الهادئ وبناء إمبراطورية صغيرة من الملابس الراقية الواثقة.
يُعدّ هذا الانتقال السلس والهادئ للقيادة نادرًا للغاية في عالم الأزياء، ويبرز بشكل واضح في مواجهة المزاج العام للصناعة. فخلال العام ونصف العام الماضيين، في ما وصفه البعض بـ"إعادة ضبط الموضة الكبرى"، شهد القطاع تبديل المصممين وإزاحتهم واستبدالهم تحت ضغوط قاسية وأحيانًا بلا رحمة. وأصبح التوتر يخيم على أسابيع الموضة والمتاجر الرئيسة، حيث كان يُفترض أن يسود الحماس تجاه الأفكار الجديدة. فإذا كان بإمكان أي شخص المغادرة في أي وقت، أو تغيير هوية العلامة بقرار مفاجئ من المدير التنفيذي، فكيف يمكن للمستهلك أن يعرف ما الذي يشتريه عند اقتناء حقيبة أو معطف؟ وما الذي تمثّله هذه القطع فعلًا، بعيدًا عن قسوة براقة، رغم جاذبيتها، تبقى ملتبسة المعنى؟
عوض استعراض أعظم إنجازاتها، ركّزت نيشانيان على مهمتها الأساسية، كما فعلت دومًا: تصميم ملابس استثنائية للرجل الذي يبحث عن الأفضل في حياته. لا الأكثر بهرجة أو خضوعًا للموضة، بل الأجود صنعًا، والأدق تفصيلًا.
تضمّنت مجموعتها الأخيرة سترات وأوشحة مصنوعة من صوف نقي وناعم للغاية، تنبض بالحركة مع كل خطوة؛ وبدلات مشذّبة بأناقة من دون أن تنزلق نحو الشبابية المبالغ فيها. كشفت السراويل المقصوصة قليلًا عن أحذية فاخرة بكعب مسطّح، فيما خيطت بدلة جلدية بخطوط دقيقة تشبه همسة الطباشير.
قدّمت المجموعة أزياء تناسب شخصيات متنوّعة: للرجل الجريء، مثل بدلة التمساح التي ارتداها مغني الراب والمنتج الأميركي ترافيس سكوت، الجالس في الصف الأمامي؛ وللرجل الذي يحب الملابس الراقية لكنه يشكّك في "الموضة"، مثل السراويل الجلدية الفضفاضة؛ وللرجل الذي يغامر بذوقه، كالمعطف البني المبطن باللون الوردي الفاقع.
أظهر العرض كيف أرست نيشانيان لغة تصميمية باتت اليوم مرجعًا تسعى علامات تجارية كثيرة إلى إعادة إنتاجها، في محاولة لصناعة ملابس تتجاوز الصيحات والزمن. فبالنسبة إلى عدد كبير من المصممين والمتسوقين، اختُزلت متعة الموضة في السعي وراء الكمال. وأُعيد تشكيل الأزياء لتصبح بحثًا عن "السترة المثالية"، أو "السروال المثالي"، أو "حذاء الأوكسفورد المناسب".
إلا أنّ نيشانيان أثبتت، موسمًا بعد آخر، أنّ ما يمنح الملابس تفرّدها ليس الكمال، بل التصميم. وإلا، ما الجدوى من تقديم سراويل من صوف خشن مع جاكيت مخططة منسّقة معها، قطع لا يحتاجها أحد فعليًا، لكنها ممتعة إلى حدّ لا يُقاوم عند ارتدائها؟ وإذا كان لا بد من استخلاص خلاصة واحدة من فلسفة نيشانيان، فهي أنّ الملابس لا يجب أن تسعى إلى الخلود أو الكمال، بل أن تكون جيّدة بما يكفي لنشعر معها بالراحة، مهما تبدّلت الظروف.
هنا تتجلّى أعظم نقاط قوة نيشانيان، وهي قيمة نحتاج إلى استعادتها جميعًا: الاستمرارية. ففي زمننا هذا، قد يعني الاستمرار في أي مجال لسنوات طويلة خطر الوقوع في خانة "عدم الملاءمة"، لكن الاستمرارية تعني ببساطة الالتزام بالعمل، وأداءه بإخلاص.
وفي عالم الموضة تحديدًا، تعني الاستمرارية احترام الزبائن، ووضع احتياجاتهم ورغباتهم فوق الأنا الشخصية التي قد تدفع المصمم إلى مسارات أكثر غرابة أو بحثًا عن بريق سريع. إنها القدرة على فهم ما يريده الناس، أحيانًا قبل أن يدركوه، وأحيانًا في اللحظة التي يحلمون بها، والأمرين ضروريان. الإبداع مطلوب، لكن ضمن إيقاع صناعة قاسٍ يفرض مجموعتين في السنة أو أكثر.
"ابتسمت ولوّحت كملكة".. مشهد مهيب من دون مبالغة عاطفيّة!كانت نيشانيان تحب أن تقول إنها لا تصمّم ملابس، بل "أشياء قابلة للارتداء"، وقطع جميلة للنظر، وأكثر متعة في الاستخدام. جعلت مبالغات الموضة تبدو بلا معنى، من دون اللجوء إلى التقشّف أو الزهد، وقدّمت بدلًا من ذلك فخامة عقلانية ومتزنة. قد تكون الخطوط والقصّات تغيّرت عبر العقود، لكن الأسس بقيت ثابتة.
بعد ختام العرض، سارت نيشانيان على المدرج وسط تصفيق حار استمر لخمس دقائق من مئات الزبائن والمشاهير والمحرّرين. عانقت المدير الفني لدار "هيرميس" على أنغام أغنية "فوريفر مان" لعازف الغيتار البريطاني إريك كلابتون، فيما عُرضت على الشاشات لقطات متكررة لانحناءاتها في عروض سابقة عبر مسيرتها الطويلة.
كان المشهد مهيبًا من دون مبالغة عاطفية؛ ابتسمت ولوّحت كملكة، من دون إطالة، وكأنها تدرك أن هذا الفصل الاستثنائي من حياتها قد أُغلق، وأن متعًا أخرى بانتظارها في مكان آخر.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :