Arab News 24.ca اخبار العرب24-كندا

هل نشهد نظاماً عالمياً ناشئاً تشن فيه الحروب "لمجرد التسلية"؟

الأربعاء 18 مارس 2026 03:04 صباحاً صدر الصورة، Getty Images

Article Information

قد ينظر إلى المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران على أنها واحدة من أولى الصراعات الكبرى التي تجري في ظل نظام عالمي ناشئ، بدأت فيه القواعد التي حكمت السلوك الدولي لعقود، بفقد جزء من تأثيرها.

فخلال معظم الفترة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الحرب والدبلوماسية تداران رسمياً ضمن إطار صاغه القانون الدولي، ومؤسسات مثل الأمم المتحدة وغيرها من الاتفاقيات. وحتى عند خرق تلك القواعد أو تفسيرها بشكل انتقائي، كانت الحكومات تحاول عموماً تبرير أفعالها من داخل ذلك النظام؛ حيث كانت العمليات العسكرية تُحاط عادةً بذرائع قانونية، أو مشاورات دبلوماسية أو تشكيل تحالفات دولية.

أما في الحرب الحالية، يبدو أن هذه الاعتبارات تلعب دوراً محدوداً، إذ يبدو أن القرارات الاستراتيجية باتت تُحركها بشكل متزايد الحسابات العسكرية والسياسية أو الأمنية الفورية، بدلاً من الحاجة إلى انسجام هذه التحركات مع الأطر القانونية الدولية أو الحصول على موافقة متعددة الأطراف.

بالنسبة لإيران، العمل في ظل ظروف كهذه ليس أمراً جديداً تماماً؛ فقد عاشت البلاد لعقود تحت وطأة عقوبات دولية واسعة وفي عزلة سياسية. ومع مرور الوقت، طوّرت شبكات وآليات اقتصادية مصممة للالتفاف على تلك القرارات (سواء كانت متعددة الأطراف أو أحادية). ورغم خضوعها لواحد من أكثر أنظمة العقوبات شمولاً في العالم، استمرت إيران في تصدير النفط والحفاظ على نفوذها الإقليمي.

وضمن هذه الثقافة الاستراتيجية، غالبا ما كان التصعيد "محسوباً بدقة"؛ فكانت الردود الإيرانية في الأزمات الماضية تسعى عادة إلى رفع كلفة المواجهة على خصومها، دون التسبب في اندلاع حرب إقليمية شاملة. وكان الهدف الأسمى غالباً هو زيادة الضغط الاقتصادي أو السياسي على الخصوم حتى تتدخل أطراف خارجية للدفع نحو خفض التصعيد.

التعليق على الصورة، "حتى الحروب لها قوانين" عبارة من اتفاقية جنيف على واجهة مقر منظمة الصليب الأحمر الدولي في جنيف

إسرائيل أيضاً معتادة على العمل في بيئة لا تترجم فيها الاتفاقيات الدولية بالضرورة إلى قيود عملياتية فورية. فالعقيدة العسكرية الإسرائيلية تؤكد منذ أمد بعيد على العمل السريع والحاسم عندما يعتقد القادة أن هناك تهديداً خطيراً يلوح في الأفق. وكانت الضربات الاستباقية واستخدام القوة المفرطة عناصر متكررة في هذا النهج.

وفي السنوات الأخيرة، واجهت التحركات الإسرائيلية في صراعات مثل الحرب في غزة تدقيقاً متزايداً في المحافل القانونية الدولية، بما في ذلك محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. وفي الوقت ذاته، استمرت إسرائيل في تقدير أن أولوياتها الأمنية تبرر لها القيام بعمل عسكري حاسم، خاصة في ظل استمرارها في الحصول على دعم استراتيجي قوي من الولايات المتحدة.

أما الولايات المتحدة، فهي في وضع مختلف تماماً داخل هذا النظام. لم تكن واشنطن مجرد مشارك آخر في النظام الدولي الذي تشكل بعد عام 1945، بل لعبت دوراً محورياً في تصميمه واستدامته. وغالباً ما عملت شبكة التحالفات والمؤسسات والمعايير القانونية التي ظهرت بعد الحرب على تضخيم النفوذ الأمريكي عالمياً.

أقرب ما وصلت إليه الولايات المتحدة في العقود الأخيرة لتجاوز هذا النظام علانية كان غزو العراق عام 2003. وحتى في ذلك الحين، سعت واشنطن إلى تأطير التدخل كجزء من جهد تحالف أوسع؛ ضمّ ما سمي بـ "تحالف الراغبين"، حلفاء مثل بريطانيا وأستراليا وبولندا، إلى جانب عشرات الحكومات الأخرى التي قدمت درجات متفاوتة من الدعم. ورغم أن التبرير القانوني للحرب ظل محل نزاع شديد، إلا أن الولايات المتحدة حاولت مع ذلك وضع العملية ضمن سياق متعدد الأطراف.

في المواجهة الحالية، يبدو أن التركيز على الشرعية الدولية بات أقل أهمية لدى جميع الأطراف المعنية، وقد عكست تصريحات كبار المسؤولين نبرة مختلفة. في يوم السبت، 14 مارس/ آذار، على سبيل المثال، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن سلسلة من الضربات قد "دمرت تماماً" جزءاً كبيراً من جزيرة خارك الإيرانية، مصرحاً لشبكة "إن بي سي نيوز": "قد نضربها بضع مرات أخرى لمجرد التسلية". وتجسد مثل هذه التصريحات مقاربة أكثر مباشرة وأقل تأطيراً من الناحية الدبلوماسية، عما كان يرافق تقليدياً العمليات العسكرية الأمريكية الكبرى.

في هذه المقاربة الجديدة، استُخدمت الأدوات الاقتصادية أيضاً بحزم كأدوات للسياسة؛ ففُرضت الرسوم الجمركية والقيود التجارية والتدابير المالية بشكل متزايد، ليس على الخصوم فحسب، بل كذلك على الشركاء القدامى. وواجهت الحكومات الأوروبية، بما في ذلك بريطانيا وحلفاء آخرون في حلف الناتو، انتقادات من واشنطن بشأن قضايا تتراوح بين الإنفاق الدفاعي وسياسة الهجرة، وصولاً إلى الممارسات التجارية والعلاقات مع روسيا.

قد تبدو هذه السياسات فعالة على المدى القصير، خاصة إذا استمرت الدول الأخرى في العمل ضمن المعايير الدولية المتعارف عليها. ومع ذلك، فإن التداعيات على المدى الطويل تبدو أقل وضوحاً؛ فإذا بدأ المهندس الرئيسي للنظام القائم على القواعد في التقليل من شأن تلك القواعد، قد تشعر الحكومات الأخرى أيضاً بأنها أقل تقيداً بها.

ويوضح سلوك إيران في المواجهات السابقة كيف كانت قيادتها تدير في الماضي مثل هذه الحدود. فخلال الأزمات السابقة، بما في ذلك حرب الـ 12 يوماً في صيف عام 2025، التزمت طهران إلى حد كبير بخطوطها الحمراء الاستراتيجية الخاصة، حتى أثناء ردها العسكري. ورغم أن الصراع نفسه مثّل خروجاً عن الإطار القانوني الدولي المعتاد، إلا أن الرد الانتقامي الإيراني ظل مدروساً.

حين أطلقت إيران صواريخها باتجاه قاعدة "العديد" الجوية الأمريكية في قطر، بدا أن الضربة سبقتها تحذيرات غير رسمية للسلطات القطرية والأمريكية على حد سواء. ولوحظت إشارات مماثلة في وقت سابق خلال الضربات الإيرانية في العراق. وحتى بعد تعرضها لأضرار جسيمة، بدا أنّ رد طهران الانتقامي محسوب بدقة لتجنب تصعيد أوسع.

أما في الصراع الحالي، فيبدو أن تلك القيود قد تلاشت؛ في الموجة الأولى من الضربات التي أعقبت مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، شنت إيران هجمات ضد منشآت تابعة للولايات المتحدة في أنحاء شبه الجزيرة العربية، مستهدفةً قواعد عسكرية وأهدافاً ومدنيين وبنى تحتية. وفي الوقت نفسه، عطلت التحركات الإيرانية فعليا حركة المرور عبر مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

وكانت العواقب سريعة، تفاعلت أسواق الطاقة بحدة، وأدى تعطيل الشحن في الممر المائي الضيق إلى آثار متتابعة على سلاسل التوريد العالمية. وبالنسبة للشركات الدولية والحكومات على حد سواء، سلّطت هذه الأحداث الضوء على السرعة التي يمكن أن ينتج بها صراع إقليمي صدمات اقتصادية عالمية عندما تبدأ القيود المفروضة على التصعيد على المدى الطويل في التلاشي.

ومن المرجح أن تستخلص القوى الكبرى الأخرى استنتاجاتها الخاصة من هذه التطورات؛ قد تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار الطاقة، وتخفّ الضغوط الناجمة عن العقوبات على موسكو رغم معارضة الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت ذاته، من المرجح أن تراقب الصين عن كثب إلى أي مدى يمكن أن تتغير المعايير الدولية وفي أي اتجاهات.

تبدو أوروبا في الوقت الراهن ذات تأثير محدود على مسار الأحداث، فبالرغم من بذل الجهود الدبلوماسية، يجد الاتحاد الأوروبي وبريطانيا نفسهما في موقع المراقب أكثر من كونهما مساهمين في مجرى التطورات.

لذلك، فإن السؤال الأكثر شمولاً الذي تثيره الحرب في الشرق الأوسط، يذهب إلى ما هو أبعد من نتائج صراع واحد، فهو يتعلق بمدى استمرارية النظام الدولي الذي شكل العلاقات والسياسات العالمية منذ عام 1945. ورغم أن هذا النظام لم يحظَ يوماً بقبول عالمي شامل وكان محطة نزاع في كثير من الأحيان، إلا أنه وفر إطاراً لممارسة القوة من خلاله.

وإذا استمر هذا الإطار في التلاشي، قد تكون النتيجة بيئة دولية أقل قابلية للتوقعات، تعتمد فيها الدول بشكل أقل على القواعد المشتركة وبشكل أكبر على القدرات الخام. وفي ظل هذا المشهد، حتى الدول التي صممت هذا النظام في الأصل قد تجد أن تآكله يحمل عواقب يصعب التنبؤ بها.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :