الأربعاء 1 أبريل 2026 12:04 مساءً صدر الصورة، Getty Images
منذ بدء الهجمات الإيرانية على دول خليجية وتعطّل الملاحة في مضيق هرمز منذ أواخر فبراير/شباط 2026، عاد ملف جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى إلى الواجهة، لا بوصفها نزاعاً حدودياً قديماً فقط، بل كجزء من صراع أوسع على النفوذ والسيادة وأمن الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وبينما تؤكد أبوظبي أن الجزر الثلاث أراضٍ إماراتية تحتلها إيران، تتمسك طهران بأنها جزر إيرانية "أبدية" و"غير قابلة للتفاوض". وبين هذين الموقفين، لا توجد تسوية، بل تراكمٌ من الرسائل المتبادلة في الأمم المتحدة، والبيانات الدبلوماسية، والتوترات التي ترتفع حدّتها كلما اهتزّ مضيق هرمز نفسه.
من هرمز المشتعل إلى الجزر الثلاث
صدر الصورة، Getty Images
منذ 28 فبراير/شباط 2026، دخلت المنطقة مرحلة تصعيد أوسع عقب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران واغتيال المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، تبعتها ضربات إيرانية طالت دولاً خليجية، وتعطّل شحنات الطاقة عبر مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط، وتحول أمن الملاحة إلى ملف دولي ضاغط. وفي 11 مارس/آذار تبنّى مجلس الأمن القرار2817 الذي دان أي تحرك أو تهديد إيراني يستهدف إغلاق المضيق أو عرقلة الملاحة الدولية فيه. كما رحّبت الإمارات لاحقاً بقرار من المنظمة البحرية الدولية يدين "التهديدات والهجمات" على السفن.
لكن طهران تقدم رواية مختلفة. فوزارة الخارجية الإيرانية قالت في 23 و24 مارس/آذار إن مضيق هرمز "ليس مغلقاً"، وإن الملاحة مستمرة، لكنها ربطت المرور بما تصفه باحترام سيادة البلاد الساحلية وباستبعاد السفن "المرتبطة بالأطراف المعتدية". وفي مراسلات مع الأمم المتحدة، وصفت إيران منع مرور سفن مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما بأنه حقّ مشروع في ظل الحرب.
هنا تكتسب الجزر الثلاث أهمية مضاعفة. فهي تقع عند الخاصرة الحساسة للمضيق أو بالقرب منها، ولذلك لا يُنظر إليها اليوم فقط باعتبارها ملف سيادة مؤجلاً منذ 1971، بل كجزء من البنية العسكرية والسياسية التي تجعل إيران لاعباً حاسماً في أمن الممر البحري، وتجعل الإمارات ترى أن النزاع ليس تاريخياً فقط، بل مرتبط مباشرة بتوازن القوى في الخليج. وهذه هي النقطة التي تعيد القضية إلى الواجهة كلما انفجر هرمز.
كيف بدأ النزاع؟
صدر الصورة، Getty Images
بدأت اللحظة المؤسسة للنزاع بصيغته الحالية عام 1971، بعد انسحاب القوات البريطانية من الخليج. عندها بسطت إيران سيطرتها على طنب الكبرى وطنب الصغرى وعلى جزء من أبو موسى، ثم عززت لاحقاً سيطرتها على أبو موسى كاملة تقريباً من الناحية العملية، فيما بقيت مسألة السيادة موضع خلاف.
ثمة مذكرة تفاهم عام 1971 بين إيران وحاكم الشارقة بشأن أبو موسى، نصّت عملياً على إدارة الجانبين لأجزاء مختلفة من الجزيرة، من دون حسم مسألة السيادة. وهذه نقطة جوهرية، لأنها تفسّر لماذا يختلف وضع أبو موسى قانونياً وسياسياً، في السردية التاريخية، عن وضع طنب الكبرى وطنب الصغرى.
أما الإمارات، التي قامت دولتها الاتحادية في العام نفسه، فتقول إن الجزر كانت تُدار قبل السيطرة الإيرانية من مشيخات أصبحت لاحقاً جزءاً من دولة الإمارات، وبالتالي ورثت الدولة الجديدة حق السيادة عليها. في المقابل، تقول إيران إن سيادتها على الجزر تستند إلى حقوق تاريخية، وإن الجزر جزء من أراضيها الوطنية. وهذا التباين في أصل الملكية هو جوهر النزاع حتى اليوم.
ماذا تقول الإمارات؟
صدر الصورة، Bloomberg via Getty Images
الموقف الإماراتي الرسمي ثابت في صيغته الأساسية: أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى "أراضٍ إماراتية، وإيران تحتلها منذ 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1971". وتقول الصفحة الرسمية لسفارة الإمارات في واشنطن إن أبوظبي احتجت منذ اللحظة الأولى على ما تصفه بـ"الاحتلال غير القانوني"، ورفعت القضية إلى مجلس الأمن في 9 ديسمبر/كانون الأول 1971، ثم واصلت الدعوة إلى حلها عبر مفاوضات مباشرة جادة أو التحكيم أو إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية. وتؤكد الوثيقة نفسها أن مجلس الأمن أرجأ التحرك حينها لإتاحة المجال أمام التفاوض.
وفي بيانات إماراتية أحدث، كررت أبوظبي الموقف نفسه تقريباً. ففي بيان مشترك نشرته وزارة الخارجية الإماراتية في 3 فبراير/شباط 2026، جرى التأكيد على ضرورة إنهاء ما سمّاه البيان "احتلال" الجزر الثلاث، وعلى دعم تسوية سلمية عبر المفاوضات الثنائية أو التحكيم أمام محكمة العدل الدولية، وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
ماذا تقول إيران؟
صدر الصورة، Getty Images
إيران، من جهتها، لا تتحدث عن "نزاع" بالمعنى الذي تشير إليه الإمارات، بل عن "سيادة مكتملة على جزر إيرانية". ففي رسالة وجهتها البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن عام 2024، قالت طهران إنها ترفض "الادعاءات الملفقة" بشأن أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وتؤكد سيادتها على هذه "الجزر الإيرانية"، وأن كل القرارات والإجراءات المتخذة فيها تستند إلى مبدأ السيادة الوطنية.
وفي رسالة أخرى مرتبطة باعتراضها على إعلان عربي أُرفق بوثيقة أممية، كررت إيران أن الجزر الثلاث "أجزاء لا تنفصل" من أراضيها، واعتبرت التشكيك في ذلك انتهاكاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. كما شددت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان رسمي آخر على أن أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى "تعود إلى إيران إلى الأبد" وأن طهران لا تعتبر سيادتها عليها قابلة للتفاوض.
أين تقف الأمم المتحدة؟ ولماذا تبقى القضية مفتوحة؟
صدر الصورة، Getty Images
الأمم المتحدة لم تحسم السيادة على الجزر، لكنها وفّرت منذ عقود منصة لتسجيل المواقف المتعارضة. هذه المنصة تشمل وثائق تعكس الموقفين الإماراتي والإيراني. ففي الوثائق التي تسجل موقف أبوظبي يتم ذكر الجزر الثلاث بوصفها "جزءاً من أراضي الإمارات"، مع دعوات إلى استجابة إيران لمبادرات الحل السلمي. أما الوثائق التي تسجل موقف طهران فتصف الجزر بأنها "إيرانية مع أي طعن في سيادة طهران عليها". بعبارة أخرى: الأمم المتحدة تحفظ السجال، لكنها لم تنهِه.
فهذه الوثائق لا تعني أن الأمم المتحدة تتبنى أياً من الموقفين أو تحسم مسألة السيادة. ففي حالات كثيرة، تكون الوثائق الأممية مجرد تسجيل رسمي لرسائل ومذكرات مقدمة من الدول الأعضاء، بما يحفظ مواقفها في السجل الدبلوماسي للمنظمة من دون أن يشكل ذلك اعترافاً من الأمم المتحدة نفسها بسيادة أي طرف على الجزر.
وتحظى الإمارات بدعم سياسي عربي وخليجي واضح في مطالبتها بالسيادة على الجزر الثلاث، فيما تؤكد إيران أنها جزء لا يتجزأ من أراضيها.
وفي مايو/أيار 2024، بعثت الإمارات رسالة إلى مجلس الأمن اعترضت فيها على مشاريع وتدابير إيرانية في الجزر الثلاث. وبعدها بأسابيع، ردت إيران برسالة مضادة ترفض تلك الاعتراضات وتصفها بأنها مزاعم لا أساس لها. هذا النمط من الرسائل المتبادلة يوضح أن الملف لا يزال مفتوحاً دبلوماسياً وقانونياً، وأنه يُستعاد كل مرة في سياقات إقليمية أوسع، كما يحدث الآن مع حرب 2026 وأزمة مضيق هرمز.
أما من حيث الأهمية الاستراتيجية، فالجزر صغيرة المساحة، لكن ذات موقع متميز.
تبلغ مساحة أبو موسى نحو 12 كيلومتراً مربعاً ويقطنها نحو 2000 شخص، بينما تبلغ مساحة طنب الصغرى نحو 2 كيلومتر مربع ولا سكان مستقرين فيها. غير أن القيمة الحقيقية ليست في الحجم، بل في الموقع قرب مدخل مضيق هرمز، في منطقة شديدة الحساسية لحركة النفط والغاز والتجارة والأمن العسكري. ولهذا، فكل نقاش حول الجزر ينتهي في الواقع إلى نقاش أكبر حول الخليج كله.
متى يعود ملف الجزر إلى الواجهة؟
صدر الصورة، Getty Images
لا يختفي ملف أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى من الخطاب السياسي بين إيران والإمارات، لكنه يتحول من نزاع قديم إلى أزمة بارزة كلما ارتبط بخطوة عملية على الأرض أو بموقف دبلوماسي خارجي يُنظر إليه بوصفه مساساً بمبدأ السيادة. بمعنى آخر، الجدل لا يتجدد فقط بسبب أصل النزاع التاريخي، بل لأن كل إجراء رمزي أو إداري أو عسكري على الجزر يمكن أن يُقرأ على أنه محاولة لتكريس واقع سياسي وقانوني جديد.
ومن أبرز المحطات التي أعادت الملف بقوة إلى الواجهة زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى أبو موسى في أبريل/نيسان 2012. أهمية الزيارة لم تكن في بعدها البروتوكولي فقط، بل في أنها صدرت عن رئيس البلاد وفي جزيرة محل نزاع، ما جعلها تُقرأ إماراتياً وخليجياً بوصفها محاولة لتأكيد السيادة الإيرانية. لذلك وصفتها الإمارات بأنها "انتهاك صارخ" لسيادتها، واستدعت سفيرها في طهران للتشاور، ثم جاء موقف مجلس التعاون الخليجي ليزيد من تحويل الزيارة من حدث رمزي إلى أزمة دبلوماسية إقليمية مكتملة. وبعد ذلك بأسابيع، ساهمت زيارة قائد في الحرس الثوري للجزر المتنازع عليها في إذكاء التوتر، بما أظهر أن الملف يمكن أن يشتعل سريعاً عندما تقترن الرمزية السياسية بالحضور الأمني أو العسكري.
وهناك محطة أقدم وأكثر دلالة من حيث السياق الإداري والقانوني، وهي أحداث عام 1992 في أبو موسى. فبحسب موسوعة إيرانیکا، منعت السلطات الإيرانية في أبريل/نيسان من ذلك العام دخول غير الإماراتيين إلى الجزء الذي كان خاضعاً لإدارة الشارقة بموجب تفاهم 1971، ثم وقعت في أغسطس/آب إجراءات مشابهة شملت مطالبة بعض الزائرين بإجراءات متعلقة بالجوازات والتأشيرات كما لو أنهم يدخلون أراضٍ إيرانية. هذه التطورات زادت من توتر ملف الجزر الثلاث لأنها لم تكن مجرد تصريح سياسي، بل مساساً عملياً بترتيبات الإدارة القائمة على الجزيرة، ولذلك فُهمت على أنها انتقال من إدارة نزاع معلّق إلى تشديد السيطرة الفعلية، وهو ما ساهم في تعثر المحادثات بين الجانبين آنذاك.
دخلت الصين أيضاً إلى قلب الجدل حول الجزر الثلاث عندما تضمن بيان مشترك صيني-إماراتي في نهاية مايو/أيار 2024 دعماً صينياً لجهود الإمارات للتوصل إلى "حل سلمي" لقضية أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى. هذا لم يكن اعترافاً صينياً صريحاً بسيادة الإمارات على الجزر، لكنه كان مهماً لأن بكين استخدمت لغة تتعامل مع القضية بوصفها نزاعاً قائماً يحتاج إلى تسوية، بينما تصر إيران على أن الملف غير قابل للتفاوض أصلاً لأن الجزر، بحسب موقفها الرسمي، جزء من أراضيها.
ردّ إيران جاء سريعاً وحاداً. ففي 2 يونيو/حزيران 2024، استدعت وزارة الخارجية الإيرانية السفير الصيني في طهران للاحتجاج على البيان، وقالت إن الموقف الصيني يدعم ما وصفته بالمطالب الإماراتية "التي لا أساس لها"، وطالبت بكين بإعادة النظر في موقفها.
اللافت أن الصين لم تتراجع. ففي اليوم التالي تقريباً، قالت وزارة الخارجية الصينية إن موقفها "متسق" ولم يتغير، وإنها ما زالت تدعم تسوية القضية سلمياً عبر الحوار بين إيران والإمارات.
وما يجعل القصة أكثر حساسية هو أن إيران والصين ترتبطان بعلاقة استراتيجية وثيقة. ففي 2021 وقعتا اتفاق تعاون لمدة 25 عاماً لتعزيز شراكتهما الاقتصادية والسياسية، كما أن الصين تعد من أهم شركاء إيران التجاريين، وفي السنوات الأخيرة بقيت مشترياً رئيسياً للنفط الإيراني رغم العقوبات الأمريكية. لهذا السبب بدا الاحتجاج الإيراني على بكين لافتاً.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :