Arabnews24 | اخبار كندا

تحليل: طهران تسوّق الاتفاق مع الولايات المتحدة على أنه انتصار، لكن بالنسبة للإيرانيين كان ضرورة

الأربعاء 17 يونيو 2026 04:04 صباحاً صدر الصورة، Reuters

Article Information

تحاول القيادة الإيرانية تقديم مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة ليس باعتبارها تراجعاً، بل نتيجةً للصمود والانتصار، غير أن هذا الطرح، لا يسهل تسويقه.

فالبلاد خرجت للتو من حرب ألحقت بها أضراراً كبيرة، فيما يرزح الاقتصاد تحت ضغوط شديدة، كما أن أجزاءً من القاعدة الداعمة للجمهورية الإسلامية أمضت أشهراً في التنديد بأي تسوية أو تنازل تجاه واشنطن.

في المقابل، هناك إيرانيون، داخل البلاد وخارجها، ينظرون إلى الأزمة لا باعتبارها فرصة للدبلوماسية، بل بوصفها فرصة لإحداث تغيير في النظام.

في ظل هذا المشهد السياسي المنقسم، تحاول طهران الآن تسويق الاتفاق وإقناع الرأي العام به.

مسؤولون إيرانيون كبار قدّموا الاتفاق على أنه انتصار، حيث يقول رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، وهو الشخصية الإيرانية الأبرز في المفاوضات، إن إيران خطت "خطوة كبيرة نحو النصر النهائي".

أما الرئيس مسعود بزشكيان فقد وصف التفاهم بأنه قد يكون تحولاً مفصلياً، قائلاً إنه إذا نُفّذ بالكامل فقد يسهم في حل العديد من مشكلات إيران ويفتح الباب أمام "عالم مختلف" في إيران والشرق الأوسط.

وتكتسب مواقف قاليباف أهمية خاصة، لأنه لا يُعد من المحسوبين على التيار المعتدل الذي ينتمي إليه بزشكيان، كما أن دعمه العلني يوحي بأن الاتفاق يحظى بتأييد مراكز نفوذ قوية داخل النظام، بما في ذلك دوائر مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وتسعى القيادة الإيرانية إلى تصوير الاتفاق على أنه انتصار انطلاقاً من روايتها القائلة إن الولايات المتحدة وإسرائيل أخفقتا في تحقيق أهدافهما الرئيسية.

فبحسب هذا الطرح، لم تتمكنا من إرغام إيران على الاستسلام، أو إسقاط الجمهورية الإسلامية، أو إنهاء البرنامج النووي الإيراني عبر العمل العسكري، أو قطع علاقات طهران مع حزب الله.

وبدلاً من ذلك، ما تزال إيران حاضرة على طاولة المفاوضات، فيما أُدرج لبنان ضمن إطار التفاهم، كما تجري مناقشة تخفيف العقوبات المفروضة على طهران.

إلا أن هذه الرواية الرسمية تواجه اعتراضات داخل إيران نفسها.

وأفادت تقارير بأن نائب رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، المعروف بمواقفه المتشددة، وصف مسودة الاتفاق بأنها وثيقة من شأنها أن تحول إيران إلى "مستعمرة أمريكية".

كما اتهم المفاوضين بتجاهل توجيهات المرشد الأعلى بعدم إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة.

وتكتسب هذه الانتقادات أهمية خاصة لأنها لا تصدر من خارج النظام، بل من داخل إحدى المؤسسات المكلفة بالإشراف على قضايا الأمن القومي.

وعلى مدى أشهر، دأبت الأصوات المتشددة في البرلمان ووسائل الإعلام المقربة من الدولة والتجمعات المؤيدة للحكومة على التأكيد أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها.

ويشير هؤلاء إلى أن المسار الدبلوماسي كان لا يزال قائماً قبل اندلاع الحرب بفترة وجيزة، ويقولون إن إدارة دونالد ترامب استخدمت المفاوضات غطاءً بينما كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تستعدان للتحرك العسكري. ومن وجهة نظرهم، فإن أي اتفاق مع واشنطن قد يبدو بمثابة استرضاء.

ومع ذلك، يبدو أن بعض هذه الأصوات بات أقل حضوراً في الآونة الأخيرة، وهو ما قد يشير إلى أن قرار المضي في الاتفاق حظي بموافقة من أعلى مستويات الدولة، وإن كان ذلك لا يعني وجود إجماع كامل.

وقد يعكس هذا التراجع في حدة المعارضة تقديراً داخل مراكز القرار بأن كلفة رفض الاتفاق باتت أعلى من كلفة احتواء غضب التيار المتشدد في الوقت الراهن.

صدر الصورة، EPA

ويشكل الضغط الاقتصادي عنصراً أساسياً في هذه الحسابات، وقد تسعى القيادة الإيرانية إلى تقديم الاتفاق بوصفه نتيجة للنفوذ العسكري، بما في ذلك الضغوط المرتبطة بمضيق هرمز والهجمات على المصالح الأمريكية ومصالح الطاقة الإقليمية، لكن الاقتصاد كان عاملاً أجبر طهران على المضي في هذا المسار.

فالحرب والعقوبات والقيود المفروضة على الملاحة البحرية وتراجع الوصول إلى أسواق النفط والعملات الأجنبية، إلى جانب التضخم المرتفع، كلها عوامل ضيّقت الخناق على البلاد وعلى الإيرانيين العاديين.

وبالنسبة إلى كثير من الأسر الإيرانية، لا يتمثل السؤال في ما إذا كان الاتفاق يبدو انتصاراً، بل فيما إذا كان سيؤدي إلى خفض الأسعار وتقليص المخاوف من اندلاع جولة جديدة من الحرب.

وقال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إن إيران لن تحصل على أموال من دافعي الضرائب الأمريكيين، لكنها قد تتمكن من الوصول إلى مليارات الدولارات إذا أوفت بالتزاماتها وخففت العقوبات عنها، وهذا يمنح طهران فرصة لتسويق الاتفاق باعتباره طريقاً للاستثمار وإعادة الإعمار، لا بوصفه شكلاً من أشكال الاعتماد على الولايات المتحدة.

ومع ذلك، تبقى المخاطر واضحة، فبنود مذكرة التفاهم لم تُنشر بالكامل بعد، ومن المتوقع أن تبدأ المفاوضات في سويسرا يوم الجمعة.

كما أن أكثر القضايا تعقيداً، مثل مستقبل اليورانيوم الإيراني المخصب ومستوى التخصيب المسموح به وآليات التحقق وتخفيف العقوبات ومضيق هرمز ولبنان، لا تزال مطروحة للنقاش خلال المحادثات.

وهناك أيضاً حالة من عدم اليقين بشأن إسرائيل، بعد رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التقارير التي تحدثت عن انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، مؤكداً أن القوات الإسرائيلية ستبقى هناك ما دام ذلك ضرورياً.

في المقابل، وجّه دونالد ترامب انتقادات علنية لسلوك إسرائيل في لبنان، قائلاً إن عدداً كبيراً جداً من الأشخاص قُتلوا، كما أعرب عن استيائه من ضربة إسرائيلية استهدفت بيروت قبل وقت قصير من التوصل إلى الاتفاق الإيراني الأمريكي، مع تأكيده في الوقت نفسه أن علاقته بنتنياهو لا تزال ممتازة.

وبالنسبة لطهران، فإن هذا التباين العلني بين واشنطن وإسرائيل يُعد مفيداً، إذ يمكن تقديمه باعتباره دليلاً على أن الضغوط الإيرانية قيّدت هامش الحركة الإسرائيلي، لكنه يجعل الاتفاق أكثر هشاشة في الوقت ذاته.

فإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان، ستواجه إيران ضغوطاً للرد، وإذا عجزت واشنطن عن كبح إسرائيل، فقد تخضع سريعاً لاختبار مزاعم طهران بأن لبنان مشمول بمذكرة التفاهم.

وتشير ردود فعل جمهور بي بي سي الفارسية إلى أن الرواية الرسمية التي تصف الاتفاق بأنه انتصار تلقى استجابة متفاوتة.

فقد قال أحد المتابعين إنه كان قلقاً للغاية من احتمال شن إسرائيل هجوماً جديداً، لكنه حتى بعد سماعه نبأ الاتفاق لا يزال "يفتقر إلى الثقة"، ويشعر بالقلق حيال قدرة السلطات على إدارة شؤون البلاد إذا استمر الاتفاق.

وتساءل إيراني آخر معارض للنظام، كان قد أيّد في البداية العمل العسكري الأمريكي، تساءل عما حققه الهجوم الأمريكي إذا لم يؤد إلى تغيير سياسي في إيران، قائلاً: "كان أملنا أن يتغير النظام الحاكم. لكن، بخلاف البؤس والتضخم والمزيد من الأضرار الاقتصادية، ما الفائدة التي عادت على الناس؟".

في المقابل، أبدى آخرون تعاطفاً أكبر مع موقف الحكومة، فقد وصف أحد المتابعين إيران بأنها الطرف المنتصر، معتبراً أن الحرب أثبتت أن رفع العقوبات لا يتحقق عبر "التوسل"، بل عبر استخدام القوة.

ورحب متابع آخر بالاتفاق بحذر أكبر، قائلاً إنه يسمح للناس بالعودة إلى العمل والحياة اليومية بقدر أكبر من الطمأنينة. وأضاف: "أعتقد أنه مؤقت، لكننا كنا بحاجة إلى بضعة أشهر من الهدوء والتقاط الأنفاس".

وربما يكون هذا هو التوصيف الأقرب إلى الواقع، فالجمهورية الإسلامية تسوق الاتفاق على أنه انتصار لأنها لا تستطيع بسهولة تسويقه على أنه ضرورة.

لكن بالنسبة إلى كثير من الإيرانيين، فإن نجاح الاتفاق لن يُقاس بالشعارات، بل بمدى توقف الحرب وانخفاض الأسعار وتخفيف العقوبات وقدرة القيادة على إدارة المرحلة المقبلة من دون انزلاق جديد نحو التصعيد.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :