Arab News 24.ca اخبار العرب24-كندا

رحلة البحث عن "ربطة خبز" في غزة

الخميس 16 أبريل 2026 01:54 مساءً التعليق على الصورة، مخابز في دير البلح جنوب قطاع غزة
Article Information

منذ الساعة الخامسة صباحاً، يصطف محمد جادالله في منطقة المواصي جنوب قطاع غزة، بانتظار الحصول على ربطة خبز بالكاد تسد رمق أسرته. "ربطة الخبز قد تكفي أحياناً، لكنها في كثير من الأحيان لا تلبي احتياجات العائلة"، هكذا يصف جاد الله النازح من مدينة رفح، لبي بي سي نيوز عربي.

تفاقمت أزمة الخبز في قطاع غزة، خلال الأسابيع الأخيرة، مع استمرار النقص الحاد في كميات الدقيق الواردة إلى القطاع، نتيجة القيود المفروضة على المعابر وتعطل سلاسل الإمداد، إلى جانب نقص الوقود اللازم لتشغيل المخابز والمطاحن.

وتحاول المنظمات الإغاثية، وعلى رأسها برنامج الأغذية العالمي، التخفيف من حدة الأزمة عبر تشغيل عدد من المخابز المدعومة وتوزيع الخبز في نقاط محددة داخل القطاع. ويُعد الخبز أحد أبرز المواد التي تدخل ضمن المساعدات المقدمة.

يصف جادالله الوضع بأنه "صعب جداً"، مطالباً بآلية توزيع أكثر عدالة، أو توفير الخبز مجاناً للأسر النازحة. "وفي حال عدم حصوله على الخبز، يلجأ إلى "التكية" للبحث عن وجبة بديلة، وإن لم يجد، يضطر لطهي الأرز أو المعكرونة، وأحياناً ينام أطفاله دون طعام. ويتساءل بمرارة: "نحن الكبار يمكننا أن نصبر على الجوع، لكن كيف نقنع طفلاً يبكي جوعاً بأنه لا يوجد خبز؟".

المشاعر تبدو أكثر قسوة لدى "أم محمد عيسى"، التي تقضي أكثر من ساعتين يومياً في الطوابير، وتطالب بتوزيع الخبز عبر نقاط البيع الصغيرة لتفادي ما تسميه "طوابير الذل والإهانة".

بينما يواجه سالم الهواري، مأزقاً مضاعفاً، فهو يعيل أسرة من 11 فرداً، وبعد ساعات من الانتظار، يحصل على ربطة واحدة (كيس بلاستيكي يحتوي على عشرين رغيف) بمعدل "رغيف واحد لكل فرد يومياً"، وهي كمية لا تكفي في ظل انعدام البدائل الغذائية الأخرى.

الجوع يشتد مجدداً

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، مرّ القطاع بثلاث محطات قاسية من المجاعة، ارتبطت وتيرتها بالتحولات السياسية والعسكرية.

شهدت الإمدادات فترات تحسن مؤقت، قبل أن تتراجع مجدداً مع تطورات إقليمية، وإغلاق المعابر عقب اندلاع المواجهة بين إيران وإسرائيل، ما أدى لتفاقم أزمة رغيف الخبز مجدداً خلال الشهر الحالي.

وكان المكتب الاعلامي الحكومي التابع لحكومة حماس بغزة، قال في بيان، إن الأشهر الأخيرة شهدت تراجعاً في إنتاج الخبز نتيجة نقص الدقيق، في ظل تراجع إدخال البضائع والمساعدات، حيث لم تتجاوز الكميات التي سُمح بدخولها 38 بالمئة مما كان يدخل قبل الحرب، رغم الاتفاق على إدخال 600 شاحنة يومياً ضمن البروتوكول الإنساني لوقف إطلاق النار.

وقد برزت مشكلة إضافية تعقد من عملية الحصول على الخبز تتمثل في نقص "الفكة" (العملات النقدية الصغيرة). فالمخابز تشترط الدفع النقدي بفئات محددة لا تتوفر لدى معظم النازحين، في ظل غياب كامل للحلول البديلة مثل الدفع الإلكتروني، ما يجعل رحلة البحث عن الخبز معاناة مركّبة.

ويؤكد نضال عبد العال، النازح في المواصي، جنوب قطاع غزة، أن الطوابير الطويلة عادت بسبب ارتفاع الأسعار، وتتزامن مع نقص وقود الطهي، "ما منع عائلاتنا من الخبز في المنازل، وأصبحنا نعتمد كلياً على المخابز المدعومة".

التعليق على الصورة، مخبز العائلات مدينة غزة

لماذا وصلنا إلى هنا؟

رصدت كاميرا بي بي سي تهالك الماكينات، التي تعمل عبر مولدات طاقة متهالكة، في ظل نقص الوقود وغياب الصيانة.

وفي محاولة للوقوف على أسباب الأزمة، أكد رئيس جمعية أصحاب المخابز في قطاع غزة، عبد الناصر العجرمي، لبي بي سي نيوز عربي، أن القطاع يعاني عجزاً حاداً في الإنتاج يصل إلى 45%. وأوضح أن غزة تحتاج إلى 450 طناً من الطحين يومياً، بينما المتاح حالياً هو 260 طناً فقط.

وأرجع العجرمي الأزمة إلى استمرار منع الجانب الإسرائيلي إدخال الزيوت الصناعية للمولدات وقطع غيار المخابز منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الاول، مشيراً إلى أن الجهود أثمرت مؤخراً عن إدخال كميات من الطحين التجاري لكسر "الفيتو" المفروض عليه.

وأوضح ويلي نيكو، منسق الطوارئ في برنامج الأغذية العالمي في غزة، في مقابلة مع بي بي سي نيوز عربي، أن الأزمة بلغت ذروتها عقب التصعيد الإقليمي في نهاية فبراير الماضي. في وقت لا يملك فيه البرنامج القدرة على تغطية الاحتياجات بالكامل.

وقال نيكو، في مقابلته مع بي بي سي من داخل مخبز العائلات في مدينة غزة، إن برنامج الأغذية العالمي ينتج نحو 130 ألف ربطة خبز يومياً عبر شبكة من المخابز، بما يعادل حوالي 260 ألف كيلوغرام من الخبز. وأضاف أن هذه الكمية لا تغطي سوى 30% من الاحتياج اليومي للقطاع، ما يترك 70% يفترض أن يغطيها القطاع التجاري.

ويتابع نيكو كان يفترض أن يغطي القطاع التجاري تلك الفجوة، إلا أن نقص الإمدادات دفع العديد من التجار إلى الانسحاب من السوق، ليبقى العجز قائماً في طحين القمح.

ويرجع نيكو أسباب الأزمة إلى ما وصفه باعتماد غزة خلال العامين الأخيرين، على نظام التحكم في تدفق الإمدادات من الجانب الإسرائيلي، يفتحه ويغلقه وفق اعتبارات أمنية، ما أدى إلى تعطّل خطوط الإمداد من مصر والأردن.

وبحسب منسق الطوارئ في برنامج الأغذية العالمي، فإن الاعتماد الكامل على المساعدات بدلاً من النشاط التجاري يُعد "حلاً غير مستدام"، خاصة مع تحول الاستيراد إلى ما يشبه الاحتكار بيد فئة محدودة من التجار الذين يسعون إلى الربح، على حساب القيمة الغذائية، ما أدى إلى ارتفاع مستويات سوء التغذية الحاد خاصة بين النساء الحوامل والمرضعات والفتيات.

واختتم نيكو حديثة متوقعاً، أن تكون الأزمة المقبلة "أزمة ماكينات" وليست طحيناً فقط، مشيراً إلى أن المخابز التي لم تخضع للصيانة منذ عامين بدأت بالانهيار، وهو ما وصفه بـ"الأزمة الكبرى القادمة"، التي قد تجعل توفر الطحين بلا جدوى في حال فقدت القدرة على خبزه وتوزيعه.

التعليق على الصورة، مخبز في دير البلح جنوب قطاع غزة

"السوق السوداء وغياب العدالة"

إلى جانب نقص الإمدادات، تبرز ممارسات سلبية تضاعف معاناة السكان. يشير نضال عبد العال إلى غياب العدالة في التوزيع، مؤكداً أن البعض يستغل الأزمة بإرسال أطفالهم لسحب كميات كبيرة من الخبز بالسعر المدعوم (3 شيكل) لربطة الخبز الواحدة، لإعادة بيعها في السوق السوداء بأسعار تصل إلى 10 شيكل (نحو 3 دولارات)، مستغلين حاجة العائلات التي تعجز عن الوقوف في الطوابير.

ويختم توفيق دياب، النازح من بلدة خزاعة، بتساؤل يتردد "أين يذهب الطحين الذي يقال إنه يدخل القطاع؟ ولماذا يضطر المسنون للاصطفاف لساعات دون كرامة؟".

تساؤلات تبقى معلقة، فيما تظل الحياة في غزة شبه متوقفة بانتظار رغيف خبز قد يأتي… أو لا يأتي.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :