السبت 16 مايو 2026 06:16 مساءً صدر الصورة، Toronto Star via Getty Images
سافرت كلير بروسو حول العالم لتقديم عروض الكوميديا الارتجالية والتمثيل في البرامج التلفزيونية والأفلام والمسرحيات، لكنها كانت تعاني أيضاً، منذ سن مبكرة، من مرض نفسي مُنهِك، وتلقت العلاج على يد أطباء نفسيين في 4 مدن كبرى في أمريكا الشمالية على مدى 3 عقود.
وقالت بروسو إنها جرّبت تقريباً كل أنواع العلاج المتاحة لمن يعانون مثل حالتها من الاضطراب ثنائي القطب واضطراب ما بعد الصدمة، بدءاً من العلاج السلوكي والأدوية وصولاً إلى الصدمات الكهربائية للدماغ.
لكن شيئاً لم يُجدِ نفعاً مع هذه المرأة البالغة من العمر 49 عاماً من تورونتو، والتي وصفت نفسها بأنها "في حالة ميؤوس منها وظيفياً"، غير قادرة على العمل أو مغادرة المنزل أو التحدث مع أحبائها، وهي الآن مسجلة في برنامج رعاية نفسية في مستشفى محلي، قالت إنه مصمم لدعم الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية حادة ومستمرة والذين استنفدوا جميع خيارات العلاج.
وقالت لبي بي سي: "لم يعد هناك شيء آخر يمكن تجربته، وأنا في نهاية حياتي".
وترغب بروسو في إنهاء حياتها عبر المساعدة الطبية على الموت، المعروفة أيضاً بالقتل الرحيم، والتي تُعرف في كندا بالاختصار إم إيه آي دي، ورغم أن هذا الإجراء قانوني في كندا، فإنه غير متاح حالياً لمن يكون مرضهم الوحيد اضطراباً نفسياً.
وقالت بروسو: "أفتح عيني كل صباح فأشعر فوراً بالرعب والقلق"، مضيفة: "أريد موتاً آمناً، لا أريد أن أضطر إلى القيام بشيء مروّع".
وتخطط كندا لتوسيع نطاق القانون ليشمل الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية حادة ومقاومة للعلاج، لكنها أرجأت ذلك مرتين، كان آخرها إلى العام المقبل، بسبب مخاوف من عدم استعداد النظام الصحي، والآن، تدرس أوتاوا إمكانية المضي قدماً في هذا الأمر.
وفي هذه الأثناء، قالت بروسو إن حالتها تتدهور وإنها لم تعد تستطيع الانتظار أكثر، وقد طلبت من محكمة في أونتاريو إعفاءها من القانون الحالي ومنحها حق الحصول على المساعدة الطبية على الموت.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الكنديين يؤيدون إتاحة المساعدة الطبية على الموت، لكن القضية تصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالمرضى النفسيين.
وخلال الشهرين الماضيين، استمعت لجنة برلمانية مكلّفة بمراجعة ما إذا كان ينبغي لكندا توسيع البرنامج إلى ناشطين وخبراء طبيين حذروا من المضي في ذلك.
ويرى بعضهم أن المساعدة على الموت أصبحت، في بعض الحالات، وسيلة لتخفيف معاناة الكنديين ذوي الإعاقة، بينما كان الأجدر تحسين فرص حصولهم على سكن ميسور التكلفة ورعاية صحية ودعم لذوي الإعاقة.
في المقابل، رأى آخرون أن الأمراض النفسية ما تزال غير مفهومة بشكل كافٍ في الطب، مما يجعل من الصعب تحديد ما إذا كان المريض يعبّر عن أفكار انتحارية أم أن حالته فعلاً غير قابلة للعلاج.
وقال الدكتور سونو غايند، الرئيس السابق لقسم الطب النفسي في أحد مستشفيات تورونتو الكبرى، للجنة إن "أياً من هذه القضايا لم يُحلّ" منذ أن قررت كندا تعليق توسيع برنامج المساعدة على الموت.
وأضاف: "بل بات لدينا المزيد من الأدلة التي تُظهر أننا غير مستعدين لتقديم المساعدة الطبية على الموت للمصابين بأمراض نفسية".
وقد تحدد توصيات اللجنة مستقبل البرنامج في نهاية المطاف، وقال رئيس الوزراء مارك كارني للصحفيين الأسبوع الماضي إنه ينتظر تقرير اللجنة قبل اتخاذ قرار بشأن الخطوات المقبلة، مضيفاً: "أُفضّل اتخاذ مواقف مبنية على معلومات دقيقة".
صدر الصورة، Getty Images
بالنسبة لبروسو، فإن رفض منح المساعدة على الموت للمرضى النفسيين يعود إلى الوصمة الاجتماعية، حيث يُنظر إلى الأمراض الجسدية على أنها أكثر شرعية.
وقالت: "إذا شُخّصتُ غداً بالسرطان، يمكنني رفض العلاج وأكون مؤهلة للحصول على المساعدة الطبية على الموت الرحيم". لكنها ترى أن المرضى الذين يعانون من أمراض نفسية شديدة لا يُمنحون نفس الوصول إلى ما أصبح جزءًا أساسياً من نظام الرعاية الصحية في كندا.
هذا الموقف هو جوهر القضية القانونية التي رفعتها بروسو، والتي تجادل بأن القوانين الحالية تمييزية ضد المصابين باضطرابات نفسية، وبالتالي غير دستورية.
وتُعد كندا واحدة من عدد قليل من الدول التي تُقنن المساعدة على الموت لكل من المرضى المصابين بأمراض مميتة، وأيضاً لأولئك الذين لا يُتوقع أن يكون موتهم وشيكاً، لكنهم يعانون من مرض أو إعاقة خطيرة وغير قابلة للعلاج.
وتسمح دول قليلة، أبرزها هولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ، بالوصول إلى هذا الخيار للأشخاص الذين يعانون من مرض نفسي.
وتخوض هولندا في الوقت الحالي نقاشاً عاماً حاداً حول المساعدة على الموت، وهو نقاش امتد إلى جلسات اللجنة الكندية.
ويجب على من يطلب المساعدة على الموت بسبب مرض نفسي في هولندا أن يخضع لتقييم من طبيب نفسي، وتُظهر البيانات أن الموافقة على حالات المعاناة النفسية نادرة نسبياً، إذ تمثل نحو 2 في المئة من إجمالي حالات الوفاة بالمساعدة على الموت في البلاد، لكن العدد الإجمالي للحالات الموافق عليها ارتفع من حالتين عام 2010 إلى 219 حالة عام 2024.
وقال الدكتور جيم فان أوِس، أحد الأطباء النفسيين الهولنديين، للمشرّعين الكنديين إن هذا الارتفاع يعكس ما وصفه بـ "تأثير العدوى الانتحارية".
وأضاف: "التجربة الهولندية، في رأيي، تقدم تحذيراً لكندا".
في المقابل، رد طبيب نفسي هولندي آخر، هو الدكتور سيسكو فان فين، بأن المساعدة على الموت للمرضى النفسيين لا تزال نادرة، وأنها توفر "رحمة" لمن "قد تكون معاناتهم شديدة أو لا تُحتمل".
وفي كندا، تم قبول نحو 96 في المئة من طلبات المساعدة على الموت عام 2024 لأشخاص كان موتهم متوقعاً، وغالباً ما يكونون من مرضى السرطان في مراحله النهائية، أما نسبة الـ 4 في المئة المتبقية فهي لمرضى لم يكن موتهم وشيكاً لكنهم كانوا يعانون من حالة طبية خطيرة وغير قابلة للعلاج.
صدر الصورة، PA Media
مددت كندا السماح بالمساعدة على الموت لتشمل المرضى غير المصابين بأمراض مميتة قبل 5 سنوات، وذلك بعد أن خاض شخصان من ذوي الإعاقة معركة قانونية للحصول على حق الوصول إلى البرنامج.
وكان هذا التغيير مثيراً للجدل، وهو أحد الأسباب التي تغذي المعارضة لمزيد من التوسع في النظام.
وأفادت مجموعات مناصرة لحقوق ذوي الإعاقة بوقوع حالات عُرضت فيها المساعدة على الموت لأشخاص من ذوي الإعاقة من قبل عاملين في الرعاية الصحية أو الدعم دون أن يطلب المرضى ذلك بأنفسهم.
وقالت كريستا أور، رئيسة منظمة إدماج كندا المناصرة لحقوق ذوي الإعاقة: "نحن نستثمر في إنهاء حياة الناس" بدلاً من الاستثمار في تحسين جودة حياتهم.
وقد أدلت هي أيضاً بشهادتها أمام اللجنة، داعية المشرعين ليس فقط إلى عدم توسيع برنامج المساعدة الطبية على الموت ليشمل المصابين بأمراض نفسية، بل أيضاً إلى حصره مجدداً في الأشخاص المصابين بأمراض مميتة فقط.
كما وُجهت انتقادات إلى اللجنة نفسها، فقد قالت بروسو، على سبيل المثال، إنها منزعجة من كيفية سير جلسات الاستماع ومن الأشخاص الذين تم استدعاؤهم للشهادة، مشيرة إلى أنها طلبت المثول أمام اللجنة عدة مرات لكن رُفض طلبها.
وأوضحت أن رئيسي اللجنة، النائب الليبرالي ماركوس باولوفسكي والسيناتورة المحافظة يونا مارتن، عبّرا علناً عن معارضتهما لتوسيع برنامج المساعدة على الموت.
وقال أحد أعضاء اللجنة وهو السيناتور الكندي من ألبرتا كريستوفر ويلز، إنه اتهم المراجعة بأنها "منحازة"، مضيفاً لصحيفة تورونتو ستار أنه لا يثق في التقرير النهائي.
وفي بيان لبي بي سي، أقر رئيسا اللجنة بأن بروسو طلبت الشهادة، لكنهما قالا إن إعطاء الأولوية لخبراء ومؤسسات جاء بسبب "ضيق الوقت".
كما دافع باولوفسكي عن اللجنة ضد اتهامات الانحياز، قائلًا لصحيفة ستار إن الأعضاء "استمعوا باهتمام إلى الجانبين".
ومن المتوقع أن يُعرض تقرير اللجنة على البرلمان في موعد لا يتجاوز شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
وقالت بروسو إنها لا تثق باللجنة ولا بتقريرها ولا بالحكومة الفيدرالية، التي لم ترد بعد على طعنها القانوني.
ونادراً ما تغادر بروسو منزلها، فحتى الذهاب إلى المتجر يمكن أن يسبب لها ضغطاً شديداً ونوبات هلع، بحسب قولها، وهي ترى أن معركتها القانونية مهمة من أجل المساواة في الحقوق.
وقالت: "أنا لا أُطالب بالموت، أنا أُطالب بأن يُنظر إليّ على أنني لست فئة مُهمشة من البشر".
جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :