الثلاثاء 5 مايو 2026 01:09 صباحاً صدر الصورة، Emmanuel Lafont
في عام 2009، كان عبد المالك بيوط يواجه حكماً بالسجن تسع سنوات في مدينة ترييستي الإيطالية، بعد أن طعن رجلاً وقتله لأنه سخر منه في الشارع. وسعياً إلى تخفيف الحكم، قدّم محاميه حجة قانونية غير مألوفة.
قال المحامي إن الحمض النووي لموكله يشير إلى وجود ما يعرف بـ"جين المحارب"، وهي طفرة ربطتها عقود من البحث العلمي بالسلوك العدواني. وبناء على ذلك، حاجج الدفاع بأن بيوط لا يمكن أن يتحمل المسؤولية الكاملة عن أفعاله. وقد نجح الاستئناف، وخفّضت عقوبته سنة واحدة.
ومنذ تسعينيات القرن الماضي، تراكمت أدلة تشير إلى وجود نوع من الصلة بين السلوك العنيف ونسخة من جين يعرف باسم أحادي الأمين أوكسيداز إيه، أو MAOA. وبحلول عام 2004، اكتسب هذا الجين لقباً جذاباً إعلامياً: "جين المحارب".
لكن فهمنا للطريقة التي تؤثر بها الجينات في السمات والسلوكيات تعمّق كثيراً منذ ذلك الحين. وتقول آيسو أوكباي، الأستاذة المساعدة في الطب النفسي ووراثة السمات المعقدة في المركز الطبي الجامعي بأمستردام في هولندا: "في البداية، ظن الناس أن السلوكيات تتأثر بعدد قليل من الجينات ذات التأثير الكبير". وتضيف: "لقد دحض ذلك تماماً".
وبدلاً من ذلك، ظهرت خلال السنوات الخمس عشرة الماضية صورة أكثر تعقيداً ودقة. فحتى السمات التي كان يعتقد أنها شديدة الارتباط بالوراثة، مثل الطول، تبيّن أن تحديد مواضعها في الجينوم أكثر تعقيداً بكثير مما كان يفترض سابقاً.
غير أن أساليب جديدة في الدراسات الجينية واسعة النطاق بدأت اليوم في توسيع الصورة. فمن خلال كشف مزيد من التفاصيل عما تفعله جيناتنا، وما لا تفعله، في تشكيل الأشخاص الذين نصبحهم، تقدم هذه الأبحاث رؤى جديدة في القوى الشديدة التعقيد التي تصوغ الطبيعة البشرية.
السؤال القديم
لطالما انشغل الناس بسؤال: إلى أي مدى تتحدد طباعنا ومسارات حياتنا منذ الولادة؟ ومع ذلك، ظل من الصعب تحديد أصل "الشخصية"، أي ذلك النمط المستقر نسبياً من الأفكار والمشاعر والمواقف التي تكوّن الفرد.
وقد شاع سؤال "الطبع أم التنشئة"، بمعناه الحديث، على يد العالم الإنجليزي الموسوعي فرانسيس غالتون، وهو أيضاً مؤسس علم تحسين النسل.
ففي عام 1875، ساعد غالتون في إرساء طريقة لدراسة الصفات لدى التوائم. لكن أساليبه كانت بدائية، ولم يبدأ العلماء بمقارنة التشابه بين التوائم المتطابقين، الذين يتشاركون 100 في المئة من حمضهم النووي، والتوائم غير المتطابقين، الذين يتشاركون 50 في المئة فقط، إلا في عشرينيات القرن الماضي.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت دراسات التوائم شائعة على نطاق واسع. واليوم، يتفق العلماء عموماً على أن الشخصية تتكون من خمسة أبعاد رئيسية: الانفتاح، ويقظة الضمير، والانبساطية، والتوافقية، والعصابية، وهي ما يُعرف غالباً باسم "العوامل الخمسة الكبرى للشخصية". وقد بحثت دراسات كثيرة على التوائم في ما إذا كانت هذه الأبعاد الشخصية تنتقل وراثياً.
وفي عام 2015، وجد تحليل تلوي شمل أكثر من 2500 دراسة على التوائم بين عامي 1958 و2012، وتناول نحو 18 ألف سمة بشرية معقدة، أن التوائم المتطابقين، كما هو متوقع، كانوا أكثر تشابهاً من التوائم غير المتطابقين. لكن شخصياتهم لم تكن متماثلة تماماً.
وبالنسبة إلى نحو 568 سمة مرتبطة بالمزاج أو الشخصية، خلصت الدراسة إلى أن 47 في المئة من الفروق تعود إلى عوامل جينية. أما النسبة المتبقية، فرجّحت الدراسة أنها تُفسَّر بتأثير البيئة في الشخصية.
وتدعم دراسات أخرى هذه النتيجة، إذ تشير إلى أن نحو 40 إلى 50 في المئة فقط من الفروق في الشخصية يمكن إرجاعها إلى الجينات.
ولطالما كانت دراسات التوائم مجالاً غير دقيق تماماً، لأنها تعتمد غالباً على تقديرات مستخلصة من الفروق بين التوائم وأفراد الأسرة الآخرين. لكن منذ نحو عام 2010، فتحت التطورات الكبيرة في علم الوراثة آفاقاً جديدة أمام العلماء المهتمين بقياس الاختلافات في الشخصية.
مشكلة الوراثة المفقودة
صدر الصورة، Emmanuel Lafont
يعد الجينوم البشري كياناً بالغ التعقيد: فهو يتكوّن من 23 كروموسوماً، يحتوي كل منها على نحو 20 ألف جين. وتنقسم هذه بدورها إلى نحو ثلاثة مليارات من "الأزواج القاعدية"، وهي أصغر وحدات الجينوم، وغالباً ما تصوَّر على أنها أزواج من الأحرف تمتد وفق تسلسل معيّن.
ويتشارك البشر جميعاً في 99.9 في المئة من حمضهم النووي، ما يعني أن نسبة ضئيلة لا تتجاوز 0.1 في المئة من الجينوم هي المسؤولة عن اختلافاتنا. ورغم أن ذلك يضيّق، نظرياً، نطاق البحث أمام العلماء، فإنه لا يزال يترك أمامهم ملايين الأزواج القاعدية التي يتعين تمحيصها. وعلى الرغم من أن العقد الأول من الألفية أتاح بيانات جينومية أرخص وأسهل وصولاً، فإن تحديد موضع اختلافاتنا داخلها تبيّن أنه أصعب بكثير مما كان يعتقد.
لكن السنوات الخمس عشرة الماضية شهدت طفرة في دراسات الارتباط على مستوى الجينوم، وهي طريقة تفحص ملايين الأجزاء الدقيقة من الجينوم التي قد تختلف بين البشر، وتحاول العثور على روابط بينها وبين سمات شخصية مختلفة.
وفي بداياتها، واجهت هذه الدراسات صعوبة في تحديد متغيرات في الحمض النووي ترتبط بالشخصية على نحو ثابت. ونعرف الآن أحد أسباب ذلك: فالسمات البشرية "متعددة الجينات"، أي إن اختلافات جينية كثيرة تسهم، كل منها بتأثير بالغ الصغر، في تكوين الأثر الكلي عبر الجينوم كله. أما في السمات المعقدة، مثل الشخصية، فقد تكون هذه التأثيرات موزعة على آلاف المتغيرات في الحمض النووي.
لكن حتى عند جمع أثر عدد من متغيرات الحمض النووي المختلفة، تبقى التأثيرات في الشخصية أصغر مما كان متوقعاً. وتتراوح تقديرات قابلية توريث سمات الشخصية الخمس الكبرى حالياً بين 9 و18 في المئة، أي أقل بكثير من نسبة 40 في المئة التي أشارت إليها دراسات التوائم. فما الذي يفسر هذا "التوريث المفقود"؟
ربما تكشف الدراسات مستقبلاً عن تأثيرات جينية أقوى، مع زيادة عدد المشاركين فيها وتحسين تصميمها، ومع تعمّق فهمنا لطريقة تفاعل الجينات المختلفة بعضها مع بعض.
أما اليوم، فعند مقارنة تقديرات التوريث في دراسات التوائم ودراسات الارتباط على مستوى الجينوم، يصعب الجزم بأيها أدق، كما تقول أوكباي. وتضيف: "ربما تكون الحقيقة في مكان ما بين الاثنين".
ماذا عن "التنشئة"؟
إذا كانت "الطبيعة"، أو العامل الوراثي، تسهم في تشكيل شخصياتنا بنسبة أقل مما كنا نعتقد سابقاً، فقد يبدو مغرياً أن نعزو نصيباً أكبر إلى "التنشئة": الظروف التي نشأنا فيها، والأشخاص الذين أحاطوا بنا، والأحداث التي صنعت تاريخ كل منا. لكن تبيّن أن فهم أثر البيئة في الشخصية لا يقل تعقيداً عن فهم أثر الجينات.
وبما أن الدراسات تشير إلى أن الشخصية قد تتغير مع مرور الوقت، قد يفترض المرء أن حدثاً كبيراً، كالفوز باليانصيب أو فقدان أحد الأطراف، كفيل بإحداث تحول جذري فيها. غير أن الأبحاث تظهر أن الأحداث الكبرى، حين تقع منفردة، لا تترك سوى أثر محدود جداً في ما نحن عليه.
وتجد الدراسات مراراً أن عوامل مثل طريقة التربية أو التفاعلات الاجتماعية لا تفسر إلا جزءاً صغيراً من الفروق بين الشخصيات. ومع أن الزواج قد يجعل الشخص أقل انفتاحاً بدرجة طفيفة، وأن الإنجاب قد يقلل قليلاً من الانبساطية، فإن هذه الأحداث، كل على حدة، لا تحدد كثيراً من الشخص الذي نصبحه.
وقد وجدت دراسات أن التعرض لأنواع معينة من الصدمات في الطفولة يمكن أن يتنبأ باضطرابات نفسية وضعف في الأداء الإدراكي لاحقاً، وقد يظهر ذلك في سمات شخصية مثل ارتفاع العصابية. أما المصاعب التي يمر بها الإنسان في مرحلة البلوغ، فيبدو أن أثرها أقل بكثير.
صدر الصورة، Emmanuel Lafont
يقول برنت روبرتس، أستاذ علم النفس في جامعة إلينوي في أوربانا-شامبين بالولايات المتحدة: "كانت هذه من أكبر المفاجآت في هذا المجال البحثي: أن يتعرض الإنسان لحدث صادم كبير في مرحلة البلوغ، من دون أن يترك ذلك أثراً هائلاً في شخصيته".
وتحب الثقافة الشعبية سردية الصدمة النفسية؛ أي فكرة أننا ننمو شخصياً بفعل الأشياء السيئة التي تحدث لنا. لكن روبرتس يقول إن "الصدمة لا تصنع هويتك".
وماذا عن أول بيئة نختبرها في حياتنا، حين نكون عائمين داخل الكيس الأمنيوسي في الرحم؟ تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أن تعرض الأمهات للتوتر أثناء الحمل قد يؤثر في مزاج أطفالهن قبل الولادة، ضمن ظاهرة مفترضة تعرف باسم "البرمجة الجنينية".
فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة أجريت عام 2022 أن الأمهات اللواتي شهدن تقلبات أكبر في مستويات التوتر أنجبن أطفالاً أظهروا، في عمر ثلاثة أشهر، قدراً أكبر من الخوف والحزن والضيق.
ولا يزال سبب ذلك غير واضح تماماً، لكن من بين التفسيرات المطروحة آلية لاجينية؛ أي تغيّرات في طريقة تعبير الجينات عن نفسها، لا في الحمض النووي ذاته.
وبصورة عامة، خلص الباحثون إلى أن الفروق في الشخصية، فضلاً عن كونها متعددة الجينات، هي أيضاً "متعددة البيئات". فكما تتراكم متغيرات كثيرة في الحمض النووي عبر الجينوم لتسهم في سمة معينة، تترك كل تجربة من تجارب حياتنا أثراً صغيراً، ثم تتضافر هذه الآثار معاً لتحدث تأثيراً أكبر.
كما أن التأثيرات الجينية والبيئية تتفاعل بطرق لم نفهمها بعد على نحو كامل. فالبيئة، مثلاً، تبدو قادرة على تنشيط استعدادات جينية معينة أو تعطيلها. وتقول جانا إنستينسكي، الباحثة المساعدة في قسم علم النفس بجامعة بيليفيلد في ألمانيا: "لا يعني الاستعداد الجيني أن الناس سيتصرفون بالطريقة نفسها في كل بيئة".
طريق للفهم
تبقى هذه المشكلات شديدة التعقيد، لكن العلماء يقولون إنهم، على الأقل في مجال الوراثة، يحققون اختراقات بفضل أحدث دراسات الارتباط على مستوى الجينوم. والسر؟ زيادة عدد المشاركين على نحو هائل، إذ تحلل أحدث الدراسات البيانات الوراثية لمئات الآلاف، بل لملايين الأشخاص أحياناً، في وقت واحد.
تقول أيسو أوكباي: "لم يتوفر لدينا إلا الآن عدد كافٍ من الأفراد وعينات الأنماط الجينية. ومع هذا الكم الكبير من التأثيرات الصغيرة، نحتاج إلى عينات ضخمة جداً كي نتمكن من رصدها".
وقد كشفت دراسات أُجريت خلال العقد الماضي عن مئات المتغيرات في الحمض النووي المرتبطة بكل واحدة من سمات الشخصية الخمس الكبرى.
ويقول دانيال ليفي، الأستاذ المساعد في الطب النفسي بجامعة ييل في الولايات المتحدة: "ينصبّ كثير من التركيز حالياً على جمع جينومات أعداد أكبر فأكبر من الناس، حتى نتمكن من اكتشاف مزيد من الجينات والبناء على ما أنجزه آخرون من قبل".
ويضيف ليفي أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات على أشخاص من أصول غير أوروبية، قائلاً: "سنفوّت اختلافات ثقافية بالغة الأهمية إذا ظل تركيزنا منصباً بهذه الحدة على مجموعة واحدة".
ومع ذلك، ما زلنا بعيدين عن فهم ما تخبرنا به التبدلات الدقيقة في صفحات شفرتنا الجينية عن الطريقة التي تتشكل بها شخصياتنا. لكن بعض النتائج المثيرة للاهتمام بدأت تظهر بالفعل.
فقد أشارت دراسة ليفي، على سبيل المثال، إلى أن جين **CRHR1**، المرتبط بتنظيم استجابة الجسم للتوتر، يرتبط بقوة بسمة العصابية في أنسجة الجهاز العصبي. وسبق أن رُبط هذا الجين بأمراض نفسية، بينها الاكتئاب والقلق واضطراب الوسواس القهري، وكلها ترتبط أيضاً بالعصابية. ويشير ذلك إلى أن هذه السمة الشخصية وثيقة الصلة بطريقة استجابة الجسم الطبيعية للتوتر.
وتقدم دراسة أخرى مرتقبة، تخضع حالياً لمراجعة الأقران، أدلة تدعم النظريات التي تضع مركز الشخصية في قشرة الفص الجبهي، وهي منطقة في الدماغ مسؤولة عن وظائف معقدة مثل التخطيط واتخاذ القرار. وتخلص الدراسة إلى أن الارتباطات الخاصة بكل سمات الشخصية الخمس الكبرى، باستثناء التوافقية، تتركز في جينات يُعبَّر عنها في هذا الجزء من الدماغ.
ومن اللافت، بحسب الدراسة، أن الخلايا العصبية المرتبطة بالدوبامين لم تكن "من بين أكثر أنواع الخلايا العصبية حضوراً" في هذه الارتباطات. وقد يشكل ذلك تحدياً للنظريات العصبية البيولوجية للشخصية التي تفترض دوراً كبيراً للدوبامين في التوسط في سمتي الانبساطية والانفتاح.
ولا تزال هناك تحفظات كثيرة ومناطق غموض واسعة، حتى في أكثر مجالات علم الوراثة السلوكية دراسة، مثل العلاقة بين العنف وما يُسمى "جين المحارب". وتشير دراسات إلى أنه، لدى بعض فئات الذكور، قد يؤدي وجود جينات معدِّلة معينة، إلى جانب عوامل خطر بيئية محددة، مثل التنشئة القائمة على الإساءة، إلى زيادة احتمال السلوك العنيف في ظروف معينة. لكن النتائج بعيدة عن أن تكون حاسمة.
وحتى الآن، فشلت محاولات اختزال السلوك البشري في حفنة من الجينات أو الأحداث الحياتية. فقد تبيّن أن البشر أكثر تعقيداً بكثير.
وتقول إنستينسكي إن ما يبرز قبل كل شيء هو قابلية الحالة الإنسانية للتغير. وتضيف: "ليس الأمر أنك إذا امتلكت استعداداً جينياً معيناً، فستتصرف دائماً، طوال حياتك، بطريقة معينة".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :