لأكثر من ثلاثة وعشرين عاماً لم يكن بوسع المدنيين الإسرائيليين الوصول إلى خط الحدود بين إسرائيل ولبنان.
اليوم، لم يعد الوصول هنا مجرد تفصيل ميداني بل هو تحول كبير في طبيعة الحدود بين إسرائيل ولبنان بعد أشهر من الحروب والتصعيد.
في أقصى شمال إسرائيل، عند بلدة المطلة، على الحدود مع لبنان، تغيّرت ملامح المنطقة بالكامل.
بيوت مدمرة وطرق خالية ومناطق واسعة تحولت إلى مشهد مفتوح من الركام، في مقابل بلدات إسرائيلية لا تزال تحاول العودة إلى الحياة بعد إخلاء طويل وضربات متكررة.
جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو
جاء هذا التغيير بعدما سيطرت إسرائيل على مساحة تقدر بنحو عشرة كيلومترات أو أكثر داخل العمق اللبناني.
وتستمر العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني الذي بدا كأنه "غير مشمول" في وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة منذ أسابيع.
عند تجوّلنا في هذه المنطقة الحدودية، أول ما التقطته عيوننا هو امتداد البيوت المدمّرة في قرى جنوب لبنان المقابلة.
الجدار الفاصل بين الجانبين لا يحجب مشهد الأنقاض والدمار، ولم ينجح في احتواء الموقف الأمني أو تحقيق حالة الهدوء.
من الخط "الأزرق" إلى "الأصفر"
لسنوات، كان "الخط الأزرق"، الذي رسمته الأمم المتحدة بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، هو الإطار العملي للفصل بين الجانبين، لكن الحرب الأخيرة غيّرت هذا الواقع، فأصبح الحديث الآن عن خط أصفر يفصل مناطق سيطرة الجيش الخالية من السكان عن المناطق اللبنانية التي لا توجد فيها سيطرة إسرائيلية، وهو يشير إلى حدود المنطقة الأمنية العازلة تماما كما حصل في قطاع غزة حيث سمّت إسرائيل الخط الفاصل بين قواتها ومناطق سيطرة حماس بالخط الأصفر.
ويقول الجيش الإسرائيلي إن وجوده العسكري هناك يهدف إلى إقامة منطقة أمنية تمنع عودة مقاتلي حزب الله إلى مواقع قريبة من الحدود، وبينما يجري الحديث عن منطقة عازلة تمتد عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، يشير وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى خطط للسيطرة على مناطق حتى نهر الليطاني ومنع عودة السكان اللبنانيين إلى القرى الحدودية إلى حين ضمان أمن الشمال الإسرائيلي.
ترى الحكومة اللبنانية وحزب الله في ذلك استمراراً للاحتلال وخرقاً للسيادة اللبنانية ومخالفة لمقتضيات وقف إطلاق النار.
واحتلت القوات الإسرائيلية "منطقة عازلة" في جنوب لبنان قبل سريان وقف إطلاق النار في أبريل/ نيسان 2026، تسعى اسرائيل، بحسب ما أوردته صحف إسرائيلية منها هآرتس، إلى تطبيق هدم ممنهج في 55 قرية، فيما تواصلت العمليات القتالية دون توقف في جنوب لبنان.
ويقول الجيش الإسرائيلي إنه ينفذ عمليات ضد البنية التحتية لحزب الله اللبناني ويتعقب عناصره، مستمراً في تدمير منازل بالمنطقة التي يحتلها بدعوى استخدام عناصر حزب الله لها، المصنف ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية لدى إسرائيل والولايات المتحدة وعدة دول أخرى من بينها دول عربية، فيما يصنف الاتحاد الأوروبي الجناح العسكري للحزب فقط في قائمة الكيانات الإرهابية.
وتُعدّ هذه المرّة الأولى التي تبقى فيها قوات الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية منذ احتلال جنوب لبنان بين عامَي 1982 و2000.
"لا نشعر أن هناك وقفاً لإطلاق النار"
في المطلة، أصوات الانفجارات لا تزال جزءاً من الحياة اليومية في هذه البلدة الحدودية، التي كانت من أكثر المناطق الإسرائيلية تضرراً منذ بدء المواجهات بين إسرائيل وحزب الله بعد حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويوضح آفي ناديف، نائب رئيس بلدية المطلة، لبي بي سي نيوز عربي أن السكان لا يشعرون بوجود اتفاق حقيقي، قائلا: "لا نشعر أن هناك وقفاً لإطلاق النار بالنسبة لنا، إنه مجرد حبر على ورق. لا تتوقف أصوات إطلاق النار، سواء من الجيش الإسرائيلي أو نتيجة العمليات داخل لبنان".
هذا الشعور لا ينفصل عن تجربة طويلة من الإخلاء والخسارة، بحسب ناديف الذي يضيف أن هذا الواقع الذي يعيشه اليوم مشابه بشكل كبير لما كانت تشهده المطلة قبل 50 عاماً عندما كان طفلا صغيرا.
آنذاك، كان يطلب من السكان البقاء في منازلهم بعد السادسة مساء مخافة أي تصعيد عسكري أو خطر أمني، وهو واقع لم تغيره السنوات من وجهة نظر نائب رئيس المدينة.
خلال الحرب الماضية، أُجلي عشرات الآلاف من سكان الشمال منذ بدايتها، وتضررت بلدات حدودية عدة بشكل فنّدواسع.عاد جزء كبير من السكان بعد الهدنة الأولى إثر إعلان مسؤولين سياسيين وعسكريين إسرائيليين بأن خطر حزب الله لم يعد موجوداً وأن بلدات الشمال أصبحت آمنة، لكن بعد عودة الحرب في الأسبوع الأول من مارس / آذار الماضي، شكك كثيرون في هذه التطمينات.
مزارع فقد منزله وأرضه وصديقه
ليئور واينبرغ، مزارع إسرائيلي من المطلة، يربط بين الأمن والحياة اليومية التي توقفت تقريباً.
تعرض منزله لصاروخ مضاد للدروع، ولم يعد إليه حتى الآن. كما فقد صديقاً مزارعاً في قصف قريب من أرضه.
بالنسبة له، ليست المسألة مجرد حدودٍ أو خرائط عسكرية، إذ يقول واينبرغ إن الزراعة التي كانت جزءاً من حياته تعطلت، وإن الثقة بالتصريحات الرسمية تآكلت.
وصف واينبرغ ما يقوم به المستوى السياسي وما يصرح به بـ"الكذب والخديعة" قائلاً إن السياسة تلعب دورا كبيراً في هذا الوضع الأمني السيء.
وأشار في حديثه إلى بي بي سي نيوز عربي بأن النقاش السياسي عن الأمن "لا يعكس الواقع على الأرض"، مضيفاً أن التهديد بالصواريخ والطائرات المسيّرة ما يزال قائماً رغم وجود الجيش الإسرائيلي داخل مناطق لبنانية مقابلة.
ويرى واينبرغ أن إبعاد حزب الله عن الحدود خفف بعض أنواع التهديد، لكنه لم ينهِ الخطر، قائلاً "لم نتعرض مؤخراً لصواريخ مضادة للدروع كما في السابق، بسبب وجود الجيش هناك، لكننا ما زلنا نتعرض لصواريخ وطائرات مسيّرة".
اقتصاد معلّق وسياحة غائبة
لم تغيّر الحرب المشهد الأمني وحده، في المطلة، تركت أيضاً أثراً اقتصادياً واضحاً على الفنادق والمطاعم والمزارع والمشاريع الصغيرة.
داخل أحد الفنادق المغلقة منذ عام 2023، بدا الغبار المتراكم على الأثاث والممرات كأنه يلخص حال قطاع كامل، إذ يقول مدير الفندق، إيلان هينيغ، لبي بي سي نيوز عربي إن كثيراً من المصالح التجارية أغلقت، وإن عودة الزبائن والسياح لا تزال بعيدة بسبب استمرار التوتر.
وتدعم هذه الصورة تقارير إسرائيلية ودولية تحدثت عن عودة محدودة للسكان إلى المطلة وعن استمرار إغلاق مطاعم وأعمال تجارية، رغم محاولات حكومية لتقديم تعويضات ومساعدات للمناطق الحدودية.
كما أعلنت سلطة الضرائب الإسرائيلية في مارس/آذار 2026 فتح باب طلب دفعات مسبقة للأضرار الاقتصادية في بلدات خط المواجهة الشمالية.
ويرى أصحاب الأعمال أن التعويضات ليست كافية لإعادة الحياة الطبيعية إذ لا يمكن للفندق أو المطعم أو المزرعة أن يعمل بشكل مستقر في منطقة يسمع فيها السكان أصوات الانفجارات، وتبقى فيها العودة مرهونة بالتطورات العسكرية.
"حزب الله أبعد من السابق، لكن لا نهاية قريبة للحرب"
صدر الصورة، Adnan Abidi / Reuters
على الجانب الآخر من الحدود، تبدو الكلفة الإنسانية أوسع نطاقا، فقد تعرضت قرى جنوب لبنان الحدودية لدمار كبير، وتحدثت تقارير عن استمرار الغارات الإسرائيلية وعمليات الهدم في مناطق عدة، بينها قرى قريبة من الحدود.
كما قالت وكالة أسوشيتد برس إن ضربات إسرائيلية حديثة في جنوب لبنان قتلت عدداً من الأشخاص، وسط اتهامات لبنانية لإسرائيل بتدمير منشآت مدنية ودينية، وهي اتهامات تقول إسرائيل بشكل متكرر إنها مرتبطة بعمليات ضد بنى تحتية لحزب الله.
ويقول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس إن إسرائيل لن تسمح بعودة تهديد حزب الله إلى الحدود، كما يصفان ما يجري باعتباره ضرورة أمنية لحماية بلدات الشمال ومنع تكرار هجمات حزب الله.
لكن هذا الموقف يفتح أسئلة كثيرة: هل تتحول المنطقة العازلة إلى واقع طويل الأمد؛ وماذا يعني ذلك لسكان القرى اللبنانية المدمرة، وهل يشعر سكان شمال إسرائيل فعلاً بالأمان، أم أن الحدود الجديدة تنقل الخطر ولا تنهيه؟
في المطلة، تبدو الإجابة معقدة فالسكان يرون حزب الله أبعد من السابق، لكنهم لا يرون نهاية للحرب.
وعلى الجهة المقابلة، يرى اللبنانيون قرى مدمرة وعودة مؤجلة.
ولم يعد الخط الفاصل بين إسرائيل ولبنان مجرد سياج أو خريطة، لقد تحول إلى منطقة مفتوحة على أسئلة الأمن والسيادة والعودة، وعلى واقع جديد لم يستقر بعد.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :