الخميس 7 مايو 2026 09:16 صباحاً صدر الصورة، BBC/Getty Images
تدهورت العلاقات التركية-الإسرائيلية خلال السنوات الثلاث الماضية من مرحلة كانت تقترب من التطبيع الدبلوماسي إلى نقطة يطرح فيها احتمال وقوع مواجهة عسكرية مباشرة.
وبينما يستمر التراشق بين القادة السياسيين، يبقى احتمال التصادم العسكري بين البلدين مطروحاً.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد اتهم في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي في 11 أبريل/ نيسان الماضي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمساعدة "النظام الإرهابي" في إيران و"قتل مواطنيه الأكراد".
وردّ أردوغان في 15 أبريل/ نيسان الماضي في خطاب في البرلمان التركي قائلاً: "من دون أن ينظروا إلى دماء 73 ألف شهيد من غزة التي تلطخت بها أيديهم ووجوههم، يطلقون الاتهامات لبلادنا عبر إخواننا الأكراد بلا خجل".
ويقول خبراء تحدثوا إلى بي بي سي التركية إن خطر المواجهة بين تركيا وإسرائيل "أعلى من أي وقت مضى"، لكنهم يشيرون إلى أن الطرفين ما زالا يحاولان تجنب أي صدام محتمل.
"تنافس بارد بدلاً من سلام بارد"
تصاعدت التوترات السياسية بين تركيا وإسرائيل بعد هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2023 على إسرائيل، وما تبعها من عملية عسكرية إسرائيلية في غزة.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، إلى جانب التصريحات الحادة والاتهامات المتبادلة، تم تعليق مسار التطبيع الدبلوماسي، وأعلنت تركيا أنها أوقفت تجارتها مع إسرائيل.
وتصف الدكتورة توغجه إرسوي، الأستاذة المشاركة في قسم العلاقات الدولية بجامعة إزمير كاتب جلبي، هذه العملية بين البلدين بأنها "اختطاف السياسة الخارجية من قبل السياسة الداخلية".
وتقول إرسوي إن "هذا التصعيد المتبادل، والتحدي، والخطاب الحاد، يعمل في الواقع كوقود في السياسة الداخلية لدى الطرفين"، وتضيف: "نتنياهو في الواقع يحاول ترسيخ موقعه الداخلي من خلال رسم صورة زعيم صارم وصدامي، ومن الجانب التركي، يرتبط ذلك أيضاً بادعاءات القيادة الإقليمية."
وتوضح إرسوي، وهي أيضاً مؤلفة كتاب "هويات متصارعة في إسرائيل: الفلسطينيون واليهود"، أن تركيا وإسرائيل تنظران إلى بعضهما البعض باعتبارهما "جهات تزعزع الاستقرار الإقليمي القائم"، وتعلّق على الوضع الحالي قائلة: "كنا نصف العلاقات التركية - الإسرائيلية دائماً بأنها سلام بارد، أما الآن فنحن نرى تنافساً بارداً".
أما الدبلوماسي الإسرائيلي السابق ألون بينكاس فيصف تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التي تصوّر تركيا كخصم بأنها "خطيرة".
ويقول بينكاس، الذي شغل منصب القنصل العام لإسرائيل في نيويورك بين 2000 و2004 وكان سكرتيراً خاصاً لوزراء خارجية إسرائيليين سابقين مثل شلومو بن عامي وديفيد ليفي: "هذا الخطاب خطير جداً، خاصة عندما يزداد الوضع سوءاً عبر ردود استفزازية من أردوغان".
"تصريحات نتنياهو وأردوغان تزيد من خطر اندلاع مواجهة"
يقول أمانون أران، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة سيتي سانت جورج في لندن، إن هذه التصريحات السياسية تهدف أساساً إلى مخاطبة الداخل: "من منظور تركيا والرئيس أردوغان، هذا الخطاب موجّه إلى القاعدة الأيديولوجية الداعمة لحزب العدالة والتنمية، وبالمثل، يستخدم رئيس الوزراء نتنياهو خطاباً يغذي ويدعم أنصاره من اليمين المتطرف."
ويضيف أران، وهو أيضاً مؤلف كتاب "السياسة الخارجية الإسرائيلية منذ نهاية الحرب الباردة"، أن العلاقات المتبادلة بين البلدين في أسوأ حالاتها منذ أزمة سفينة مرمرة الزرقاء بين عامي 2010 و2016، ويقول: "أعتقد أن كلاً من رئيس الوزراء نتنياهو والرئيس أردوغان يتصرفان بشكل غير مسؤول إلى حد كبير من خلال خطاباتهما، فهذا النوع من الخطاب لا يؤدي إلا إلى زيادة احتمالات الصراع بين البلدين وتأجيجه".
سوريا، قبرص، وشرق المتوسط
ويقول خبراء تحدثوا إلى بي بي سي التركية إن احتمال وقوع صراع بين تركيا وإسرائيل قد ينشأ في النقاط التي تتقاطع فيها مناطق النفوذ التي يحددها كل طرف لنفسه.
وتقول توغجه إرسوي: "إن خطر المواجهة بين تركيا وإسرائيل أعلى من أي وقت مضى".
وتشير إرسوي إلى أن احتمال نشوب حرب شاملة منخفض، لكن المنافسة تتصاعد تدريجياً، وتلفت خصوصاً إلى سوريا وقبرص وشرق البحر الأبيض المتوسط، وتقول: "نرى هنا محاولة لبناء محاور متقابلة، يمكننا القول إن البلدين يحاولان إنشاء درع جيوسياسي ضد بعضهما البعض".
كما تضيف إرسوي أن "تركيا أصبحت في وثائق الاستراتيجية الإسرائيلية تُصنّف ضمن فئة الخصوم، وهذه حقيقة".
أما أمانون أران فيقول: "أعتقد أن احتمال الصراع العسكري أصبح أعلى مقارنة بالماضي، لكن في الوقت نفسه لا يزال من الممكن تجنّبه".
وفي ما يتعلق بسوريا، يشير أران إلى اجتماعات آليات منع الاشتباك بين وفود عسكرية تركية وإسرائيلية التي عقدت في أذربيجان عام 2025، ويقول: "حسب ما أفهمه، هناك محاولات على الأقل على المستوى العسكري لتجنب أي حادث أو سوء تقدير قد يؤدي إلى تصعيد".
ويقول أران عن نظرة إسرائيل إلى تركيا: "تركيا يُنظر إليها بشكل متزايد على أنها قوة معادية وخطيرة من قبل جزء كبير من النخبة السياسية والعسكرية في الحكومة والجيش الإسرائيلي".
صدر الصورة، Global Sumud Flotilla/Anadolu Ajansı/Getty Images
ويضرب الدبلوماسي السابق ألون بينكاس المثال التالي: "تخيّل أن البحرية التركية ترافق سفناً إنسانية متجهة إلى غزة أو لبنان، وإذا حاولت سفن من البحرية الإسرائيلية التدخل ضد هذه القافلة، وقامت السفن التركية بإطلاق النار، وردّت السفن الإسرائيلية، فقد ينشب صراع عسكري محدود، لكنني لا أعتقد أن ذلك سيحدث".
ويؤكد ألون بينكاس أن الجيشين التركي والإسرائيلي أكثر "اتزاناً" من السياسيين.
ومع ذلك، يشير بينكاس إلى أن وقوع مواجهة مشابهة في سوريا بين طائرات البلدين قد يشكل "سيناريو كابوسي" يمكن أن يؤدي إلى حرب، ويضيف:"ليس لدي معلومات مؤكدة، لكنني لن أكون مندهشاً إذا علمت أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) وجهازي الاستخبارات السياسي والعسكري التركي على اتصال منتظم".
"خطاب إيران الجديدة"
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت في تصريح أدلى به في 17 فبراير/ شباط إن تركيا هي "إيران الجديدة".
وعقب ذلك، نشرت مقالات رأي تتضمن مواقف مماثلة في كل من الصحافة الإسرائيلية ووسائل الإعلام الدولية.
كما اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منشور له تركيا بدعم إيران.
وفي مقابلة مع وكالة الأناضول في 13 أبريل/ نيسان، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان: "بعد إيران، لا تستطيع إسرائيل أن تعيش دون أعداء، ولذلك تضطر إلى تطوير خطاب معين، نحن نرى أن الأمر لا يقتصر على حكومة نتنياهو فقط، بل حتى بعض أطراف المعارضة تسعى أيضا إلى إعلان تركيا كعدو جديد في الخطاب السياسي".
ويذكّر الدبلوماسي السابق ألون بينكاس بأن تركيا، على عكس إيران، لا تتعهد "بإزالة إسرائيل من الخريطة"، ولا تضع أهدافاً مثل تطوير أسلحة نووية عسكرية لاستخدامها ضد إسرائيل، ويقول: "حتى الشخص الذي يعارض كل ما يقوله أردوغان عن إسرائيل يدرك أن تركيا ليست دولة عدو، ومن يتعامل مع تركيا وكأنها في مستوى إيران من حيث التهديد يتصرف بشكل غير مدروس وخطير".
أما أمانون أران فيقول إن تركيا ليست "إيران الجديدة": "لا أعتقد ذلك، ولا أظن أن المسؤولين في الحكومة الإسرائيلية يؤمنون بهذا أو يقصدونه، لأن تركيا عضو في حلف الناتو، ولديها علاقات قوية مع الولايات المتحدة، كما أن معظم تجارتها تتم مع الاتحاد الأوروبي".
ويضيف أران أن جزءاً من الخطاب الصادر عن مسؤولين ومفكرين إسرائيليين يعود إلى الموقف الحاد الذي يتبناه الرئيس التركي أردوغان وأنقرة تجاه إسرائيل، مشيراً إلى أن أردوغان شبّه نتنياهو بهتلر ووجّه انتقادات شديدة لإسرائيل في السابق.
وتقول توغجه إرسوي أيضاً: "من الواضح أن تركيا ليست إيران الجديدة، وهذا التشبيه قد يهدف إلى عزل تركيا عن النظام الغربي ودفعها إلى الابتعاد عنه، وأعتقد أن بعض المقالات المؤيدة لإسرائيل في الصحافة الغربية قد كُتبت بشكل مقصود أو بطلب معين، ويمكن النظر إليها كرسائل أو مواقف سياسية مقصودة".
"لا نتوقع أجواء إيجابية في المدى القريب"
وفي ظل هذه الظروف التي يتصدر فيها خطر التصعيد جدول الأعمال، هل هناك احتمال لإعادة بناء علاقة الثقة بين البلدين؟
يقول ألون بينكاس: "كنت سأقول إن الأمور ستتحسن عندما يترك نتنياهو رئاسة الوزراء، لكن كما اقتبستم، فإن نفتالي بينيت قال عن تركيا أشياء أسوأ حتى من نتنياهو".
ومن المتوقع أن تجرى الانتخابات العامة في إسرائيل في موعد أقصاه 27 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، حيث من المنتظر أن يواجه ائتلاف نتنياهو تحالفاً يقوده نفتالي بينيت ورئيس الوزراء السابق يائير لابيد.
ويرى أمانون أران أن التغيير في العلاقات التركية-الإسرائيلية لن يأتي من الحكومات الحالية، بل من الحكومات التي ستخلفها.
أما توغجه إرسوي فتقول: "لا ينبغي توقع أي أجواء إيجابية في المدى القريب".
وتؤكد إرسوي أن البلدين تاريخياً لم تربطهما "علاقة مثالية"، وتصف الوضع الحالي بأنه "قطيعة منهجية"، مضيفة: "لكي تدخل العلاقات التركية - الإسرائيلية في مرحلة إعادة بناء، هناك حاجة إلى هندسة ثقة جديدة، أي ضرورة بناء ثقة متبادلة".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :